مقالات

الفرق بين حُلول اللَّيل وجُنونه

بسم الله الرحمن الرحيم


✍🏻 زكريا بركات
20 إبريل 2022

قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76] .

يتمسَّك بعض الباحثين بهذه الآية الكريمة ليقولوا إنَّ اللَّيل لا يكونُ إلَّا بظهور الكواكب، ونظراً إلى أنَّ الكواكب لا تُرى إلَّا في الظلام، فاللَّيل لا يتحقَّق إلَّا بحلول الظلام الذي تُرى فيه الكواكب.

هذا، ويمكن أن نلاحظ على هذا الاستدلال:

أوَّلاً: أنَّ رؤية الكوكب كانت مُتفرِّعةً على جِنِّ الليل، ومعناه ستره وغشيانه، ولا يبعد أن يكون المقصود به ـ كما فهمه غير واحد من أهل العلم ـ : إسدالَهُ ظُلمته، فالحديث ـ بناءً على ذلك ـ عن مرحلة خاصة من الليل وهي مرحلة الظلمة، من الممكن أن تسبقها مرحلة أخرى من الليل وهي مرحلة ما بين غروب الشمس والظلمة. فالآية ـ بناء على هذا التوضيح ـ تقول إنَّ رؤية الكوكب كانت في ظلام اللَّيل، أي إنَّ اللَّيل حين اظلمَّ وغشي بظُلمته إبراهيم (ع) تحقَّقت منه رؤية الكوكب.
فهل هذا يعني أنه (ع) لم يرَ كوكباً في المرحلة الأولى من اللَّيل نفسه قبل مرحلة ظلام اللَّيل؟ هذا لا يمكن إفادته من الآية نفسها. ومن الواضح المشهود بالتجربة أنَّ هناك كواكب تُرى قبل حلول الظلام، فإن كان اللَّيل يبدأ بغروب الشمس (كما هو المعروف في اللَّغة العربية) ، وهناك كواكب ترى قبل حلول الظلام، فلا مناص من القول بأنَّ الآية تتحدَّث عن كوكب خاص لا يمكننا اعتبار رؤيته معياراً لبداية الليل.

وبعبارة أخرى: هناك مرحلتان:
1 ـ مرحلة حُلول اللَّيل.
2 ـ مرحلة جُنون اللَّيل.

فالآية تتحدَّث عن رؤية الكوكب في المرحلة الثانية، ولا دلالة فيها على نفي المرحلة الأولى.

ثانياً: هناك فرقٌ بين قضيتين:
الأولى: (حين حلَّ اللَّيل رأى كوكباً) .
الثانية: (حين رأى كوكباً حلَّ اللَّيل) .
فالقضيَّة الأولى هي التي تُفهم من الآية الكريمة، وهذه القضية لا تفي ـ لوحدها ـ بمطلوب المُستدِلِّ؛ إذ يُقال له: متى بدأ الليلُ الذي رأى فيه الكوكب؟ هل بدأ بغروب الشمس؟ أم بذهاب الحمرة المشرقيَّة؟ أم بحلول الظلام؟ الأوَّل هو ما يفيده العُرف اللُّغوي، والثاني هو المستفاد من بعض الأحاديث المعارَضَة بما يمكن ادِّعاءُ تواتره، والثالث هو ادِّعاء المُستدِلِّ.

والقضية الثانية (حين رأى كوكباً حلَّ اللَّيل) هي عين ادِّعاء المُستدِلِّ، ولا يمكن استخراجها من الآية التي لا تفيد أكثر من القضيَّة الأولى، إلَّا إذا كان هناك ربطٌ سببيٌّ عِلِّيٌّ عقليٌّ خاصٌّ بين الطرفين (حلول اللَّيل) و (رؤية الكوكب) ، بحيث يكون الربط مصحِّحاً لقولنا: (كلما حلَّ الليل رُؤي الكوكب، وكلما رؤي الكوكب حلَّ الليل) ، وهذا النوع من الربط غير متحقِّق قطعاً؛ لأنَّ رؤية الكواكب معلولة لمستوى خاص من انخفاض ضوء الشمس، والذي قد يتحقَّق من غير غروب الشمس ومن غير حلول الليل، كما يحصل بسبب كسوف الشمس، كما يحصل بسبب غروب الشمس من غير حلول الظلام المحقِّق للَّيل في نظر المُدَّعي.
وبانتفاء الربط الخاص (المشار إليه آنفاً) ، فضلاً عن أنَّه غير مُتبادِر عُرفاً من الآية، لا يصحُّ استخراجُ القضيَّة الثانية (حين رأى كوكباً حلَّ اللَّيل) من الآية الكريمة.

ثالثاً: لو صحَّ العكس الذي يحاوله المدَّعي؛ لكان مفاد القضيَّة المستخرجة: (رُؤية الكوكب دليل على جِنِّ اللَّيل) ، فالذي تثبته القضيَّة غير ما يدَّعيه المُستدِلُّ؛ لأنَّه يحاول إثبات حلول اللَّيل برؤية الكوكب، بينما القضيَّة ـ لو صحَّ العكس ـ تثبت جنون الليل برؤية الكوكب، وليس حلوله كما هو مطلوب المدَّعي، فيُطالَبُ المدَّعي بالدليل على الاتحاد بين حلول الليل وجنونه، وهو مفقود.

فالخلاصةُ التي نخرج بها مما ذُكر:
1 ـ أنَّ الآية الكريمة تدلُّ على أنَّ اللَّيل أو ظلامه كان الظرف الذي تحقَّقت فيه رُؤية الكوكب.
2 ـ ولا يمكن التمسُّك بالآية الكريمة لإثبات أنَّ رؤية الكوكب هي المعيار والمبدأ للحكم بدخول الليل أو ظلامه.

ملاحظة (1) : استعمال كلمة (جُنون) و(الجِنِّ) كمصدر لـفعل (جَنَّ) وارد في بعض معاجم اللُّغة، مثل: تاج العروس.

ملاحظة (2) : لا يجوز شرعاً لمن لم يبلغ رُتبة الاجتهاد أن يستند إلى هذا البحث للحُكم بما يتنافى مع فتوى مرجع تقليده.

والحمدُ لله ربِّ العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى