مقالات

حديث النجوم…

و الآن . . . هلّم معي لنرى هل يصح صدور مثل هذا الكلام من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ؟ و هل كان جميع الصحابة على خير من بعده ؟ و هل كانوا جميعاً مؤهلين لأن يقتدى بهم ؟ و هل كانوا جميعا هادين حقاً ؟ . . .
إذا كان كذلك ، فما معنى قوله تعالى :
﴿ … أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ … ﴾ 1 .
و قوله تعالى :
﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ 2 .
و غيرهما من الآيات الكريمة التي تنص على وجود المنافقين بين أصحاب الرسول صلى الله عليه و آله و سلم .
ثم هل يمكن الاعتقاد بأنه صلى الله عليه و آله و سلم كان لا يعلم ما سيقع بعده بين الأمة الإسلامية ؟
كلا . . . ثم كلا . . . إنه صلى الله عليه و آله و سلم كان على علم بجميع ما سيحدث بين أصحابه و أمته إلى يوم القيامة ، لذا وردت الأحاديث الكثيرة التي لا تحصى يخبر فيها عليه و على آله الصلاة و السلام عن القضايا التي سيستقبلها المسلمون .
إنه صلى الله عليه و على آله الطاهرين قال : « ستفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة . . . » 3 .
**
و هناك أحاديث كثيرة أيضا وردت في خصوص صحابته تفيد سوء حال جم غفير منهم ، و انقلابهم من بعده على أعقابهم ، مرتدين عن الدين راجعين بعده كفارا خاسرين .
منها : قوله صلى الله عليه و آله و سلّم فيما أخرجه البخاري :
« أنا فرطكم على الحوض ، و ليرفعن رجال منكم ، ثم ليختلجن دوني ، فأقول : يا رب أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما احدثوا بعدك « و في حديث : فاقول : سحقا سحقا لمن غير بعدى » و في بعض الأحاديث : « إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى » 4 .
و منها : قوله صلى الله عليه و آله و سلم لأصحابه :
« لا ترجعوا بعدي كفاراً » 5 .
و منها : قوله صلى الله عليه و آله و سلم :
« الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل » 6 .
. . . إلى غير ذلك من الأحاديث التي رواها القوم عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في ذم الصحابة آحاداً و جماعات ، في موارد كثيرة و مناسبات مختلفة و مواطن عديدة . . .
فكيف يحسن منه سلام الله عليه و آله أن يجعل كلا من هؤلاء نجما يهتدى به و الحال هذه ؟
على أن كثيراً من الصحابة اعترفوا في مناسبات عديدة بالجهل و عدم الدراية و الخطا في الفتيا ، حتى اشتهر عن بعض أكابرهم ذلك . . . و لذا كان باب التخطئة و الرد مفتوحا لدى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه و على آله ، بل ربما تجاوزت التخطئة حد الاعتدال و بلغت التكذيب و التجهيل و التكفير . . . و تلك قضاياهم مدونة في كتب الآثار .
و هل أعجب من دعوى كون جميعهم نجوما يهتدى بهم و الحال أنه لم تكن لهم هذه المنزلة عند أنفسهم ، كما هو واضح عند من راجع أخبارهم ؟
و أما سب بعضهم بعضا ، و ضرب بعضهم بعضا ، و نفي بعضهم لبعض فقد كان فاشياً فيما بينهم ، بل لقد استباح بعضهم قتل بعض . . .
أما إذا راجعنا أخبار كل واحد من الصحابة و تتبعنا أفعالهم و قضاياهم لعثرنا على أشياء غريبة عن الإسلام ، بعيدة عنه كل البعد ، من شرب للخمر ، و شهادة زور ، و يمين كاذبة ، و فعل للزنا ، و بيع للخمر ، و الأصنام ، و فتيا بغير علم . . . إلى غير ذلك من الكبار المحرمة بأصل الشرع و اجماع المسلمين . . . نشير هنا إلى بعضها باختصار . . .
1 ـ كذب جماعة من مشاهير الصحابة و أعيانهم في قضية الجمل في موضوع ( الحوأب ، و تحريضهم الناس على شهادة الزور كما شهدوا هم ، و القصة مشهورة . . . 7 .
2 ـ قصة خالد بن الوليد و قوم مالك على عهد أبي بكر إذ وقع فيهم قتلا و نهبا و سببا ، ثم نكح امرأة رئيسهم مالك بن نويرة من ليلته بغير عدة ، حتى أنكر عمر بن الخطاب ذلك 8 .
3 ـ زنا المغيرة بن شعبة في قضية هذا مجملها :
إن المغيرة بن شعبة زنا بأم جميل بنت عمر ، و هي امرأة من قيس ، و شهد عليه بذلك : أبو بكرة ، و نافع بن الحارث ، و شبل بن معبد .
و لما جاء الرابع و هو زياد بن سمية ـ أو : زياد بن أبيه ـ ليشهد أفهمه عمر ابن الخطاب رغبته في أن يدلي بشهادته بحيث لا تكون صريحة في الموضوع حتى لا يلحق المغيرة خزي بإقامة الحد عليه ، ثم سأله عما رآه قائلاً :
أرأيته يدخله و يخرجه كالميل في المكحلة .
فقال : لا .
فقال عمر : الله اكبر ، قم يا مغيرة إليهم فاضربهم .
فقام يقيم الحدود على الشهود الثلاثة 9 .
4 ـ بيع سمرة بن جندب الخمر على عهد عمر بن الخطاب ، فقال عمر لما بلغه ذلك :
« قاتل الله فلانا ، باع الخمر . . . ؟ » 10 .
5 ـ بيع معاوية بن أبي سفيان الأصنام ، فقد جاء في ( المبسوط ) ما نصه :
« و ذكر عن مسروق رحمه الله قال : بعث معاوية رحمه الله بتماثيل من صفر تباع بأرض الهند فمر بها على مسروق رحمه الله قال : والله لو أني أعلم أنه يقتلني لغرقتها ، و لكني أخاف أن يعذبني فيفتنني ، والله لا أدري أي الرجلين معاوية :
رجل قد زين له سوء عمله ، أو رجل قد يئس من الآخرة فهو يتمتع في الدنيا . . .» 11 .
6 ـ شرب عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب ( و كنيته أبو شحمة ) الخمر على عهد أبيه في مصر أيام ولاية عمرو بن العاص عليها .
و قد أقام عمر الحد على ولده هذا في المدينة ـ بعد أن طلبه من مصر ـ و قد أقام عمرو الحدّ عليه هناك و هو مريض ثم حبسه أشهر فمات على أثر ذلك 12 .
7 ـ جهل بعض كبار الصحابة بالأحكام الشرعية ، بل بمعاني الألفاظ العربية ، و قوله في ذلك بغير علم .
فقد اشتهر عن أبي بكر أنه لم يعرف معنى« الكلالة » بالرغم من نزولها في القرآن ، و بيان النبي صلى الله عليه و آله و سلّم معناها للأمة ، فقال حينما سئل عنها :
« إنّي رأيت في الكلالة رأياً ، فإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له ، و إن يكن خطا فمني و الشيطان ، و الله برئ منه . . .» 13 .
8 ـ بيع معاوية بن أبي سفيان الشيء بأكثر من وزنه ، فقد جاء في ( الموطأ ) ما نصه :
« مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار : إن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها ، فقال له أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم ينهى عن مثل هذا ، إلا مثلا بمثل ، فقال له معاوية : ما أرى بمثل هذا باسا .
فقال أبو الدرداء : من يعذرني من معاوية ؟ أنا أخبره عن رسول الله صلى الله عليه و سلّم و يخبرني عن رأيه ، لا أساكنك بارض أنت بها » 14 .
9 ـ إقدام زيد بن أرقم على أمر قالت عائشة أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه و سلّم إن لم يتب . . . فقد روى جماعة من المحدّثين و الفقهاء و المفسرين « عن أم يونس : إن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلّم قالت لها أم محبة أم ولد لزيد بن أرقم الأنصاري : يا أم المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم ؟ قالت : نعم ، قالت : فإني بعته عبدا إلى العطاء بثمانمائة ، فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته منه قبل الأجل بستمائة ، فقالت : بئسما شريت و بئسما اشتريت ، ابلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إن لم يتب .
قالت : فقلت أفرأيت إن تركت المائتين و أخذت الستمائة ؟ قالت : فنعم ، من جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف » 15 .
10 ـ مؤامرة عائشة و حفصة على زينب بنت جحش ، فقد روي عن عائشة أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يشرب عسلاً عند زينب بنت جحش و يمكث عندها فتواطأت أنا و حفصة على أن أيتنا دخل عليها . فلتقل له ؛ أكلت مغافير 16 ؟ قال : لا و لكن أشرب عسلاً عند زينب بنت جحش ، فلن أعود له ، لا تخبري بذلك أحدا » 17 .
و الخلاصة : فإن الآيات الكريمة من القرآن الكريم و الأحاديث النبوية ، و كتب التاريخ و الفقه تشهد على بطلان حديث النجوم ، و تدل على أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم لا يجيز لنا الاقتداء بكل واحد من صحابته ، لمجرد صحبته و فيهم المنافق و الفاسق و المجرم . . .
فمعنى حديث النجوم دليل آخر على أنه موضوع ، بالإضافة إلى ضعف جميع رواته و طرقه . . .
و قد نص على بطلان هذا الحديث من هذه الناحية جماعة من علماء الحديث كالبزار 18 و ابن القيم 19 و ابن حزم 20 .
نعم . هناك في كتب أهل السنة و مصادرهم المعتبرة في الحديث ، أحاديث رووها عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم نؤمن بمضمونها ، و نأخذ بمؤداها ، و نعتقد بمدلولها ، و لا مجال لورود شيء من المحاذير فيها ، كقوله صلى الله عليه و آله و سلم :
«ا لنجوم أمان لأهل السماء و أهل بيتي أمان لأمتي » 21 .
و قوله :
« النجوم أمان لأهل السماء ، فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء و أهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض » 22 .
و قوله :
« النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، و أهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف ، فإذا خالفها قبيلة اختلفوا فصاروا حزب إبليس » 23 .
و إنما قلنا ذلك : لاعتضادها بآيات القرآن العظيم و الأحاديث المتواترة عن النبي الكريم صلى الله عليه و آله و سلم ، و ثبوت عصمة أئمة أهل البيت ( و هم علي و بنوه الأحد عشر ) بالكتاب و السنة ، و عدم اختلافهم في شيء من الأحكام ، و حرصهم التام على تطبيق الشريعة المقدسة . . .
و ختاما نعود فنسأل : هل يصح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم ؟
الجواب : كلا . . فإن التتبع لكلمات أئمة أهل السنة و آرائهم في هذا الحديث ، و النظر في أسانيده ، و التأمل في متنه . . . كل ذلك يدل بوضوح على أن هذا الحديث موضوع باطل بجميع ألفاظه و أسانيده لا يصح التمسك به و الاستناد إليه .
و يرى القارئ الكريم أنا لم نعتمد في هذا البحث إلا على أوثق المصادر في الحديث و التاريخ و التراجم و غيرها ، ولم ننقل إلا عن أعيان المشاهير و أئمة الحديث و التفسير و الأصول و التاريخ .
و نسأله سبحانه و تعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، و أن يوفقنا لتحقيق السنة و إتباع ما هو بذلك حقيق ، و الاقتداء بمن هو به جدير . . . و صلى الله على سيدنا محمد الهادي الأمين و آله المعصومين و الحمد لله رب العالمين 24 .

  • 1. القران الكريم : سورة آل عمران ( 3 ) ، الآية : 144 ، الصفحة : 68 .
  • 2. القران الكريم : سورة التوبة ( 9 ) ، الآية : 101 ، الصفحة : 203 .
  • 3. رواه جماعة ، و قال العلامة المقبلي في ( العلم الشامخ ) : « و حديث افتراق الأمة إلى سبعين فرقة رواياته كثيرة يعضد بعضها بعضا بحيث لا تبقى ريبة في حاصل معناه » . المذاهب الاسلامية لمحمد أبو زهرة : 14 .
  • 4. صحيح البخاري باب في الحوض : 4 / 87 ـ 88 و غيره من الصحاح و كتب الحديث .
  • 5. إرشاد الفحول : 76 .
  • 6. الجامع الصغير . قال المناوي ، خرجه الإمام أحمد في المسند ، و كذا أبو يعلى عن أبي نفيسة ، و رواه أحمد والطبراني عن أبي موسى ، و أبو نعيم في الحلية عن أي بكر . فيض القدير : 4 / 173 .
  • 7. هذه القصة مشهورة رواها كافة أرباب التواريخ ، كالطبري و ابن الأثير و ابن خلدون و المسعودي و أبي الفداء . . . و غيرهم .
  • 8. و هذه الواقعة أيضا مشهورة تجدها في جميع التواريخ و السير و كتب الكلام ، و هي إحدى موارد الطعن في أبي بكر بن أبي قحافة .
  • 9. وفيات الأعيان : 2 / 455 ، ابن كثير : 7 / 81 ، الطبري : 4 / 207 . و في الواقعة هذه مخالفتان للنصوص الشرعية و الأحكام الإسلامية الضرورية كما لا يخفى .
  • 10. صحيح البخاري و غيره .
  • 11. المبسوط في الفقه الحنفي كتاب الإكراه .
  • 12. شرح النهج : 3 / 123 ط مصر ، و في القضية مخالفات للنصوص الشرعية كما لا يخفى .
  • 13. ذكر ذلك جميع المفسرين و علماء الكلام .
  • 14. الموطأ : 2 / 59 ، و انظر شرحه للسيوطي .
  • 15. تفسير ابن كثير : 1 / 327 ، الدر المنثور : 1 / 365 كلاهما في تفسير الآية 275 من سورة البقرة النازلة في تحريم الربا ، و أضاف ابن كثير : « و هذا الأثر مشهور » و ذكره ابن الأثير في ( جامعه ) و المرغياني في ( هدايته ) و الكاساني في ( بدائعه ) .
  • 16. المغفور ، جمعه مغافر و مغافير : صمغ كريه الرائحه يسيل من بعض الشجر .
  • 17. تجده في الصحاح و غيرها .
  • 18. تقدم قوله : و الكلام أيضا منكر عن النبي صلى الله عليه ( و آله ) و سلّم .
  • 19. إعلام الموقعين عن رب العالمين : 2 / 223 ـ 224 .
  • 20. راجع سلسله الأحاديث : 1 / 83 حيث قال : « فمن المحال أن يأمر رسول الله صلى الله عليه ( و آله ) و سلم بإتباع كل قائل من الصحابة . . . » .
  • 21. ذخائر العقبى : 17 تحت عنوان ( ذكر أنهم أمان لأمة محمد صلى الله عليه و آله و سلّم ) ، إحياء الميت : 19 عن جماعة من أئمة الحديث .
  • 22. ذخائر العقبى : 17 ، إسعاف الراغبين : 130 ( بهامش نور الأبصار ) كلاهما عن أحمد .
  • 23. إحياء الميت : 24 عن الحاكم ، إسعاف الراغبين : 130 إلى « الاختلاف » قال صححها الحاكم على شرط الشيخين » .
  • 24. رسالة في حديث أصحابي كالنجوم للسيد علي الحسيني الميلاني : 52 ـ 59 .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى