الأستوديوالتعليمالقرآن الكريمالقرآن الكريممقالات

الخضر وموسى …

السلام عليكم ورحمة الله …

ماذا يعني قول موسى (عليه السلام) في قوله تعالى:﴿ … لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ … ﴾ فهل يجوز على النبي النسيان؟؟

بالنسبة إلى صاحب موسى (عليه السلام)، الذي هو يوشع بن نون، وصي موسى، وهو نبي.. كيف تسلط عليه الشيطان فأنساه الحوت، فقال:﴿ … وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ … ﴾ ؟

كيف قتل الخضر الغلام على ذنب لم يرتكبه؟ وهل يجوز القصاص قبل الجناية؟ فلو كان من أجل حفظ إيمان الأبوين يجوز قتله، فلماذا لم يقتل أمير المؤمنين عبد الرحمن بن ملجم، حيث إنه سوف يقتل أمير المؤمنين وهو يعلم به؟ وفي قتل أمير المؤمنين انتشار للفساد كبير، وأمير المؤمنين كان يقول بالمعنى: لا قصاص قبل الجناية؟

ولكم منا جزيل الشكر والاحترام. نسألكم الدعاء في أمان الله.

الجواب: 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..
وبعد..
أما بالنسبة للسؤال الأول، عن قول النبي موسى (عليه السلام): ﴿ … لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ … ﴾ 1، وهل يجوز على النبي النسيان؟
وكذلك الإجابة على بعض الأسئلة الأخرى، فنقول: إن ذلك يحتاج إلى إيراد بعض الكلام حول الآيات المباركة، التالية: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ 2..
وقبل أن نشرع في بيان ما نرمي إليه، نلفت نظر الأخ الكريم إلى الأمور التالية:
1 ـ إنهم يقولون: إن الفتى الذي كان مع النبي موسى (عليه السلام) هو وصيه يوشع بن نون.
2 ـ إن الله سبحانه قد أمر النبي موسى (عليه السلام) بأن يذهب للقاء العبد الصالح ـ وهو الخضر (عليه السلام) وكان نبياً حسبما ذكرته الروايات ـ وكان ظهور الآية للنبي موسى (عليه السلام) في أمر الحوت، حيث عاش، واتخذ سبيله في البحر بصورة عجيبة، ونسيان يوشع أن يذكر ذلك للنبي موسى (عليه السلام) ـ كان ذلك هو العلامة التي مكّنت النبي موسى (عليه السلام) من أن يصل من خلالها إلى العبد الصالح ـ الخضر (عليه السلام) ـ.
3 ـ إن ذلك العبد الصالح قد رزقه الله سبحانه طول العمر، فهو حي لم يمت، وسيبقى إلى الصيحة، أو إلى حين نفخ الصور، حسبما دلت عليه الروايات..
4 ـ إن الله تعالى قد آتى ذلك العبد الصالح رحمة موهوبة من عنده، ومن صنعه وعطائه. وأعطاه أيضاً علماً لدنياً، موهوباً له منه سبحانه، وهو علم غير اكتسابي، لا ينال بالفكر ولا بالسعي.
وقد أشارت بعض الروايات إلى أن مهمات العبد الصالح كانت تختلف عن مهمات النبي موسى (عليه السلام). وقد روي في تفسير القمي: أنه قد قال للنبي موسى (عليه السلام): إني وكلتُ بأمر لا تطيقه، ووكلتَ بأمر لا أطيقه.
وقد كان النبي موسى (عليه السلام) أعلم من الخضر بصورة عامة، لكن كان لدى الخضر علم بأمور تتناسب مع مهماته، كانت معرفة النبي موسى (عليه السلام) بها أيضاً من موجبات نيله لمقامات أسمى وأرفع. وقد كان يكفيه لتعلمها أن يعرف مبادئها، وأصولها، لتنفتح له أبواب تفصيلاتها وفروعها، ويدل على ذلك ما ورد من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد علّم علياً أمير المؤمنين (عليه السلام) ألف باب من العلم، يُفتح له من كل باب، ألف باب..
5 ـ الإمر ـ بكسر الهمزة ـ الداهية العظيمة.
6 ـ إن مهمة الأنبياء ليست هي مجرد إبلاغ الأحكام، أو قيادة الناس في مجال السياسة وليس النبي حاكماً أو سلطاناً، أو ما إلى ذلك، بل النبي مبلغٌ وهادٍ، وراعٍ، ومربٍ للخلق، وحافظ ومدبر لهم، ومهيمن على مسيرتهم، وله درجة من المسؤولية عن سائر الموجودات المحيطة به، حتى الشجر والحجر، والطير والحيوان، والماء والهواء.. و.. و.. كل ذلك من موقع العلم والمعرفة، والقدرة، والهيمنة، والمحبة، والتدبير الحكيم..
ولأجل ذلك عُلِّم الأنبياء منطق الطير، والحيوان، ولغات البشر، وسخر الله لهم الريح، وغير ذلك.. وما يذكر للنبي (صلى الله عليه وآله)من كرامات في هذا السياق، هو من شواهد ذلك أيضاً.
7 ـ إن ما يظهر لهم (عليهم السلام) من معجزات، فإنما هي تصرفات اقتضتها حكمتهم، ودورهم، ومسؤولياتهم. ومن ذلك طي الأرض لهم، وتكلم الشجر والحجر معهم، وإطعام الجيش كله من كف من تمر، أو من شاة عجفاء..
فتلك الأحوال تعدّ إعجازاً بالنسبة لنا، وهي مسؤوليات بالنسبة لهم، وحضور عملي في موقع الحاجة إلى المبادرة وإلى التصرف.
8 ـ إن الأنبياء جميعاً يشتركون في علم الشريعة، والدين والأحكام، وكل ما يحتاجون إليه في مهماتهم في هداية الأمة ورعايتها.. والتفاوت فيما بينهم إنما هو في العلوم الراقية، التي يحصلون عليها بفضل من الله عليهم، وبها وبالسعي من خلالها ينال الأنبياء المقامات السامية عند الله تعالى..
والمفروض بالنبي موسى (عليه السلام) وهو النبي العارف بالله تعالى، أن يسعى لنيل تلك المقامات من خلال توفير المعارف التي تتطلّبها، وقد عرّفه الله تعالى أنه قد أعطى العبد الصالح علوماً من عنده، وأن عليه أن يطلبه، ويتعلمها منه.. وهكذا كان..
فالعلم الذي يريد النبي موسى (عليه السلام) أن يتعلمه من الخضر، لا يوجب فقده (عليه السلام) في تلك الحال قدحاً أو نقصاً في نبوته (عليه السلام)، لأن علم النبوة وكل ما يحتاج إليه كان حاضراً لديه (عليه السلام) بصورة تامة، ولكنه أراد الحصول على علم يعطيه القدرة على الوصول إلى مقامات أسمى وأرفع.. ولا بد أن تتوقع من الأنبياء أن يكونوا طموحين وساعين بكل جهدهم لتلك المقامات، وأن يحبوا الوصول إليها، ولو لم يكن لديهم هذا الطموح لما استحقوا مقام النبوة، بل ما هو أقل بكثير من ذلك.
على أنه قد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: “كان موسى أعلم من الخضر»، أو قال: «كان موسى أعلم من الذي اتبعه”.
9 ـ إن للأنبياء (عليهم السلام) شاهدية على الخلق، وهو يقتضي أن يكون لهم اطلاع على جميع أعمال الخلائق، حتى على المشاعر والنوايا، فهم يرون أعمالهم حتى في حال نومهم (عليهم السلام) وقد ورد أن أبا ذر طلب النبي (صلى الله عليه وآله)، فوجده في حائط «أي بستان» نائماً، فأراد أن يستبرئ نومه من يقظته، فتناول عسيباً يابساً، فكسره ليسمعه صوته، يستبرئ به نومه، فسمعه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فرفع رأسه، فقال: “يا أبا ذر، تخدعني؟! أما علمت أني أرى أعمالكم في منامي، كما أراكم في يقظتي، إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي”.
وعلم الشاهدية هذا مهم جداً في السياسة الإلهية للبشر، وصيانة إيمانهم وتعميق ارتباطهم برسله وبأوليائه.
10 ـ إن العلم الذي يحصل عليه المعصوم (عليه السلام) بالطرق غير العادية، الخاصة به، كالذي يأتيه من الله على سبيل الإلهام، أو الوحي، أو من خلال إشرافه على لوح المحو والإثبات أو على أم الكتاب، أو حديث الملك، أو من خلال شاهديته، ورؤيته لأعمال الخلائق في نومه ويقظته (عليه السلام) ـ إن هذا العلم لا يحق له أن يتعامل به مع الناس على ما يقتضيه.. ولذلك نجد أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يحد زانياً، ولا قطع سارقاً، ولا جلد شارباً للخمر، ولا قتل قاتلاً بالاستناد إلى شاهديته، أو إلى علمه بالغيب من خلال إلهام النبوة، أو إخبار جبرئيل (عليه السلام)، أو نحو ذلك..
وقد كان (صلى الله عليه وآله) يعرف المنافقين، ويعرف الذين نفروا به ليلة العقبة، وقد أخبر حذيفة بأسمائهم، ولكنه لم يعاملهم وفقاً لما تقتضيه هذه المعرفة، بل عاملهم وفق الوسائل العادية التي تقع تحت اختيار الناس، وفي متناول أيديهم، مثل الرؤية البصرية، أو ما يسمع بواسطة الأذن، أو ما تقوم به البينة، وغير ذلك..
ولأجل ذلك لم يتخذ الإمام علي (عليه السلام) من ابن ملجم أي موقف سلبي، رغم أنه كان يخبر الناس بأنه قاتله، كما أن الإمام الرضا (عليه السلام) يشرب ماء الرمان، أو يأكل العنب رغم أنه يخبرهم بأنه مسموم.
كما أن الإمام الحسين (عليه السلام)، يقدم على المسير إلى كربلاء، رغم علمه وإخباره بما يلاقيه هو وأهل بيته، وصحبه، ثم بما يجري على نسائه وأطفاله من بعده.
ولكن لأن ذلك كله قد جاءهم بطرق غير عادية، فليس لهم أن يرتبوا عليه الآثار في مجال التعامل مع الآخرين، لأن ذلك يدخل في دائرة التسلط عليهم بالطرق التي لا ينالها اختيارهم، ويجعل من التعامل معهم منافياً للعدل الإلهي. من حيث إنه يسقط إرادتهم، ويفقدهم حريتهم بمؤثرات خارجية قاهرة، لم تأت من خلال حركة السنن الطبيعية، بل جاءت بفعل إرادة قاهرة لإرادتهم، واختيار يعطل قدرتهم على الاختيار.
أما السبب في أن الأئمة والأنبياء يخبرون الناس بتلك الأمور ـ بأن العنب مسموم مثلاً، وبأن ابن ملجم هو قاتل الإمام (عليه السلام) و.. و.. ـ فهو إقامة الحجة عليهم، وتأكيد يقين الناس بإمامتهم. والإعلان لكل أحد بأنهم هم الذين يملكون علم الإمامة، وأن المأمون والآخرين متوثبون على أمر ليس لهم، وظالمون معتدون متجرؤون عليهم، وعلى الناس، وعلى الله في حاكميته وسلطانه..
لكن لو أن أحداً من الناس جاء وأخبر الإمام (عليه السلام) بأن العنب مسموم، أو أن الإمام (عليه السلام) نفسه قد رأى المأمون يضع السم في العنب، أو في ماء الرمان أو أن المأمون قد اعترف بذلك، فإنه لا يجوز للمعصوم في مثل هذه الأحوال أن يشرب ماء الرمان، أو أن يأكل من ذلك العنب، ولكان وجب على الإمام اتخاذ الإجراءات المشروعة ضد ابن ملجم وهكذا الحال في سائر الموارد..
ولأجل ذلك نجد أن النبي (صلى الله عليه وآله) يقول للناس: “إنما أقضي بينكم بالبينات والأيْمان، وبعضكم ألحن بحجته من بعض، فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً، فإنما قطعت قطعة من النار”.
وبعدما تقدم نقول:

هنا نقطتان لا بد من معالجتهما

إحداهما: ما يقال من أن النبي موسى (عليه السلام)، قد نكث العهد الذي أعطاه للعبد الصالح بأن لا يعترض عليه..
الثانية: أنه (عليه السلام) يقول للعبد الصالح: لا تؤاخذني بما نسيت، فإن ذلك ينقض ما يقوله شيعة أهل البيت تبعاً للأئمة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، من أن النسيان لا يجوز على الأنبياء..
كما أن قول فتى موسى:﴿ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ … ﴾ 3 فقد ورد أن هذا الفتى هو يوشع بن نون وصي النبي موسى (عليه السلام) الذي يفترض أن يكون معصوماً أيضاً..
كما أن علينا أن نجيب على السؤال عن الفرق بين قضية قتل الخضر (عليه السلام) للغلام، وقضية قتل ابن ملجم لأمير المؤمنين (عليه السلام) وغير ذلك.
وبيان وجه الحق في هذه الأمور وسواها نورده فيما يلي:
﴿ … إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ 4
إنه حين طلب النبي موسى (عليه السلام) من الخضر (عليه السلام) أن يتبعه قال له الخضر (العبد الصالح):﴿ … إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ 4، فنفى بذلك قدرته على جميع مفردات الصبر، لأن كلمة «صبراً» قد جاءت نكرة في سياق النفي، وهو يفيد العموم.
ثم بين سبب ذلك بقوله:﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴾ 5.
فقد يتخيل البعض: أن عدم قدرة النبي موسى (عليه السلام) على تحمل مثل هذه الأمور يثير الشك في استحقاقه للنبوة، لأن الأنبياء يجب أن يكونوا الأمثولة في الصبر والتحمل..
ولكنه خيال زائف، إذ أن قوله: ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴾ 5 قد بين أن السبب في عدم صبره (عليه السلام) ليس هو أنه لا يملك أي طاقة أو قدرة على أي نوع من أنواع الصبر (كما هو مفاد النكرة في سياق النفي حسبما أشرنا إليه)..
بل هو يقول: إن الاستعداد، والقدرة على الصبر بجميع مراتبه، متوفر لديك يا موسى، ولكن هناك مانع يمنعك من استعمال قدراتك هذه، ويجعله صبراً غير معقول ولا مقبول من أمثالك من الأنبياء أولي العزم، وهو أن صبرك هنا ينافي عصمتك، وعدلك، وقناعاتك، ويخل بتوازن شخصيتك، ويفقدك الصلاحية لمقام النبوة..
لأنك لو صبرت لكنت مداهناً في دين الله، غير مبال بمخالفة شرعه وأحكامه، مع أنك ترى المخالفة رأي العين.. فصبرك يتنافى مع تكليفك، ودينك، وشريعتك..
إذ إن عدم اطلاعك على باطن الأمر، وهو وجود ملك يأخذ كل سفينة غصباً، يجعل من خرق الخضر للسفينة مخالفة ظاهرية لا بد لك من التصدي لها، والاعتراض عليها ولو بمستوى استيضاح الأمر عنها، حتى إذا جاءك البيان بأن ثمة ما يبرر هذا التصرف، فإن بإمكانك في هذه الحالة فقط أن تسكت.. وهكذا كان.
وهذا ما يفسر لنا ما كان يرمي إليه العبد الصالح في قوله:﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴾ 5 فإنه استدلال بأمر بديهي فطري، إذ مع عدم الإحاطة بواقع الأمر، والوقوف على دوافعه وكوامنه وأسراره، فإن الفطرة والشرع والعقل تدعوك إلى المواجهة، وتأبى الفطرة والعقل والشرع السكوت عنه، فضلاً عن الإقدام عليه..
فلا بد من الاستيضاح عن سبب المخالفة الظاهرية، هل هو سبب مشروع يخرجها عن دائرة التصرف بمال الغير، وقتل النفس المحترمة، بدون ذنب ظاهر، ويخرج موضوع إقامة الجدار عن دائرة التصرف غير المنطقي.. وبالإجابة على ذلك السؤال تتضح الأمور، فإن كان ثمة ظلم فلا بد من الردع عنه، وإن كان ثمة عذر مقبول، سقط التكليف.
وهكذا فعل النبي موسى (عليه السلام)، فإنه وجه سؤالاً للعبد الصالح، وقبل منه إشارته إلى أن في الأمر سراً سوف يطلعه عليه.. وأعلمه بأن هذا هو أحد مفردات الأمور الصعبة، التي لا يحق للنبي موسى (عليه السلام) الصبر عليها، لأجل عدم معرفته بسرها، حيث قال له:﴿ … أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ 6.
ولعلك تقول: ليس من حق النبي موسى (عليه السلام) أن يفكر بهذه الطريقة، لأنه إنما يتهم العبد الصالح الذي أرشده الله إليه ليتعلم منه.. فكان المفروض عليه أن يصبر ويسكت..
والجواب عن ذلك: أن لزوم أخذ النبي موسى (عليه السلام) العلم من العبد الصالح، لا يعني أن لا ينهاه النبي موسى (عليه السلام)، أو فقل: أن لا يستفسر منه عن سبب صدور ما ظاهره المخالفة لقواعد الشرع وأحكامه.. إذ قد تقدم أنه لا يحق للنبي موسى (عليه السلام) أن يتعامل مع الآخرين من موقع علم الشاهدية على الخلق، أو علم النبوة، الذي يستشرف الغيب، أو يمكنه من الحصول عليه.. بل عليه أن يعاملهم بمقتضيات ما يتوفر له من وسائل عادية للحصول على المعارف والعلوم.
فالاطلاع على سر تصرف الخضر من خلال علم الشاهدية، أو علم النبوة بالوحي، أو بالاطلاع ـ كالملائكة ـ على لوح المحو والإثبات، لا يسقط تكليفه بالسؤال عن سر ما صدر منه، وطلب السماع من فم العبد الصالح مباشرة.. لأن منشأ التكليف بالسؤال هو رؤية المخالفة بالعين ـ وليس هو الوحي ولا الشاهدية ـ فلا يسقطه إلا ما هو من سنخه أيضاً، وهو سماع التوضيح من الفاعل، وترتيب الآثار على ذلك، وفقاً لما قرره الشرع لسائر الناس في ممارساتهم في الأشباه والنظائر..
وبذلك يتضح: أن الله سبحانه قد أراد ـ في جملة ما أراده ـ من إيراد هذه الحادثة أن يظهر أن النبي موسى (عليه السلام) قد كان دائماً في خط الله، حتى وهو يعترض على الخضر.. ويسأله عن سبب ما صدر منه.
فالنبي موسى (عليه السلام) لم يخطئ في تشخيص تكليفه، ولم يقصر في القيام بما يجب عليه، حتى مع العبد الصالح، النبي، ورغم أنه مأمور بالتعلم منه، وبذلك استحق النبي موسى (عليه السلام) بنفس موقفه هذا أن يكون رسولاً نبياً، ومن أولي العزم أيضاً..

توضيحات ضرورية حول صبر النبي موسى (عليه السلام)

إننا نعود فنكرر الإشارة إلى أن الخضر (عليه السلام) قد نفى جميع أفراد الصبر، حين أورده نكرة في سياق النفي، وقد أكد هذا النفي بالاستفادة من كلمة «لن» التي ادعى الزمخشري: أنها تفيد تأييد النفي، ونحن نؤيد قول الزمخشري هذا، ونرى أن إطلاق النفي يفيد عدم الحصول في جميع آنات المستقبل، وهو معنى التأييد، إن قلت: فكيف صح تقييد منفيها باليوم في قوله تعالى:﴿ … فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴾ 7. كما أنه لو صح ذلك لكان ذكر الأبد في قوله تعالى:﴿ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا … ﴾ 8تكرار، والأصل عدمه..
قلنا: أما بالنسبة للتقييد باليوم، فنقول: إن لفظ اليوم قرينة صارفة عن التأبيد لأن استفادة التأبيد إنما هي من الإطلاق، وهو إنما ينعقد مع عدم وجود قرينة..
وأما بالنسبة للتكرار في قوله تعالى:﴿ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا … ﴾ 8 فإنه إذا كان التكرار لأجل التأكيد لم يكن فيه إشكال. بل هو من البلاغة المطلوبة.. ولا أقل من أنها تفيد نفي مدخولها في المستقبل المنظور.. وهو في الآية هنا نهي معلل.. وتعليله أيضاً قد جاء على سبيل التعجب.
وهذا النفي قد انصب على القدرة والاستطاعة، ولم ينصب على الصبر نفسه، حيث لم يقل له: إنك لا تصبر، أو لن تصبر، بل قال له: إنك الآن، وفي جميع الآنات الآتية، فاقد للقدرة على أي فرد من أفراد الصبر، مهما كان ضئيلاً وموهوناً..
كما أنه لم يقل له: لا تستطيع، لأن هذا النفي قد يفهم منه أنه يختص بنفي فعلية قدرته، وهذا لا ينافي صيرورته قادراً في بعض الآنات فيما يأتي.. كما أنه قد يفهم منه: إمكان الصبر في نفسه، ولكن محدودية قدرة النبي موسى (عليه السلام) هي التي جعلته ممتنعاً عليه..
وإذا نظرنا إلى التعليل فسوف نجد أنه أيضاً تعليل بأمر حقيقي وواقعي، من شأنه أن يفهم النبي موسى (عليه السلام): أن حصول الصبر يصل إلى درجة الامتناع الحقيقي..
فهو يقول له: إن الصبر لا يمكن صدوره منك، حتى لو كنت قادراً عليه.. إذ أن القضية ليست قضية وجود أو عدم وجود طاقة وقدرة لديك يا موسى، بل القضية هي أنك أنت لا يمكن أن تختار الصبر، لوجود مانع من ذلك يجعل من اختيارك له أمراً ممتنعاً حقيقة..
ويشير إلى هذا المعنى أيضاً: أن التعليل لم يكن ببيان حجم طاقة النبي موسى (عليه السلام)، ومقارنته بحجم ذلك الأمر العظيم الذي يرد عليها، بل هو تعليل بأمر علمي إدراكي، معرفي. وهذا لا ربط له بالتحمل.. إذ أنه يرجع إلى أن عدم معرفة النبي موسى (عليه السلام) بسر وسبب ما يصدر من الخضر يجعل فعل الخضر ـ الذي ظاهره المعصية والتعدي ـ مورداً لحكم الشارع بلزوم التصدي له، أو على الأقل يحتم على الناظر إليه طلب الإيضاح والبيان..
وإذا أصدر الشارع أمره للنبي موسى (عليه السلام) بذلك، فإنه لا يبقى أمامه (عليه السلام) أي خيار سوى الامتثال، وهذا ما حصل بالفعل..
ويتحدد تكليف النبي موسى (عليه السلام) في المراحل التالية وفقاً للبيان الذي يسمعه من العبد الصالح..
فالنتيجة هي أن التعليل له مدخلية في اختيار النبي موسى (عليه السلام) للصبر، وعدم اختياره له.. وليس له مدخلية في تحديد طاقة الصبر لدى النبي موسى (عليه السلام) قوة وضعفاً..

أين هو عهد موسى

وبعدما تقدم نقول:
قد يحلو للبعض أن يدعي أيضاً: أن النبي موسى (عليه السلام) قد نقض العهد الذي كان قد أعطاه للعبد الصالح.
ونقول:
أن هذا الكلام ليس فقط غير دقيق، بل هو غير صحيح، والآيات الشريفة نفسها ترده وتنقضه.. وبيان ذلك:
إن الخضر قد قال للنبي موسى (عليه السلام):﴿ … إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ 4﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴾ 5.
فقال له النبي موسى (عليه السلام):﴿ … سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا … ﴾ 9.
فهو قد أخبره بوجود درجة من الصبر لديه، وأنها مرهونة بمشيئة الله سبحانه.. وقال له أيضاً: إنه سوف يلمس هذا الصبر في شخصيته، فلاحظ قوله: (سَتَجِدُنِي..) الدال على أن لديه درجة من الصبر يمكن للخضر أن يتلمسها..
ثم هو لم يزد على أن أعطاه وعداً بأن لا يعصي له أمراً.. وقد وفى له بوعده هذا ولا يمكن أن يجد أحد أية إشارة إلى أية مخالفة، من النبي موسى (عليه السلام) لأمر أصدره الخضر إليه..
ولعل مما يشير إلى عدم وجود تعاهد واتفاق أيضاً.. أن الخضر (عليه السلام) بعد انتهاء حواره مع النبي موسى (عليه السلام) قد قال له:﴿ … فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴾ 10 ﴿ فَانْطَلَقَا … ﴾ 11.
فإنه استفاد من كلمة «إن» الشرطية المفيدة للشك، لا من كلمة إذا التي تستعمل في مورد اليقين، فأفاد ذلك: أنه لم يكن هناك اتفاق، ولا تعاهد فيما بينهما، وأن الذي يقرر الاتباع وعدمه هو النبي موسى (عليه السلام).. بعد أن علم من الخضر بوجود أمور لا يمكن الصبر عليها.
لكن الخضر (عليه السلام) قد طلب من النبي موسى (عليه السلام): أن لا يسأله عن شيء حتى يحدث له هو منه ذكراً..
وقد سكت النبي موسى (عليه السلام) عن التصريح بالرفض أو القبول لهذا الطلب.. ولكنه انطلق معه..
كما أن من الواضح: أن الخضر (عليه السلام) لم يطلب من النبي موسى (عليه السلام): أن لا يأمره بالمعروف، وأن لا ينهاه عن المنكر.. حين يكون لابد من هذا أو ذاك، وذلك حين يخالف ظاهر الشرع..
فإن الخضر والنبي موسى (عليهما السلام) يعرفان: أن هذا الأمر قد أصدر الله أوامره فيه، وليس لأحد أن يلغي أوامر الله سبحانه، أو أن يعطلها. بل لو صدر مثل هذا الأمر من الخضر (عليه السلام)، فإن على النبي موسى (عليه السلام) أن يرفضه، وأن يسأل ويعترض، وعلى الخضر (عليه السلام) أن يجيب..
فإذا كان لا يحق للخضر (عليه السلام) أن يطلب من النبي موسى (عليه السلام) أمراً كهذا، ولا يحق للنبي موسى (عليه السلام) أن يستجيب له، فلا بد أن يحمل قوله:﴿ … فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴾ 10 على الأمور التي ليس فيها مخالفة لظاهر الشرع، فإنها هي التي يكون للنبي موسى (عليه السلام) فيها الخيار، ويحق له فيها السكوت، كما يحق له الكلام.. فيقول له: أريدك أن تختار فيها السكوت مثلاً.. أو عكسه.
أما ما ليس للنبي موسى (عليه السلام) فيه سوى خيار واحد، فليس للخضر (عليه السلام) أن يطلب السكوت عنه، وليس للنبي موسى (عليه السلام) أن يعطي تعهداً بذلك.
كما أن من الواضح: أنه حين أعطى النبي موسى (عليه السلام) وعداً للخضر (عليه السلام) بأن لا يعصي له أمراً، فإن ذلك لا يجعل موسى (عليه السلام) ملزماً بإطاعة الأوامر التي تتضمن معصية لله، أن يفي له بوعده، ويعصي الله بالفعل.
وكل ذلك يدل على أنه إنما وعده بأن يطيعه فيما يجوز له أن يطيعه فيه. فهو من قبيل قولك لمن يحفر بئراً: ضيّق فم البئر، أي أوجده ضيقاً..﴿ … لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ … ﴾ 1:
وحين نصل إلى قول النبي موسى للخضر (عليهما السلام):﴿ … لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ﴾ 1 فإن علينا أن نلتفت إلى أنه سبحانه لم يقل: لا تؤاخذني لأنني نسيت، أو: لا تؤاخذني بنسياني..
إذ قد يفهم من ذلك: أن النسيان هو سبب صدور الاعتراض منه عليه.. وأن هذا النسيان هو المبرر لطلب العفو..
مع أن الحقيقة هي أن النسيان لم يكن هو السبب في اعتراض النبي موسى (عليه السلام) على الخضر (عليه السلام)، كما اتضح مما سبق، بل كان السبب في ذلك هو الأمر الإلهي والتكليف الشرعي.
ولأجل ذلك طلب منه أن لا يؤاخذه بالاعتراض، والسؤال.. وهو المدلول عليه بكلمة «ما» في قوله: «بما نسيت».
أي أن ثمة شيئاً كان الخضر (عليه السلام) قد طلبه من النبي موسى (عليه السلام) وهو: “أن لا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكراً” وقد أزال النبي موسى (عليه السلام) هذا الأمر من ذاكرته، وتركه، وأبعده عن مخيلته، فأصبح منسياً عنده بصورة عمدية، فرضها هو على نفسه، بعد أن ورد عليه أمر أهم منه، متضمن لتكليف إلهي بأن لا يلتفت إلى شيء، بل عليه أن ينشغل ـ فقط ـ بمعالجة ما ظهر في فعل الخضر (عليه السلام) من مخالفة لظاهر الشريعة..
وهذا نظير قوله تعالى:﴿ … كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ ﴾ 12 حيث إن الله سبحانه لا يمكن أن ينساه حقيقة، ولكن المراد بيان: أنه لا بد أن يوضع الكافر في موقع النسيان، فلا يلتفت إليه، ولا يهتم له، ولا يفكر فيه أحد.
ولأجل ما ذكرناه نلاحظ: أن الخضر (عليه السلام) لم يرتب أثراً على ما صدر من النبي موسى (عليه السلام)، ولم يؤاخذه ولم يقل له: هذا فراق بيني وبينك في المرة الأولى. ولا في الثانية، وذلك لأنه لا يحق له ذلك، ولولا أن النبي موسى (عليه السلام) قد وعده في المرة الثالثة بأن يحلله من أمر مصاحبته، لتكررت هذه الحالات في عشرات المواضع، وكان على النبي موسى (عليه السلام) أن يعترض، ولم يكن يحق للخضر أن يتخذ أي إجراء ضده، حتى إجراء المفارقة..
ومما يؤكد هذا الذي قلناه أيضاً: قول النبي موسى (عليه السلام):﴿ … وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ﴾ 1فإن مؤاخذة الخضر (عليه السلام) له تعني أنه يحمله من أمره ما يرهقه ﴿ … لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ … ﴾ 1بالعسر، بحيث يغشاه من العسر ما لا يطيقه. وهو أمر مرفوض عقلاً وشرعاً.. وبذلك يكون النبي موسى (عليه السلام) قد وضع الخضر (عليه السلام) أمام الأمر الواقع، ولم يترك سوى خيار واحد هو خيار التسليم له، إذ لا يحق له اتخاذ أي موقف أو إجراء إلا ما ينسجم مع حكم العقل والشرع..
واللافت: أن الخضر اكتفى في المرتين الأولى والثانية بتذكير النبي موسى (عليه السلام) بأنه قد أخبره بأن في الأمر سراً يخرج تصرفه في السفينة، وقتله للغلام عن دائرة المخالفة لظاهر الشريعة، لو علمه النبي موسى (عليه السلام)، فإنه سيصبح قادراً على الصبر، حيث قال له مرة أخرى:﴿ … أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ 6..
ويظهر من جميع ما قدمناه: أن النسيان الذي أشار إليه النبي موسى (عليه السلام) في قوله:﴿ … لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ … ﴾ 1. لازم وواجب، وهو من مظاهر كماله (عليه السلام)، ومن موجبات التعظيم والتكريم والإجلال له. وليس من موجبات الطعن أو الانتقاص.
﴿ … وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ … ﴾ 3
وقد ذكرت الآيات أيضاً: أن فتى النبي موسى (عليه السلام) ـ وهو يوشع بن نون على ما ذكرته بعض الروايات ـ قد قال حينما سأله النبي موسى (عليه السلام) عن الحوت، وهو الزاد الذي كان معهم:﴿ … فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ … ﴾ 3.. ويوشع هو وصي النبي موسى (عليه السلام)، فكيف ينسى، وهو معصوم؟ وكيف يتسلط عليه الشيطان، وينسيه أن يذكر ما شاهده من عجيب أمر الحوت للنبي موسى (عليه السلام) ؟ رغم أنه قد عاد إلى الحياة، واتخذ سبيله في البحر عجباً.. ولم يكن النبي موسى (عليه السلام) بعيداً عن هذا الحدث الهائل والعظيم. فكيف ينسى أن يخبره بذلك بهذه السرعة..
وللإجابة على هذا السؤال أيضاً نقول:
أولاً: إذا ثبتت عصمة يوشع بالدليل والبرهان، ولم نستطع تفسير الظاهر القرآني بما يتلاءم مع تلك العصمة الثابتة، فلا بد أن نتهم أنفسنا بالقصور عن فهم المراد من الآية، ونصر على الاعتقاد بالعصمة.. وننتظر أن يفتح الله علينا في معنى الآيات..
ثانياً: إن المعصوم لم يزل يهضم نفسه، ويتهمها بالقصور وبالتقصير، ولا يدعي لنفسه الكمال، ولا يتعامل مع نفسه على أساس أنه معصوم.. فكان من الطبيعي أن يتهم يوشع هنا نفسه بالتقصير، وأن يعتبر ذلك النسيان من فعل الشيطان.. رغم أن الشيطان ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.. ولا شك أن يوشع (عليه السلام) من هؤلاء..
ومن الواضح: أن الله سبحانه قد أرسل النبي موسى (عليه السلام) ليلتقي بالخضر (عليه السلام)، وجعل له علامة للتعرف عليه، هي حصول أمر غير عادي، وغير مألوف، وكانت حياة السمكة التي كانت معهما وذهابها في البحر.. هي هذه العلامة، وكان نسيان يوشع إخبار النبي موسى (عليه السلام) بهذا الأمر العظيم، رغم أنه وقع بالقرب منه، بل في حضوره تقريباً ـ علامة أخرى للنبي موسى (عليه السلام) على ما جاء إليه ـ إذ أن هذا النسيان إما أن يكون بسبب شدة سذاجة يوشع إلى حد البله، أو أنه ناشئ عن تصرف إلهي فيه.. والثاني هو الصحيح كما هو ظاهر..
فهو إنساء من الله ليوشع، وتصرف إلهي في نفسه الشريفة، فهو كالموت الذي يفعله الله سبحانه بأنبيائه مع أنهم لا يجوز لهم إماتة أنفسهم، وكالنوم الذي يلقيه الله عليهم بالرغم عنهم، وكالمرض الذي يأتيهم من الله، مع أن النبي لا يجوز أن يمرض نفسه..
إذا كان هذا النسيان قد عرض ليوشع بتصرف إلهي قاهر له.. ليجعل ذلك علامة وطريقاً وسبيلاً للنبي موسى (عليه السلام) للوصول إلى ما هو أهم وأعظم، فلا دليل على أن هذا من موارد النقص في المعصوم، لاسيما إذا لاحظنا بأن مورده ليس هو التكليف الشرعي، كما أنه ليس في مورد التعاطي والتعامل مع الناس..
وهذا بالذات هو ما قصده الشيخ الصدوق حين تحدث عن إسهاء الله تعالى لنبيه، وإن كان (رحمه الله) قد عمم الكلام في ذلك إلى الإسهاء في الصلاة الأمر الذي لم يقبله منه علماؤنا الأبرار رضوان الله تعالى عليهم.
وبالتأمل بما ذكرناه تظهر الإجابة على السؤال عن قوله تعالى: حكاية عن النبي موسى (عليه السلام):﴿ … لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ … ﴾ 1؟!..
وعلى سؤال: كيف تسلط الشيطان على يوشع بن نون وصي النبي موسى (عليه السلام) وهو نبي معصوم؟!
وعلى سؤال: كيف قتل الخضر (عليه السلام) الغلام على ذنب لم يرتكبه؟!.
وعلى السبب في أن الإمام علياً (عليه السلام) لم يقتل ابن ملجم، تفادياً للفساد الذي يحدث من قتل ابن ملجم للإمام (عليه السلام)..
والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى