مقالات

الحضارة…

لكي نستفيد أكثر فأكثر من تعاليم ديننا الحنيف لابد أن نكوّن في أذهاننا تصوّراً شاملاً لهذا الدين ، وتلك التعاليم ، ونحن ‏إذا ما حصلنا على هذه النظرة الشمولية إلى الإسلام ، وهذه البصيرة التفاعلية إلى مجموع الدين ، فإننا سوف نتقيّد بتعاليمه تقيداً أكثر ، لأننا نعلم أن المجموع سيظل ناقصاً بفقدان أي جزء منه .

وبناء على ذلك ؛ فإن خللاً بسيطاً في أي عمل من أعمالنا العبادية من الممكن أن يؤدي إلى انهيار عباداتنا كلها ، وعدم‏ قبولها من قبل الخالق تبارك وتعالى ، فكلمة غيبة واحدة من الممكن أن تذهب بصومك فلا تحصل من هذا الصيام سوى‏ على الجوع والعطش . فعلينا أن لا نستهين بهذه الكلمة إذ مثلها كمثل قطرة دم سقطت في حوض ماء الورد فجعلته نجساً مهما كان حجمه كبيراً .
فقد روي عن جابر ، عن أبي جعفر ( الإمام محمد الباقر ) عليه السلام قال : أتاه رجل فقال : وقعت فارة في خابية فيها سمن أو زيت فما ترى في أكله ؟ قال : فقال له أبو جعفر عليه السلام : لا تأكله . فقال له الرجل : الفأرة أهون عليّ من أن أترك ‏طعامي من أجلها . قال : فقال له أبو جعفر عليه السلام : ( إنّك لم تستخّف بالفأرة ، وإنما استخففت بدينك‏ ) 1 .
وهكذا ؛ قد يؤدي ذنب صغير كالعجب ، والكبر ، والاستهزاء بالناس ، وإفشاء أسرار الآخرين إلى ضياع عمر من العمل‏ الصالح . وعلى العكس من ذلك فقد تؤدّي كلمة طيبة ، أو نصيحة مخلصة ، أو عمل صادق ، وبالتالي الاهتمام بالجانب ‏الديني إلى محو صحيفة سوداء من الأعمال السيئة .
وروي في هذا المجال عن الحسن ابن الجهم ، قال : سمعت أبا الحسن‏ عليه السلام يقول : إنّ رجلاً في بني اسرائيل عبد اللَّه‏ أربعين سنة ، ثم قرّب قرباناً فلم يقبل منه ، فقال لنفسه : وما اُوتيت إلاّ منك ، وما الذنب إلاّ لك . قال : فأوحى اللَّه‏ تبارك وتعالى إليه : ذمّك لنفسك أفضل من عبادتك أربعين سنة 2 .

العبادات بأهدافها

إن المطلوب منا لدى صلاتنا هو إيجاد حالة الخضوع في أنفسنا ، أما الصلاة التي لا تزيدني خشوعاً ، والصوم الذي لا ينمّي ملكة التقوى في نفسي ، والحج الذي لا يزيد من انسجامي مع سائر المسلمين ولا يجعلني أتبرّأ من الكفار ، والجهاد الذي لا يؤدي إلى إعلاء كلمة الدين . . كل ذلك لا نفعَ من ورائه .
ومن هنا ؛ فإن علينا أن ندرس الدين دراسة جديدة ، وأن ندرس تعاليمه من خلال الحكم ، والأهداف ، والغايات‏ المرجوّة منها ؛ والتي جعلت لكل واحدة من فرائض الدين ، ولكل تعليم من تعاليمه ، وأن ننظر إليه ككلّ ومجموع . فنحن‏إنما نريد من الدين الإسلامي أن يحملنا إلى المجد في الدنيا ، والعظمة ، والرقيّ والتطور ، ونريد منه في الآخرة أن يكون‏ جسراً للوصول بنا إلى الجنة .

سورة الحضارة

ونحن إذا نظرنا مثل هذه النظرة الشمولية إلى التعالم الاجتماعية في الإسلام ، فإننا سوف نحصل على المفهوم الصحيح‏ للحضارة ؛ هذا المفهوم الذي يمكننا أن نستقيه من القرآن الكريم ، وخصوصاً سورة المائدة التي هي أساساً سورة الحضارة الإسلامية ، والحكم الإسلامي ، وهي السورة التي تبيّن لنا بوضوح الأسس المتكاملة للمدنية الإلهية في‏الأرض ، كما تبيّن من جهة أخرى صفات الجاهلية بكل أبعادها .
ولو تدبّرنا في هذه السورة الكريمة فإننا سنحصل بالتأكيد على آفاق جديدة من المعرفة وعلم الحضارات .
ولقد قمت سابقاً بتفسير هذه السورة ، وأشرت إلى أنها تحدثنا عن معالم المجتمع الإسلامي ، ولكنني لم أتوصل إلى الخيط الذي يربط بين مختلف تعاليمها ؛ أي التصور الشمولي لهذه السورة . وهذا يعني أننا لم نصل بعد إلى مثل هذا التصور الشمولي فيما يتعلق بالمجتمع الإسلامي ، فنحن لا نعرف بالضبط لماذا حرّم الإسلام الغيبة والتهمة والنميمة ، ولماذا فرض‏علينا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولماذا أمرنا بالتواصي والتحابب ، وقول الكلمة الطيبة ، والتشجيع على عمل‏الخير . لأننا ننظر إلى كل واحدة من هذه المفردات الأخلاقية والتبريرية لوحدها ؛ دون أن نحاول الربط بينها بخيط واحد لكي نرى صورة المجتمع الإسلامي المتكامل فنحصل من خلال ذلك على مجموعة من القوانين والسنن الإلهية التي ‏يجب أن تتحكم في المجتمع .
وهذه الظاهرة هي مشكلة المسلمين في جميع المجالات ؛ أي مشكلة الفكر المتخلّف الذي لا يصل بين مفردة وأخرى ،والذي لم يستطع بعد أن يتوصّل إلى الأسلوب الأمثل لفهم الآيات القرآنية . فنحن نقرأ كلّ آية لوحدها دون أن نطرح‏على أنفسنا السؤال التالي وهو : ما هي صلة هذه الآية بما سبقها من الآيات ، وبماذا تهتم هذه السورة ، وما هو إطارها العام ؟ إلى درجة أن بعض العلماء ما يزالون يطرحون التساؤل التالي : هل هناك ارتباط وعلاقة بين الآيات القرآنية في‏السورة الواحدة ؟
وتوجد في الفقه نفس هذه المشكلة ؛ فمن المعروف عند الفقهاء أن هناك مجموعة كبيرة من التعاليم التي تصبّ كلّها في خانة واحدة هي خانة الصلاة ، وبناء على ذلك فإن القبلة ، والوضوء ، والتطهّر ، والمكان المباح ، والنيّة ، والأذكار وما إلى ذلك‏من واجبات وأركان تشكّل كلّها وحدة واحدة نطلق عليها اسم الصلاة . ولكن هل نعلم أنه ما ذكرت الصلاة في القرآن‏إلا وذكرت معها الزكاة ، فلماذا ـ إذن ـ نربط بين قراءة سورة الحمد في الصلاة والركوع ، ولا نربط بين الصلاة والزكاة ،مع أن القرآن ذكرهما معاً ؟
وعلى هذا ؛ فلابد من أن نكوّن في أذهاننا تصوّراً شاملاً للصلاة والزكاة معاً ولجميع العبادات بشكل عام ، وكذلك الحال‏ بالنسبة إلى الجانب التربوي ، والاجتماعي ، والاقتصادي .

أهداف التعاليم الاجتماعية في الإسلام‏

وإذا ما تعمّقنا في التعاليم الخاصة بالمجتمع الإسلامي نجد أن هذه المجموعة من التعاليم يُتوقّع تحقيق أهداف كثيرة ؛ منها أن‏يكون المجتمع الإسلامي متماسكاً أكثر فأكثر ، فهناك العديد من الفرائض والتعاليم والمستحبات تشكل كلها وحدة واحدة تدعونا إلى المزيد من التماسك في المجتمع الإسلامي ، وفيما يلي سأبيّن هذه التعاليم بشكل مختصر .
إن القرآن الكريم يأمرنا ببناء الأسرة ، لأنها تمثل الوحدة الاجتماعية الأولى في صرح المجتمع الإسلامي ، وبعد الأسرة يأمرنا بصلة الرحم ، والاهتمام بالجار ، والفقراء ، والمستضعفين ، والأيتام ، ويأمرنا باحترام الذين نتعلّم منهم ، والتواضع‏لمن نعلّمهم ، وبالتالي فإنّه يأمرنا بمجموعة من التعاليم يجمعها الإمام زين العابدين‏ عليه السلام في رسالته المعروفة بـ ( رسالة الحقوق‏ ) .
وجميع هذه الأوامر تؤدي إلى نتيجة واحدة ؛ هي إيجاد مزيد من التماسك في المجتمع الإسلامي ، ومن جهة أخرى ، فإن‏ الإسلام يريد أن ينشئ مجتمعاً متماسكاً حيوياً ؛ أي أن يكون من خصائص هذا المجتمع بذل المزيد من الحركة والنشاط كما كانت حالة هذا المجتمع في العصر الإسلامي الأول ، وإذا ما أردنا أن نعقد مقارنة بين مجتمعنا الآن وبين ذلك المجتمع ‏لوجدنا أن الفرق بينهما هائل يشبه إلى حد كبير الفرق بين المدينة الأثرية القديمة ، والمدنية الجديدة المتطوّرة!!
وبناء على ذلك فإننا لسنا بحاجة إلى عملية ترميم فحسب ، بل نحن بحاجة إلى بناء صرحٍ جديد في كل الحقول‏ والمجالات . فتعاليم الإسلام موجودة اليوم بيننا ، وكذلك في عهد الرسول ‏صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن شتّان بين تطبيقنا لهذه التعاليم ‏وبين تطبيق أصحاب الرسول‏ صلى الله عليه وآله وسلم لها .
لقد قدم النبي‏ صلى الله عليه وآله وسلم المدنية المنوّرة التي كانت لحين مجيئه قرية موبوأة متخلّفة ، يسيطر عليها التخلّف والجمود ، وما أن‏وطأت قدماه المباركتان هذه المدينة حتى دبّ فيها النشاط والحركة ، وإذا بمجتمعها يصبح حيوياً ، وإذا بالزراعة وحركة التجارة والاقتصاد تحيى ، وفي خلال سنين معدودة تحوّلت إلى مدينة حيويّة متطوّرة تُشع الحضارة إلى جميع أرجاء العالم ، وحتى اليوم فإننا نقتبس نور الحضارة من هذه المدينة التي بناها الرسول‏ صلى الله عليه وآله وسلم بيديه المباركتين .

الكلمة الطيّبة من دوافع الحضارة

إن الإسلام هو دين النشاط والحيوية ، ومن أهم تعاليمه في هذا المجال نشر الكلمة الطيبة ، فإن رأى الواحد منا صاحبه ‏يقوم بعمل حسن فعليه من خلال الكلمة الطيبة أن يشجّعه ، لأن هذه الكلمة ـ رغم بساطتها ـ من شأنها أن تترك ‏تأثيراً بالغاً في نفسيّة هذا الإنسان إلى درجة تجعله يندفع إلى العمل بصورة غريبة .
أما المجتمع المتخلّف ؛ فعلى العكس من ذلك تماماً ، فترى الكلمات السلبية المثبّطة منتشرة فيه ؛ فإذا ألفَ أحد ما كتاباً ونشره ، قالوا له : إنك نشرته رياءً ، وإن صعد الخطيب المنبر تراهم يبحثون في كلماته عن النقائص والعيوب لينشروها بين الآخرين . ففي بعض الأحيان لا يرى أحدنا الفضيلة ، والخير ، والعمل الصالح الذي يقوم به طرف من الأطراف ، بل‏تراه ينظر إلى السلبيات والأخطاء فحسب ، وهذه الظاهرة ناجمة عن جلوس أولئك المثيرين للسلبيات في زاوية من‏ الزوايا ليكتفوا بالحديث ضد العاملين في سبيل اللَّه سبحانه وتعالى . فهم لم يعملوا لكي يفهموا معنى العمل ، ولكي يعرفوا كيف يواجه العاملون التحديات والصعوبات ، والظروف المعاكسة ، بل إن قصارى جهدهم أن يسلّطوا الأضواء على‏ الأخطاء والسلبيّات ـ إن وجدت ـ ، وبسبب هذه الروح التثبيطية نرى أن عدد العاملين ينقص يوماً بعد آخر .
هذا في حين أن القرآن الكريم يقول : ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾ 3 . فالإسلام يوصينا بنشر الكلمة الطيبة ، ويأمرنا بالتواصي بعمل الخير ، وإشاعة الحسنة ، وينهانا عن إشاعة الفاحشة . . وكل ذلك ليكون المجتمع حيوياً ومتفاعلاً ، ولكي يتحوّل إلى مجتمع حضاري يبني‏صرح الحضارة الشامخ من خلال التحلّي بأخلاقيات المجتمع المتحضّر التي تقف في مقدّمتها النظرة الشمولية إلى الدين‏الإسلامي الحنيف ، واجتناب النظرة التجزيئية الضيّقة التي تعتبر سبباً رئيسياً من أسباب الجهل والتخلف ، والتي كانت‏وما زالت السبب الكامن وراء عدم فهمنا الصحيح للمفاهيم والتعاليم والأحكام الإسلامية ، وخصوصاً تلك المرتبطة ببناء المجتمع المتحضر ، الذي تسوده روح التضامن والتكافل والتعاون . . 4 .

  • 1. وسائل الشيعة : ‏1 / ‏149 .
  • 2. بحار الأنوار : ‏14 / ‏500 .
  • 3. القران الكريم: سورة ابراهيم (14)، الآية: 24، الصفحة: 258.
  • 4. كتاب : الحضارة الاسلامية ، آفاق و تطلعات ، الفصل الثاني : في السلوك الحضاري .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى