
(١){فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَكُمْ وَ نِسَاءَنَا وَ نِسَاءَكُمْ وَ أَنفُسَنَا وَ أَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(٦١)}
سورة آل عمران
هذه هي الآية المعروفة بآية المباهلة، و هي من أمهات الكتاب.
و القصد الأول من هذه الآية الكريمة العظيمة هو تدعيم الدين الحنيف، و إثبات الرسالة المحمدية الإنسانية بطريق لا عهد به للعلم و العلماء، و لا يقدر عليه أحد على الإطلاق سوى خالق الأرض و السماء، و مع ذلك يفهمه بسهولة و يسر الجاهل و العالم.. و فيما يلي حكاية هذه الآية من أولها، و لكن بإيجاز: ترتبط هذه الآية بالسنة التاسعة لهجرة الرسول الأعظم (ص) إلى المدينة، و هي السنة المعروفة بعام الوفود، لأن الناس توافدت فيه على رسول اللّه (ص) من شتى بقاع الجزيرة العربية، يخطبون وده بعد أن أعلى اللّه كلمة الإسلام، و نصر المسلمين على أعداء الدين، و قد وفد على الرسول فيمن وفد ستون رجلا من نصارى نجران اليمن، و قيل: أربعة عشر من أشرافهم.. منهم كبيرهم و أميرهم، و اسمه عبد المسيح، و الثاني مشيرهم و صاحب رأيهم، و اسمه الأيهب، و يلقب بالسيد، و الثالث حبرهم و استفهم، و كان في شرف كبير، و خطر عظيم، و قد بنى له ملك الروم الكنائس و المدارس، و خصه بالأموال و المراتب.
و رحب رسول اللّه (ص) بهم، و أكرم وفادتهم، و حين حانت صلاتهم ضربوا بالناقوس، و صلوا في مسجد الرسول إلى المشرق، فأراد الأصحاب منعهم، فقال النبي: دعوهم.. و سبقت الإشارة إلى ذلك في تفسير الآية ٨ من هذه السورة.
و بعد أن استقر المقام بوفد نجران أخذوا يجادلون رسول اللّه في عيسى زاعمين تارة أنه اللّه، و مرة أنه ابن اللّه، و أخرى أنه ثالث ثلاثة، و أوردوا أدلة سبق ذكرها و تفسيرها و إبطالها.
و الذي أبطل أدلة النصارى هو اللّه بالذات، و لكن على لسان محمد (ص)، و كان في الوفد علماء لا تخفى الحقيقة على أمثالهم، منهم أبو حارثة الرئيس الديني للوفد، و كان معه أخ له، اسمه كرز.. و بعد أن سمع أبو حارثة ما سمع من آيات اللّه البينات أسرّ إلى أخيه كرز أن محمدا هو النبي الذي كنا ننتظره.. فقال له أخوه هذا: ما يمنعك منه ما دمت على يقين من صدقه؟ قال أبو حارثة: إن الملوك أعطونا أموالا كثيرة، و أكرمونا، فلو آمنا بمحمد لأخذوا منا كل شيء.. فوقع ذلك في قلب كرز، و أضمره في نفسه أمدا، ثم أعلن إسلامه، و حدّث عما جرى من أخيه.
و صدق هذه الرواية لا يحتاج إلى دليل، لأنها بنفسها تدل على صدقها، و تحمل قياسها معها، كما يقول أهل المنطق.. ان أكثر الذين أنكروا الحق و عاندوه كان الدافع إلى موقفهم المصالح الخاصة، و المنافع الشخصية، كما شرحنا ذلك مفصلا عند الآية٥٤ من هذه السورة، فقرة «الحق و أرباب المنافع».
ناظر الرسول وفد نجران في صفات عيسى، و جادلهم بالحجة الدامغة، و المنطق السليم بما لا يقبل المزيد، و لما أصروا على العناد قطع الكلام معهم، و أنهى المناظرة، و دعاهم إلى ما لا يشبه شيئا، و لا يشبهه شيء من الحجاج و النقاش، و لكنه يحسم الموقف بسرعة، و يستأصل النزاع من الجذور، دعاهم إلى التفوه بكلمة واحدة فقط لا يقدم عليها في تلك اللحظة إلا من كان على يقين من صدقه، و لا يحجم عنها إلا من كان عالما بكذبه.. و هذه الكلمة هي لعنة اللّه على الكاذبين، و لكنها تقترن بمعجزة خارقة، دونها معجزات المسيح مجتمعة، حيث تنهال على رأس الكاذب صاعقة من السماء تملأ الأرض عليه نارا.
و قد تواترت الروايات في كتب الحديث و التفسير، و منها صحيح مسلم و الترمذي، و تفسير الطبري و الرازي و البحر المحيط و غرائب القرآن و روح البيان و المنار و المراغي، و غيرها كثير، تواترت الروايات أن محمدا (ص) خرج، و عليه مرط – أي كساء غير مخيط – أسود، و قد احتضن الحسين، و أخذ بيد الحسن، و فاطمة و علي يمشيان خلفه، و هو يقول: إذا دعوت فأمنوا، فقال الرئيس الديني للوفد: يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو دعت اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا، ثم قال: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك.
فقال لهم: أسلموا. فأبوا، ثم صالحهم على أن يؤدوا الجزية.
و عاد الوفد مخذولا مرذولا، يجر وراءه ثوب الفشل، و الخزي.. و آمن بعد هذه المباهلة كثير من الذين لم يكونوا قد آمنوا بعد، كما ازداد المؤمنون إيمانا و تسليما.
التفسير الكاشف
(محمد جواد مغنية)
ج٢ ص٧٥.
__
يوم_المباهلة
مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام
للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT



