مقالات

الدعاء…

أدب الدعاء في الإسلام
ضبطه عند التحمـــل و الاداء
و تنزيهه عن اللحن و التحـريف
و دعوة إلى إحيائه و تحقيق كتبه

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و صلى الله على سادتنا محمد و آله الأطهار .

1 ـ حقيقة الدعاء و الأدعية المأثورة

إن الدعاء ـ في حقيقته ـ يمثل المعاني القيمة ، التي تتبلور في نفس الداعي ، و يستتبع التوجه العميق إلى الذات الإلهية ، فالفناء في وجوده الواجب ، ثم الرجوع إلى عالم المادة ، لأداء مهمة الروح العليا ، روح العدالة و الحق و الصدق و بالتالي : الخلاص من كل العبوديات .
و في هذا السفر السريع البطيء ، و الطويل القصير ، لا حاجة إلى أي شيء ، سوى التركيز على نقطة المبدأ ، و مركز الانتهاء .
فلا يمكن أن نقيد الدعاء ـ بعد أن كان عملا روحيا ـ بأي قيد ، من زمان أو مكان أو لفظ ، و لا بأية لغة أو صيغة أو نص .
و قد رسم الإمام الصادق ، أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام ، لهذه الفكرة خطة واضحة ، في الحديث التالي :
عن زرارة ، قال ، قلت لأبي عبد الله عليه السلام : علمني دعاء ؟ فقال : إن أفضل الدعاء ما جرى على لسانك 1 .
فإذا كان الداعي لم يطق أن يستوعب أكثر مما يجري على لسانه ، فإن ذلك يكفيه ، و المهم أن يكون ملتفتا إلى أساس الدعاء و لبه و هو التركيز على نقطة المبدأ و مركز الانتهاء ، في سيره الروحي .
و قد أفصح الرسول الكريم صلى الله عليه و آله و سلم عن هذه الحقيقة لما سأل رجلا : كيف تقول في الصلاة ؟
فأجاب الرجل : أتشهد ثم أقول : « اللهم إني أسألك الجنة ، و أعوذ بك من النار » .
و أضاف الرجل : أما أني ـ والله ـ لا أحسن دندنتك ، و لا دندنة معاذ .
فقال صلى الله عليه و آله و سلم : حولها ندندن 2 .
لكن الإسلام قد حدد للدعاء المختار حدودا ، و قرر له شروطا ، راعى في ذلك بلوغه إلى الكمال المطلوب ، و من ذلك ما يرتبط بألفاظه و لغته .
ففي الوقت الذي أكد على جوانب معناه و أهدافه ،لم يهمل جانب أدائه و صيغته .
و الحق ، إنا إذا أردنا أن نركز التفاتنا كاملا ، فإن كل الحواس ـ و هي ترتبط بواسطة الأعصاب بعضها بالأخرى ـ لابد أن تتجه و تلتفت سواء الحواس الخارجية و جوارحها ، أم الحواس الباطنية و قابلياتها ، و حاسة النطق ـ و هي المعبرة عن الجميع ـ و آلتها اللسان ، لابد أن تتحرك أعصابه ، فتكون كلمة الداعي حاسمة ، و تكون ألفاظ الدعاء مركزة موجهة .
أليست الألفاظ تعبيرا عن مكامن الضمير ، و سرائر الوجدان ؟
أليست الكلمات النابعة عن طلبات الروح ، اصدق دليل على التركيز في التوجه و الالتفات ؟ و من يدري ? !
فلعل العبد الداعي يكون اقرب إلى مولاه الجليل ، عند بعض الحالات ، و أداء بعض النغمات ، و تلاوة بعض الكلمات ، و في بعض المقامات و الأوقات ؟ دون غيرها ؟!
إن النية الواحدة ، قد تصاغ بأشكال مختلفة ، و تؤدى بأساليب متنوعة ، و قد تصحبها أنغام متفاوتة .
فأيا منها نختار ؟ لنتوسل به إلى هذا السر الروحي ، و نتزود منه على هذا الطريق الصعبة ، و نتوصل بسببه إلى النتيجة المنشودة .
ما أروع للداعي ، لو عرف ، أو تنبه إلى أجمل لفظة في أبدع أسلوب ، و الى أليق تعبير في ارق نغمة ، و كان دعاؤه نابعا من أعماق الضمير ، ليكون ارغب إلى مقام الإنس ، و اقرب إلى حظيرة القدس ، و آكد في تحقيق رغبات النفس .

أليس هذا هو الأحسن ، و الأضمن لحصول الإجابة ؟

لكن ليس الإفراط في المحافظة على اللفظ ، و التوغل في مراعاة أداء الحروف و ضبط الحركات ، هدفا للمتكلم الواعي ، و لا غاية للإنسان الهادف ، فضلا عن المسلم الذي يقوم بمهمة عظيمة مثل الدعاء .
فان الدعاء ـ قبل أن يبلور في الجمل و الكلمات ـ إنما هو نور مضي ينقدح فيفيض عفى اللسان ، و لو كان القلب كدرا لم ينقدح فيه ذلك النور ، فأين له أن يظهر على لسان صاحبه ، الدعاء ؟!
قال الإمام الصادق عليه السلام : تجد الرجل لا يخطئ بلام و لا واو ، خطيبا مصقعا و لقلبه اشد ظلمة من الليل المظلم 3 .
و هكذا الانهماك في تطبيق القواعد اللفظية ، بما يصرف توجهه عن المعاني و يقطع التفاته عن الهدف .
و هو ما ذكره الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فيما روي عنه ، من قوله :
من انهمك في طلب النحو سلب الخشوع 4 .
نعم ، أن إغفال جانب اللفظ و حسن التعبير ، و صحح النص و سلامة العبارة عيب ، بلا ريب ، في الدعاء يحطه عن مرتبة الكمال اللازم في كل جوانب الدعاء من لفظه و معناه ، و لابد للداعي العارف ، المتمكن من ذلك أن يتصف به ، فيكون دعاؤه بمستوى ما يطلب من المقام الرفيع المنشود .
و من هنا ورد التأكيد البليغ على اتصاف الدعاء بالأدب ، و يراد به « الأدب العربي » في مراعاة القواعد اللغوية و النحوية و البلاغية ، إذا بلغ الداعي مرتبة عالية من العلم و المعرفة ، و بلغ من الدين و العقيدة مبلغا يحسن مثل هذا الطلب منه .
قال الإمام أبو جعفر محمد بن علي ، الجواد عليه السلام : ما استوى رجلان في حسب و دين ـ قط ـ إلا كان أفضلهما عند الله آدبهما .
قال الراوي : جعلت فداك ، قد علمت فضله عند الناس ، في المنادي و المجالس ، فما فضله عند الله عز و جل ؟ ! قال عليه السلام : بقراءة القرآن كما انزل ، و دعائه الله عز و جل من حيث لا يلحن ، و ذلك ان الدعاء الملحون لا يصعد إلى الله عز و جل 5 .
إن الكمال اللازم يجب أن يعم أدب الداعي و معارفه ، فيكون كاملا في لغته التي يتقدم بالدعاء بها ، بعيدا عن اللحن المزري ، فان الله يحب ان يرى عباده يناجونه بأحسن ما يناجي به احد أحدا .
أليس القرآن ـ و هو كلام الله ـ نزل بأبلغ ما يكون الكلام و أعذبه ، فليكن ما يخاطب به العبد مولاه ـ كذلك ـ في أوج ما يقدر عليه من الكلام الطيب و الذكر البديع ، المنزه عن عيب اللحن ، و الوهن .
إن الإسلام ـ في الوقت الذي ينص على الاكتفاء بما يجري على اللسان من الدعاء ، إذا لم يعرف الداعي نصا مأثورا ، لان ذلك أدنى ما يأتي منه ـ فإنه لا يكتفي ممن يمكنه الوصول إلى المأثور ، أن يقتنع بالدعاء الذي يخترعه من عند نفسه .
عن عبد الرحيم القصير ، قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام ، فقلت : جعلت فداك ، إني اخترعت دعاء !
قال عليه السلام : دعني من اختراعك .
إذا نزل بك أمر فافزع إلى رسول الله عليه و آله و صل ركعتين تهديهما إلى رسول الله صلى الله عليه و آله . . . 6 .
و علمه دعاء يتلوه .
إن الدعاء المأثور ، هو ـ بلا ريب ـ أقوى ، و أصدق ، و أضبط ، فهو أوصل إلى المطلوب ، مما يخترعه ذهن الإنسان العادي ، و يلوكه لسانه .

2 ـ المحافظة ، على النص المأثور

فإذا كان الدعاء المأثور بهذه الدرجة من الضرورة ، فلابد أن تكون المحافظة عليه شديدة جدا ، و لابد أن يواظب الداعي على نصه ، كي لا يتجاوزه في حرف أو حركة ، و إلا لم يبلغ المنشود المترقب من ذلك الدعاء ، وقد عرفنا « أن الدعاء الملحون لا يرفع » .
و قد جاء النهي الصريح عن تجاوز نص الدعاء المأثور ، أو تخطيه ، و لو بالزيادة فضلا عن النقيصة ، أو بتغيير لفظ إلى ما يرادفه ، أو بوضع جملة مكان أخرى ، و ان كانا يهدفان غرضا واحدا .
و ذلك كله تقيدا بالمأثور ، و أداء لما ورد كما ورد .
فعن البراء بن عازب : أن النبي صلى الله عليه و آله قال : يا براء ، كيف تقول إذا أخذت مضجعك •
قال : قلت : الله و رسوله اعلم .
قال صلى الله عليه و آله : إذا أويت إلى فراشك طاهرا ، فتوسد يمينك ثم قل :
« اللهم أسلمت وجهي إليك و فوضت أمري إليك ، و ألجأت ظهري إليك ، رغبة في وربة إليك ، و لا ملجأ و لا منجى منك إلا إليك ، آمنت بكتابك الذي أنزلت ، و بنبيك الذي أرسلت » .
من قالها في ليلته ثم مات ، مات على الفطرة .
قال البراء : فقلت ـ استذكرهن ـ : « . . و رسولك الذي أرسلت . . . » .
فقال بيده في صدري : « لا ، و نبيك الذي أرسلت » 7 .
و عن إسماعيل بن الفضل ، قال : سالت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز و جل ﴿ … وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا … ﴾ 8 .
فقال فريضة على كل مسلم أن يقول قبل الشمس عشر مرات ، و قبل غروبها عشر مرات : « لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك و له الحمد ، يحيي و يميت ، و هو حي لا يموت بيده الخير ، و هو على كل شيء قدير » .
قال : فقلت : لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك و له الحمد ، يحيي و يميت و يميت و يحيى . . .
فقال : يا هذا ، لا شك في أن الله يحيي و يميت و يميت و يحيي ، و لكن قل كما أقول 9 .
و عن العلاء بن كامل : قال « سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : ﴿ وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ … ﴾ 10 عند المساء : لا الله الا الله وحده لا شريك له ، له الملك و له الحمد ، يحيى و يميت و يميت و يحيى ، و هو على كل شيء قدير .
قال : قلت : . . . بيده الخير .
قال : ان بيده الخير ، و لكن قل كما أقول . . . 11 .
و عن عبد الله بن سنان ، قال : قال الصادق عليه السلام : ستصيبكم شبهة ، فتبقون بلا علم يرى و لا إمام هدى ، لا ينجو منها الا من دعا بدعاء الغريق .
قلت : كيف دعاء الغريق ?
قال : تقول : « يا الله ، يا رحمن ، يا رحيم ، يا مقلب القلوب ، ثبت قبلي على دينك » .
فقل : يا مقلب القلوب و الأبصار ثبت قلبي على دينك .
فقال : إن الله عز و جل مقلب القلوب و الأبصار ، و لكن قل كما أقول : « يا مقلب القلوب ، ثبت قلبي على دينك » 12 .
تدل هذه الأحاديث على أن الأدعية المأثورة توقيفية ، وقع التعبد بخصوص ألفاظها الواردة ، و ان أدنى تغيير او تبديل في كلماتها ، أو أي لحن أو تحريف في حركاتها و حروفها ، و ان لم يغير المعنى ، يوجب ان لا يكون أداؤه صحيحا ، فلا يتوقع منه ما يترقب منه فيما لو كان أداؤه تاما من الآثار الروحية .
و ينبئك بمدى تأثير الألفاظ المختلفة للنتائج المتغايرة ، و ان كان الأثر الشرعي المترتب على جميعا واحدا ، ما ورد في باب « اليمين » و هو ما رواه الكليني بسنده عن صفوان الجمال ، قال :
حملت ابا عبد الله عليه السلام الحملة الثانية إلى الكوفة و ابو جعفر المنصور بها ، فلما اشرف على الهاشمية ـ مدينة أبي جعفر ـ اخرج رجله من غرز الرحل ثم نزل ، و دعا ببغلة شهباء ، و لبس ثياب بيض و كمه بيضاء ، فلما دخل قال أبو جعفر : لقد تشبهت بالأنبياء .
فقال ابو عبد الله عليه السلام : و أنى تبعدني عن أبناء الأنبياء ؟
فقال : لقد هممت أن ابعث إلى المدينة من يعقر نخلها و يسبي ذريتها .
فقال : ولم ذلك ، يا أمير المؤمنين ؟
فقال رفع الي أن مولاك المعلى بن خنيس ، يدعو إليك و يجمع لك الأموال .
فقال والله ما كان .
فقال : لست ارضى منك إلا بالطلاق و العتاق و الهدي و المشي .
فقال : ابا لانداد من دون الله تامرني ان احلف ؟! انه من لم يرض بالله فليس من الله في شيء .
فقال : أتتفقه علي !
فقال : و أنى تبعدني من الفقه ، و أنا ابن رسول الله صلى الله عليه و آله ؟ !
فقال : فإني أجمع و بينك من سعى بك .
قال : فافعل .
فجاء الرجل الذي سعى به ، فقال له أبو عبد الله : يا هذا !
فقال : نعم ، والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم ، لقد فعلت .
فقال له أبو عبد الله عليه السلام : ويلك ، تمجد الله ، فيستحيي من تعذيبك و لكن قل : « برئت من حول الله و قوته ، و لجأت إلى حولي و قوتي » .
فحلف بها الرجل ، فلم يستتمها حتى وقع ميتا .
فقال أبو جعفر : لا اصدق بعدها عليك أبدا ؛ و أحسن جائزته ورده 13 .
و قريب منه في قصة يحيى العلوي مع عبد الله بن مصعب الزبيري لما وشى به عند هارون الرشيد العباسي ، فحلفه يحيى 14 .

3 ـ مشكلة تجويزهم نقل الحديث بالمعنى ؟

قد ثبت لدى علماء الحديث تجويز نقل الحديث بالمعنى :
قال الشيخ العاملي : قد ذهب جمهور السلف و الخلف ، و الطوائف كلها ، إلى جواز الرواية بالمعنى ، إذا قطع بأداء المعنى بعينه . . . لما رويناه بطرقنا عن محمد بن يعقوب . . . عن محمد بن مسلم ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أسمع الحديث منك ، فأزيد وأنقص ?
قال عليه السلام : إن كنت تريد معانيه ، فلا بأس 15 .
و روينا بالسند عن داود بن فرقد ، قال :
قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أني أسمع الكلام منك ، فأريد أن أرويه كما سمعت منك ، فلا يجيء .
قال : فتتعمد ذلك ؟ قلت : لا .
قال : تريد المعاني ؟ قلت : نعم .
قال : فلا بأس 16 .
و قد روى العامة الترخيص في رواية الحديث بالمعنى ، عن الأكثر ، و نقلوه عن جماعة من الصحابة منهم الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام ، و ابن عباس ، وأنس بن مالك ، و واثلة بن الأسقع 17 و نسبه بعضهم إلى الجمهور 18 .
و قد استدل الصحابي واثلة ، على ذلك ، باستدلال ظريف ، لما قيل له : حدثنا بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ليس فيه و هم ، و لا تزيد و لا نسيان !
قال : هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئا ؟ !
قال الراوي : فقلنا : نعم ، و ما نحن له بحافظين جدا ، أنا لنزيد الواو و الألف ، و ننقص !
قال : فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم ، لا تألون حفظا ، و أنتم تزعمون أنكم تزيدون و تنقصون ، فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عسى أن لا نكون سمعناها منه إلا مرة واحدة ، حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى 19 .
فالحديث و هو يحتوي على الأحكام الشرعية و هو ثاني مصادر التشريع في الإسلام ، مع ما لذلك من الخطورة ، التي تحتم مزيد المراقبة و الاحتياط فيها إذا أن أدنى تغيير فيه يؤدي إلى تحريف الأحكام و تبديل شريعة الإسلام .
هذا الحديث إذا جاز نقله بالمعنى ، فالدعاء ، و هو ليس بتلك الأهمية قطعا لا بد أن يجوز فيه ذلك ؟ !
و إذا لم يجز ذلك في الدعاء ، والتزم بنقل نصه المأثور ، فليكن ذلك في الحديث ، و خاصة أحاديث الأحكام ، كذلك ، بطريق أولى .
و الحاصل : أن روايات الدعاء هي من الحديث الشريف ، فإذا جوزنا رواية الحديث ونقله بالمعنى ، شمل روايات الدعاء أيضا .
و الجواب عن هذه المشكلة ، من وجوه :
الأول : أن أحاديث المحافظة على الدعاء تخصص ما دل على جواز نقل الحديث بالمعنى ، فكل حديث يجوز نقله بالمعنى إلا أحاديث الدعاء .
و هذا بناء على دخول الدعاء في الحديث ، بمعناه العام واضح لا غبار عليه ، و إلا فهو خارج تخصصا .
الثاني : أن تجويزهم لنقل الحديث بالمعنى ، إنما هو فيما لم يتعبد بلفظه من نصوص الحديث ، مما أريد به لفظه الخاص من متون الأحاديث ، حيث لا يجوز نقله بالمعنى ، بل يروى بعين لفظه ، كالخطب التي تلقى بمناسبات خاصة ، و التي يستعمل فيها أساليب إنشائية بلاغية ، و كذلك الكلمات القصار المحتوية على جوامع الحكم ، و النصائح و المواعظ المذكورة في جمل قصيرة ، مما فيه سجع معين يدل على العناية بخصوص الكلمات و الألفاظ الواردة فيها ، و كذلك نصوص الأدعية المأثورة الواردة في ظرف معين من زمان أو مكان أو مناسبة خاصة ، و قد أمر الشارع بتلاوتها بعينها ، فلا يجوز تخطيها للناقل الذي يريد العلم بما أمر الشارع ، و بذلك يمتاز الدعاء عن مطلق الحديث .
الثالث : أن الحديث يتفاوت عن الدعاء بأمر جذري ، فإن الحديث إنما يرويه الراوي و ينقله ناسبا معناه إلى المروي عنه ، و ناقلا له عنه ، لكن الدعاء إنما يتلوه الداعي بقصد إنشاء ما يتلو من المعنى ، و قاصدا للمعاني التي في الكلام الخاص ، في إطار هذه الألفاظ المعينة ، بعنوان أنه يناجي بها ربه ، لا أنه يرويها و ينقلها عن منشيئها ، و إن كان إنما أخذ نص الدعاء عنه نقلا .
مع أن جواز رواية الحديث بالمعنى ليس على إطلاقه ، بل :
1 ـ إن رواية الحديث بلفظه أحسن ـ مهما أمكن ـ من روايته بالمعنى . .
قال المحدث العاملي : نعم ، لا مرية أن روايته بلفظه أولى على كل حال ، ولهذا قدم الفقهاء المروي بلفظه على المروي بمعناه 20 .
و قد أكد الأئمة عليهم السلام على ذلك ، فعن أبي بصير ، قال :
قلت لأبي عبد الله عليه السلام : قول الله جل ثناؤه : ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ … ﴾ 21
قال عليه السلام : هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما سمعه ، لا يزيد فيه و لا ينقص منه 22 .
2 ـ إن على الراوي بالمعنى أن يشعر بذلك .
فقد صرح علماء الحديث بأنه ينبغي للراوي بالمعنى أن ينبه على ذلك ، فيقول بعد نقل الحديث : « أو كما قال » و « أو شبه ذلك » و « أو نحو ذلك » ليحترز من الكذب في نسبة نفس اللفظ المنقول إلى المنقول عنه 23 .
و قد عمل بذلك جمع من الصحابة و المتقدمين 24 .
و من الواضح أن مثل هذا غير مناسب للدعاء .
3 ـ إن رواية الحديث بالمعنى مشروط بشرط أساسي و مهم و هو : أن يكون الراوي بالمعنى عارفا لمعنى الحديث واقفا على أسراره و جميع خصوصياته .
قال العاملي : إنما جوزناه لمن يفهم الألفاظ و يعرف خواصها و مقاصدها ويعلم عدم اختلال المراد منها فيما أداه . . .
و إذا لم يكن المحدث عالما بحقائق الألفاظ و مجازاتها و منطوقها و مفهومها و مقاصدها ، خبيرا بما يحيل إليه معانيها ، لم تجز له الرواية بالمعنى بغير خلاف ، بل يتعين اللفظ الذي سمعه إذا تحققه ، و إلا لم تجز له الرواية 25 .
و هذا يعني أن رواية الحديث بالمعنى لا تجوز إلا لمن كان واعيا متحققا مما يسمع ، فطنا متنبها لما يتحمل ويؤدي ، فيتعين عليه أداء اللفظ إن لم يصب المعنى ، و إن أصاب المعنى و كان أهلا لذلك لمعرفته بأسرار اللغة ، و خواصها ، و مرادفاتها ، و مشتركها في مفرداتها ، و خصائص تراكيبها ، جاز له الرواية بالمعنى .
و أجمع العلماء كلهم على أنه لا يجوز للجاهل بمعنى ما ينقل أن يروي الحديث على المعنى 26 .
و مع هذا الشرط فلا يرد على تجويز الرواية بالمعنى ما توهمه بعض المغرضين من أن ذلك يؤدي إلى تجويزه لجميع الرواة في كل الطبقات ، و ذلك يقتضي ـ بعد تغيير الألفاظ في جميع الطبقات ـ إلى سقوط الكلام الأول ، لأن ذلك لا ينفك عن تفاوت ـ و إن قل ـ و إذا توالت التفاوتات ، كان التفاوت الأخير فاحشا 27 .
فإن التجويز خاص بالمقتدرين على درك المعاني وأداء جميع خصوصياتها بالدقة المذكورة ، و من المعلوم أن ذلك كان خاصا بالطبقة الأولى ، حيث كانت اللغة سليمة ، و كانت السلائق على طبيعتها غير مشوبة ، فلم يصب الحديث من نقلهم بالمعنى و بألفاظ أخرى خلل أصلا ، ولم نحتمل في ما نقلوه تفويتا لمعنى مراد أبدا .
و قد ظهر من خلال ما ذكرنا أن استدلالهم لمنع الرواية بالمعنى ، بما روي عن الرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من قوله :
« نضر الله عبدا سمع مقالتي و حفظها و وعاها ، و أداها كما سمعها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، و رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » 28 .
لا يتم ، و ذلك ، لأن رواية المعنى مع مراعاة الشرط المذكور ، أداء لما قاله النبي صلى الله عليه و آله و سلم بلا تفاوت ، فإن الرسول في أكثر حديثه كان بصدد تعليم الأحكام الشرعية ، و السنن والآداب الإسلامية ، و لا ريب أن مهمة أصحابه كانت فهم مقاصده ، و درك معاني كلامه و إرشاداته ، و إبلاغها إلى من وراءهم ، سعيا في نشرها ، و في مثل هذه الأحاديث لم يكن للألفاظ دور إلا مهمة أداء المعاني وإيصالها ، ولم ينظر إلى ألفاظ الحديث كعبارات خاصة لها ميزة تعبيرية من بلاغة وفصاحة ، و لا تحتوي على جهات بديعية ، خاصة في أجواء التشريع ، حيث كان المجتمع بحاجة إلى إصلاحات سريعة و عميقة .
و بذلك أيضا يرد على من جوز نقل الحديث بالمعنى إلا في حديث النبي صلى الله عليه و آله و سلم ، بدعوى :
« أنه صلى الله عليه و آله و سلم أفصح من نطق بالضاد ، و في تراكيبه أسرار و دقائق ، لا يوقف عليها إلا بها كما هي ، لأن لكل تركيب معنى . . . لو لم يراع ذلك لذهبت مقاصدها » 29 .
أقول : أما أحاديث الأحكام و السنن ، فقد عرفت أن الغرض المهم فيها هو إيصال المعاني و إبلاغ المقصود ، من دون نظر خاص إلى الألفاظ .
مع أن حديثا ما لو كان محتويا على مثل ذلك كان على الناقل له بالمعنى مراعاته مهما أمكن و نقله ، و إلا لم يكن ناقلا له .
و أما في غير أحاديث الأحكام و السنن ، من الأحاديث التي أخذ فيها بنظر الاعتبار احتواؤها على كلمات خاصة أو روعي فيها مقتضى الحال ، و ناسب تأليفا معينا من الكلمات و تركيبا خاصا من الجمل ، أو حالا لفظية بعينها ، من تقديم أو تأخير ، و فصل أو وصل ، بحيث لو تجاوزه الرواي كان مخالفا لغرض المتكلم ولم يؤد المعنى المراد له .
أما في هذه ، فاشتراط المحافظة على المعنى يقتضي الاحتفاظ بالتراكيب الخاصة ، و لا يجوز نقلها بالمعنى ، لأداء ذلك إلى تغيير الألفاظ المفوت لما ذكرنا .
و لذلك نجد أن الرواة كانوا يحافظون على ذلك أشد المحافظة من دون شك ، فنقلوا الخطب والكتب و الرسائل و جوامع الحكم و الأدعية المأثورة ، كما وردت عن المعصومين عليهم السلام مليئة بالمحسنات البديعية ، مفعمة بأسرار البلاغة ، و مزدانة بقوة الفصاحة ، بما يمكن استشمام روح المعصومين عليهم السلام فيها . و يمكن استشفاف أثرهم عليها .
و في النهاية هذه الفقرة نقول : إن الدعاء لا يجوز نقله بالمعنى ، بل يلزم المحافظة على نصه ، ولعل الحكمة في ذلك ، مع أن الدعاء عملية روحية أكثر منها لفظية ، أنه يراد من نصوصه أن يتفاعل الداعي منع مولاه ، و أولياء الله ، تفاعلا تاما ، لا روحيا فقط ، بل يلتزم بالاتباع اللفظي لهم ، و يتقيد بالأوامر فيطبقها حرفيا بفكره و بلسانه .
إن الالتزام بنص ورد من الشرع في الدعاء ، لا يعني فقط التوجه إلى الله من أقرب الطرق و أليقها ، بل يعني ـ أيضا ـ السلوك في أبين المسالك ، و أزهرها حجة ، و أنقاها و آمنها محجة .
إن المقصود الأساسي من الدعاء ، وهو الارتفاع إلى مقام القرب بشكل أكثر اطمئنانا ووثوقا ، كما يرفع مستوى الإنسان معنويا بالاقتراب من أقرب البشر إليه ، كذلك يوحد صوته مع أصواتهم القدسية المستلهمة من مقامه الكريم ، وهم محمد وآله الكرام عليهم الصلاة والسلام .
إن ذلك يحقق جزء من الهدف الأساسي من الدعاء ، فلا نشك أن ما ورد من الأدعية المأثورة فيها آثار من مقام قربهم ، و نفحات من قدس أنفاسهم ، و جذبات من صفاء نفوسهم ، يفقدها الداعي لو ابتعد عنها ويبتعد عن مقصوده لو تركها .

4 ـ دعوة إلى ضبط الأدعية و تحقيق كتبها

و من مجموع ما ذكرنا تتبين صحة ما ذكره المحدث الفقيه صاحب المعالم من أن الاختلاف الذي يقع و يكثر في متون الأخبار الواردة بمجرد الأحكام ربما كان العذر فيه تسويغ الرواية بالمعنى ، و عدم انتهاء الاختلاف إلى الحد الذي يحصل به الاضطراب فيه .
و أما ما يتضمن نقل الدعوات و الأذكار المأثورة ، فأي عذر للتسامح فيه ، و التقصير في ضبطه 30 .
نعم ، إن الأمانة الروحية تدعونا إلى المحافظة على الدعاء المأثور و ضبطه و حفظه عن التحريف و اللحن ، فإن الدعاء من أفضل نعم الله التي ألهمها الإنسان .
و كذلك الأمانة العلمية تلزمنا المحافظة على النصوص الواردة و ضبطها ، فالأخبار التي ذكرناها تدل بوضوح على عدم جواز اللحن في الدعاء ، كما تدل على لزوم الاحتفاظ بنصه كما ورد .
و أعتقد : أن ذلك يؤكد ضرورة التحقيق في كتب الدعاء لتقديم نصوص مضبوطة موثوقة للأدعية ، كي تبلغ الامة بتلاوتها ما ينشد منها من الآثار الروحية و المعنوية ، و تبلغ المقام المحمود الذي وعده الله للداعين .
مضافا إلى ما فيها من متعة تراثية حيث أن عشرات الكتب قد الفت في الدعاء ، منذ عصور الأئمة عليهم السلام و كذلك ما فيها من متع علمية ، لأن الأدعية تحتوي على مضامين عالية في مجالات العقيدة و السلوك و الوجدان .
و مما يحز في القلب ما آلت إليه كتب الأدعية من إهمال و تشويه ، على أثر تصدي الجهلة لنقلها و تداولها ، و على أثر جشع الطابعين ـ بل الطامعين ـ في إصدار ما هب و دب مما يدر الأرباح عليهم ، غافلين ـ أو متغافلين ـ عن أن عملهم هذا اعتداء صارخ على أمر مقدس لدى الأمة ، و على أهم وسيلة من وسائل رقيها في مجالات العقائد و الأخلاق و في مقامات السلوك و العرفان .
و هذا أيضا مما يثقل المسؤولية على كاهل المحققين الأفاضل ، و المؤسسات الثقافية ، كي تقوم بعبء هذا الأمر الهام ، و ينقذوا الدعاء و كتبه من براثن هؤلاء ، و يرفعوه إلى مقامه العلمي و الروحي اللائق .
فلا عذر في التقصير فيه !

5 ـ مصادر الدعاء المأثور

إن مصادر الدعاء عند المسلمين هم النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم ، الذي هو أفصح من نطق بالضاد ، و أليق من اكتسى الأمجاد ، من خصه الله بوحيه فبه فاه ، و بالبلاغة حلاه ، و بمكارم الأخلاق حباه ، باعتباره الصادع بالشريعة الغراء ، و الواسطة بين الأرض و السماء ، و المطلع على أسرار الخليفة ، و الواقف على المجاز والحقيقة ، أعلم الناس و أعرفهم ، و أشجع الناس و أورعهم ، من لا يقاس به سواه ، و لا يعرف حقيقة مقامه إلا الله ، الذي نباه ، عليه أفضل الصلاة و أزكى التحية .
و كذلك ابن عمه و ربيبه ، و وصيه و حبيبه ، خليفته من بعده على أمته ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام « مشرع الفصاحة و موردها ، و منشأ البلاغة و مولدها ، و منه ظهر مكنونها ، و عنه اخذت قواعدها ، و على أمثلته حذا كل قائل وخطيب ، و بكلامه استعان كل واعظ بليغ ، لأن كلامه عليه مسحة من العلم الإلهي ، و فيه عبقة من الكلام النبوي » 31 .
و كذلك الأئمة الأخيار من أهل البيت الأطهار عليهم السلام ، العلماء الأوتاد ، و الزهاد الأمجاد ، و الأئمة الأجواد ، الذين تحلوا من الفضائل بأحسنها ، و من الشمائل بأجملها و امتلأوا بالعظمة فأقرها لهم العدو قبل الصديق ، فكانوا أنوارا كاشفة لسواء الطريق ، الأئمة المنتجبون بنص القرآن ، و كلام النبي صلى الله عليه و آله و سلم ، للقيادة والإمامة ، وما روي عنهم يدل على تحقق ما قال فيهم أبوهم أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال : « و إنا لامراء الكلام ، و فينا تنشبت عروقه ، و علينا تهدلت غصونه » 32 .
هؤلاء هم مصادر الدعاء المأثور عندنا ، و إن ما ورد عنهم من الدعاء لأصدق شاهد ، و أقوى دليل على صدق ما قيل .
« فقد أنشأوا » كما يقول واحد من كبار العرفاء « من الدعوات الجليلة و المضامين اللطيفة ما فيه فوق طاقة البشر ، من فنون العلم بأسماء الله و صفاته ، و ما يقتضيه جماله و جلاله ، و حق أدب العبودية مع كل ، فيما يناسبه مقامه و أوصافه و أحواله ، و كيفية الاستعطاف و الاسترحام ، و لطيف الاستدلالات في استيجاب عفوه و كرمه و فضله ، و عرض مذلة الاعتراف عند مقدس أبواب رأفته و رحمته .
ولعمري لو كان للإنسان فكرة أو فطنة لكفاه ما صدر في الدعاء من أئمة الحق ، عن كل معجز في إثبات الرسالة و الإمامة » 33 .
و قد حفظت من أدعية المعصومين عليهم السلام نماذج كثيرة ، رويت بأسانيد صحيحة ، سجلت في كتب باسم « الصحيفة » لكل واحد منهم عليهم السلام صحيفة أو أكثر .
و منها ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام بعنوان : الصحيفة العلوية الأولى و الثانية ، الجامعة لأدعية سيدنا أمير المؤمنين عليه السلام .
و أما الإمام السجاد ، زين العابدين ، علي بن الحسين عليه السلام ، فقد اشتهرت أدعيته الكثيرة لأنه عليه السلام اتخذ الدعاء في ظروف سياسية قاسية وسيلة لتوعية الأمة و تثقيفها ، و بث العقائد الحقة حفاظا من أن تمسها الدول الظالمة المستهترة بسوء .
فقد أملى جملة وافرة من أدعيته ، فجمعت في كتاب باسم « الصحيفة الكاملة » و هي متداولة ، كثيرة الطبعات .
ثم جمع عدة من العلماء سائر أدعيته في صحف أخرى بأسماء « الصحيفة السجادية الثانية و الثالثة و الرابعة و الخامسة و السادسة » و كلها مطبوعة متداولة 34 .

و أما سائر مصادر الدعاء المأثور

فقد بذل علماء الإسلام جهودا وفيرة في جمع ما يتعلق بالدعاء من آيات الكتاب ، و أحاديث العترة الأطياب ، و ما ورد عنهم من الدعاء المأثور في كتب قيمة ، منذ عصور الأئمة عليهم السلام و حتى يومنا هذا ، تحت عنوان « كتاب الدعاء » أو بأسماء خاصة .
كما ضمن مؤلفو الجوامع الكبيرة ، أبوابا و كتبا خاصة بالدعاء و جمعوا فيها ما يرتبط بالدعاء من الأحاديث و النصوص .
فهذا كتاب « الكافي » لأبي جعفر ، محمد بن يعقوب ، الكليني ، الرازي ( ت 329 ) و هو من اصول الحديث عند الشيعة الإمامية ـ جعل السادس من كتبه باسم « كتاب الدعاء » و أورد فيه 55 بابا ، تحتوي على 408 أحاديث 35 .
و أما الكتب الخاصة بالأدعية فكثيرة جدا ، و قد ذكرها شيخنا الطهراني في موسوعته « الذريعة » 36 بعنوان الدعاء ، و الدعوات ، عدا الكتب المعنونة بأسماء خاصة على حروف المعجم .
و قد تخصص بعض العلماء في موضوع الدعاء ، فأولوه عناية فائقة ، و بذلوا أوسع جهودهم في مجاله .
منهم السيد العالم الزاهد علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحلي ( ت 664 ) حيث جمع الأدعية و نظمها في كتبه مستفيدا من خزانة كتبه الزاخرة بعيون التراث المجيد ، و خاصة ما الف في الدعاء ، و قد بلغت كتب الأدعية التي كانت عنده في أواخر حياته أكثر من ( سبعين ) مجلدا من كتب الدعاء 37 .
و من أهم كتب ابن طاووس المطبوعة : الإقبال ، و مهج الدعوات ، و فلاح السائل ، و جمال الأسبوع .
و منهم العالم الفاضل الأديب البارع ، العلامة تقي الدين ، إبراهيم بن علي ، العاملي ، الكفعمي الذي تدل مؤلفاته على تضلعه في العلوم الأدبية عامة ، و البلاغية خاصة ، و قد أبدع فيما ألفه من كتب خاصة بالدعاء من حيث النظم و التحقيق و التثبت ، و الاعتماد على مصادر موثوقة .
و من مؤلفاته : البلد الأمين ، و المصباح .
و أخيرا : لو أتيح لمصادر الدعاء من يجمع أسماءها و ينظم لها فهرسا ، و كشافا جامعا ، لبلغت المئات ، و لدلت على اهتمام بليغ من قبل العلماء ، و خاصة القدماء ، بأمر الدعاء و التأليف فيه .
* * *

6 ـ الدعاء و الأدب العربي

يقول الدكتور حسين علي محفوظ : « الدعاء » جانب مهم من الآداب العربية ، نسيه تاريخ الأدب ، و تجاهله الادباء ، و أغفله النقاد و كادوا يطمسون الإشارة إلى بلاغته ، على الرغم من أنه : نثر فني رائع ، و اسلوب ناصع من أجناس المنثور ، و نمط بديع من أفانين التعبير ، و طريقة بارعة من أنواع البيان ، ومسلك معجب من فنون الكلام .
و الحق أن ذلك النهج العبقري المعجز ، من بدائع بلاغات النبي صلى الله عليه و آله و أهل البيت عليهم السلام التي لم يرق إليها غير طيرهم ، ولم تسم إليها سوى أقلامهم .
فالدعاء أدب جميل ، و حديث مبارك ، و لغة غنية و دين قيم ، و بلاغة عبقرية المجاز ، إلهية المسحة ، نبوية العبقة ، تفتر عن إيمان جم الفضائل ، و زهد دثر المحاسن ، و تواضع أبيض المحجة ، و عمل أغر الطريقة ، و تقاة عظيمة القدر 38 .
حقا إن الدعاء يمثل واحدا من أرفع أساليب الأداء العربي في بلاغته الناصعة ، و تعبيره العذب ، و هو من أوقع الكلام في الكشف عن مكامن الضمير ، و مرادات النفس و متطلبات الروح ، مع تطوره و إبداعه في استخدام أساليب الاستدعاء و الرجاء و العتاب و الاعتذار ، و في أطوار المرونة و العنف ، و العجلة و الصبر ، و اليسر و العسر ، و الاضطرار و الرخاء .
و أيضا : الكلمة الناطقة عن التنازلات و التعهدات و الالتزامات في صيغ متكاملة الأطراف ، جامعة الاسس ، رصينة البنود ، فصيحة المفردات ، بليغة التراكيب .
و هذا أمر يتكفل الإفصاح عنه و البرهنة عليه ، نصوص الدعاء المأثور بشهادة المنقطعين إلى الأدب و نقده و تحليله اللفظي و المعنوي .
و من المؤسف أن أدب الدعاء طواه إغفال الادباء ، بل تعدى إغفالهم لجانب بديعه وغريبه ونحوه واسلوبه أيضا ، بالرغم من صرف جهود واسعة في الأضعف منه والأخس من مجون الشعراء ، ولغط الأعراب في زوايا البوادي أو النوادي .
إلا أن بعض فطاحل النحو و فحول اللغة ، قد تنبهوا إلى هذا الأمر الخطير ، كابن مالك النحوي ، و المحقق الشيخ نجم الأئمة الرضي شارح « الكافية » و ابن منظور الأنصاري صاحب « لسان العرب » و ابن فارس صاحب « المقاييس » فقد احتجوا في مؤلفاتهم بحديث النبي و أهل البيت عليهم السلام .
قال البغدادي : الصواب جواز الاحتجاج بالحديث النبوي في ضبط ألفاظه ، و يلحق به ما روي عن الصحابة و أهل البيت عليهم السلام ، كما صنع الشارح المحقق الرضي 39 .
هذا في مطلق الحديث ، و أما خصوص ما احتوى على الدعاء منه ، فاهتمام الشارع و المتشرعة بأمر ضبطها و المحافظة عليها ، يدفع كل الشبه المثارة حولها فلا نزاع في الاحتجاج بها في المباحث اللغوية كافة .
و الحق أن « الدعاء » الشريف ، خزينة غنية بالمعارف العقلية ، والأخلاق الفاضلة ، و كنز لغوي حافل بالمفردات الفصيحة ، و التراكيب البليغة ، خالية عن أدنى شوب أو لكنة .
فأين أولياء اللغة من هذه الحقيقة السافرة ؟
و أين هم من هذا الكنز العظيم ؟
و أين هم من هذا المورد العذب ؟
و الله ولي التوفيق ، و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين .

مراجع البحث

1 ـ الأسماء المبهمة من الأنباء المحكمة ، للخطيب البغدادي أحمد بن علي ( ت 463 ) ، أخرجه دكتور عز الدين علي السيد ، مكتبة الخانجي ، الطبعة الاولى ، سنة 1405 ، القاهرة .
2 ـ أضواء على السنة المحمدية ، لمحمود أبي رية ، الطبعة الخامسة ، دار المعارف ، القاهرة .
3 ـ إكمال الدين وإتمام النعمة ، للصدوق الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( ت 381 ) ، تحقيق علي أكبر الغفاري ، طهران 1395 ، الطبعة الثانية ، دار الكتب الإسلامية .
4 ـ بحار الأنوار ، للمجلسي محمد باقر بن محمد تقي الاصفهاني ( ت 1110 ) ، الطبعة الحديثة ، إيران ولبنان .
5 ـ تدريب الراوي ، للسيوطي جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر ( ت 911 ) ، تحقيق عبد اللطيف عبد الوهاب ، القاهرة ، الطبعة الاولى ، 1379 هـ .
6 ـ الحدائق الوردية ، للمحلي ، طبع دار اسامة ، دمشق .
7 ـ خزانة الأدب ، للبغدادي عبد القادر بن عمر ، الطبعة الاولى ، المطبعة المنيرية ، القاهرة .
8 ـ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ، للسيد حسن الأمين ، دار التعارف ، بيروت ، 1395 هـ .
9 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، للشيخ آغا بزرك الطهراني محمد محسن بن محمد رضا ( ت 1389 ) ، طبع النجف وطهران .
10 ـ السنة قبل التدوين ، لمحمد عجاج الخطيب ، دار الفكر ، الطبعة الثانية ، القاهرة ، 1391 هـ .
11 ـ سنن الترمذي .
12 ـ سنن ابن ماجة القزويني .
13 ـ سنن أبي داود .
14 ـ صحيح البخاري .
15 ـ صحيح مسلم .
16 ـ الصحيفة السجادية ، مقال مستل من مجلة « البلاغ » ، العدد 6 ، السنة الاولى الكاظمية .
17 ـ عدة الداعي ، لابن فهد الحلي أحمد بن محمد الأسدي ( ت 841 ) ، مطبعة حكمت ، مكتبة الوجداني ، قم 1382 هـ .
18 ـ قواعد التحديث ، للقاسمي جمال الدين الشامي ، طبع دمشق ، سنة 1352 هـ .
19 ـ الكافي ـ الاصول ـ ، للشيخ الثقة أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي ( ت 329 ) ، دار الكتب الإسلامية ، صححه علي أكبر الغفاري ، مطبعة حيدري ، طهران .
20 ـ كشف المحجة لثمرة المهجة ، للسيد ابن طاووس ، علي بن موسى بن جعفر الحلي ( ت 664 ) ، المطبعة الحيدرية ، النجف ، 1370 ، قدم له الشيخ آغا بزرك الطهراني .
21 ـ الكفاية إلى علوم الرواية ، للخطيب البغدادي علي بن أحمد بن ثابت ( ت 463 ) ، طبع مصر ، الطبعة الاولى ، مطبعة السعادة ، القاهرة ، 1972 م .
22 ـ كنز العمال ، للمتقي الهندي .
23 ـ المراقبات ، للحاج الميرزا جواد الملكي التبريزي ( ت 1343 ) ، نشر مكتبة الشفيعي ، أصفهان ، مطبعة حيدري 1381 .
24 ـ مسند أحمد بن حنبل ، طبع مصر ، في ستة مجلدات .
25 ـ المعجم الصغير ، للطبراني .
26 ـ منتفى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان ، للشيخ حسن صاحب المعالم ( ت 1011 ) ، طبع جامعة المدرسين ، قم 1402 ، تحقيق علي أكبر الغفاري .
27 ـ نهج البلاغة ، من كلام الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام ، جمع السيد الشريف الرضي محمد بن الحسين الموسوى ( ت 406 ) ، تحقيق صبحي الصالح ، الطبعة الاولى ، بيروت 1387 .
28 ـ وسائل الشيعة ، للشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي ( ت 1104 ) ، تحقيق الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي ، المطبعة الإسلامية ، طهران 1398 .
29 ـ وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ، للشيخ المحقق المحدث الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي ( ت 984 ) ، تحقيق السيد عبد اللطيف الكوهكمري ، مطبعة الخيام ، قم 1401 هـ .
و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين 40 .

  • 1. وسائل الشيعة : 4 / 1171 .
  • 2. الأسماء المبهمة ـ للخطيب البغدادي ـ : 116 رقم 63 و انظر كنز العمال : 2 / 88 .
  • 3. الكافي ـ الأصول ـ : 2 / 422 .
  • 4. بحار الأنوار : 1 / 7 ـ 218 .
  • 5. عدة الداعي : 18 ، وسائل الشيعة : 4 / 1107 ، و انظر : كنز العمال : 2 / 293 .
  • 6. الكافي ، كتاب الصلاة ، باب صلاة الحوائج : 3 / 476 ح 1 .
  • 7. أورده البخاري في صحيحه في مواضع : كتاب الوضوء : 1 / 308 ، و كتاب الدعوات 11 / 93 و 97 و 98 ، و كتاب التوحيد : 13 / 388 ، و مسلم في صحيحه ، كتاب الذكر و الدعاء : 4 / 2081 ، و أبو داود في السنن ، أبواب النوم : 4 / 425 ؛ و أبن ماجة في السنن ، كتاب الدعاء : 2 / 1275 ، و الترمذي في السنن ، أبواب الدعوات : 2 / 245 ، و أحمد في المسند : 4 / 285 و 290 و 292 و 296 و 299 و 300 و 301 و 302 من طبعة الحلبي .
    و الطبراني في المعجم الصغير : 3 ، و الخطيب في الكفاية : 270 طبعة مصر .
  • 8. القران الكريم : سورة طه ( 20 ) ، الآية : 130 ، الصفحة : 321 .
  • 9. الخصال ـ للصدوق ـ : 452 ح 58 من أبواب العشرة ، و الوسائل ، الصلاة أبواب الذكر باب 49 ، 7 / 226 .
  • 10. القران الكريم : سورة الأعراف ( 7 ) ، الآية : 205 ، الصفحة : 176 .
  • 11. الكافي ـ الأصول ـ : 2 / 383 ح 17 ، الوسائل : 7 / 227 ح 6 .
  • 12. إكمال الدين ـ للصدوق ـ ( المطبوع باسم « كمال الدين » خطأ ) 1 / 352 باب 33 ، ح 49 و عنه بحار الانوار : 52 / 149 ح 73 .
  • 13. الكافي ، كتاب الزي و التجمل ، باب لباس البيض : 6 / 5 ـ 466 ح 3 .
  • 14. الحدائق الوردية ـ للمحلي ـ : 1 / 192 .
  • 15. وصول الأخيار إلى أصول الأخبار : 152 عن الكافي : 1 / 51 .
  • 16. المصدر ، نفس الموضع .
  • 17. قواعد التحديث ـ للقاسمي ـ : 207 .
  • 18. توجيه النظر ـ لطاهر الجزائري ـ : 76 .
  • 19. تدريب الراوي ـ للسيوطي ـ : 312 .
  • 20. وصول الأخيار : 152 .
  • 21. القران الكريم : سورة الزمر ( 39 ) ، الآية : 18 ، الصفحة : 460 .
  • 22. وصول الأخيار : 153 : عن الكافي 1 / 51 .
  • 23. لاحظ : وصول الأخيار : 155 .
  • 24. السنة قبل التدوين ـ لمحمد عجاج الخطيب ـ : 130 .
  • 25. وصول الأخيار : 151 ـ 152 .
  • 26. السنة قبل التدوين : 134 .
  • 27. أضواء على السنة ـ لمحمود أبي رية ـ : 179 ، و لاحظ تعقيبنا عليه في كتابنا « تدوين الحديث » .
  • 28. وصول الأخيار : 151 ، و السنة قبل التدوين : 134 .
  • 29. وصول الأخيار : 156 .
  • 30. منتقى الجمان : 3 / 258 .
  • 31. نهج البلاغة ، مقدمة الشريف الرضي : 34 .
  • 32. نهج البلاغة ، الخطبة ( 233 ) : 354 .
  • 33. المراقبات ، للملكي : 105 .
  • 34. انظر : دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ، للسيد حسن الأمين 12 / 50 بعنوان « الدعاء » ، و ص 80 بعنوان « الصحيفة السجادية » .
  • 35. انظر : الكافي : 2 / 466 ـ 577 طبعة دار الكتب .
  • 36. الذريعة : 8 / 182 ـ 196 و 199 ـ 206 ، بعنوان الدعاء و الدعوات ، و انظر : دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ج 12 مجلد 3 ص 50 .
  • 37. كشف المحجة لثمرة المهجة : المقدمة ، بقلم الشيخ الطهراني ، و انظر صفحة 131 من أصل الكتاب .
  • 38. الصحيفة السجادية ، مقال نشر في مجلة « البلاغ » الكاظمية ، السنة الاولى ، العدد 6 .
  • 39. خزانة الأدب ، للبغدادي : 1 / 4 ـ 7 ، الطبعة الاولى .
  • 40. فصل من كتاب « الدعاء في الاسلام : ما هو ؟ و كيف ؟ و لماذا ؟ » للعلامة السيد محمد رضا الحسيني .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى