مقالات

التشويه المتعمّد…

نلاحظ أن نفس الخط الذي واجه السلطان محمد خدابنده والعلامة الحلي والمحقق الطوسي رحمهم الله ، واجه الحكم الصفوي ، وبنفس المنطق !
فلا فرق بين أن تقرأ لابن تغري وابن تيمية والذهبي في ذم السلطان ( خربندا ) كما يسمونه ، أو تقرأ للنهروالي في ذم الشاه إسماعيل !

فمنطقهم واحد وتهمهم مكررة ، فقد تواصوا به واتحدت دوافعهم وأهدافهم في تشويه نظامي حكم ، لمجرد أنهما تبنيا المذهب الشيعي !
كما لا فرق بين نقد الفرنجيين المعاصرين للشاه إسماعيل والصفويين ، ونقد القوميين العرب المتعصبين في عصرنا ! فقد قالوا :
أ ـ إن إيران كانت سنية فشيعها الشاه إسماعيل بالقوة !
ب ـ وقالوا إن الصفويين ليسوا سادة وليسوا من ذرية أهل البيت عليهم السلام .
ج ـ وقالوا إنهم شعوبيون هدفهم القومية الإيرانية ، وقد سخروا لها مذهب التشيع ، وقال بعضهم إنهم اخترعوا مذهب التشيع من أجل القومية الفارسية !
د ـ وقالوا إن الصفويين هم الذين اعتدوا وشنوا حرباً على دولة الخلافة الإسلامية العثمانية ، فشغلوها عن حربها مع البرتغاليين والغربيين !
وكلها تهمٌ ظالمةٌ لا سند لها في واقع الأحداث ، بل هي أكاذيب وقلبٌ لحقائق التاريخ ، وتغطيةٌ لجريمة السلاطين العثمانيين الذين صاروا ( خلفاء ) بعد شنهم الحرب على إيران ! هذه الحرب التي دفعهم إليها الغربيون لإيقاف تقدمهم في أوروبا ! وستعرف أن سفير ملك فرنسا رافق السلطان في عدوانه على إيران ، وأن السفير الآخر جاء إلى معسكر السلطان وهنأه بالنصر !

قوميون عرب متعصبون ضد الشيعة

أنت شيعي فأنت عجمي ، هذا ما يقوله لك السلفيون المتعصبون !
أنت شيعي فأنت فارسي ، قالها لي المفتش لكتب الحجاج في مطار جدة فقد وجد معي مجموعة مناسك يعني كتيبات أحكام الحج ، وبعضها باللغة الفارسية فصادرها ، فطلبت منه نسخة لأني أحتاجها في أحكام حجي ، فتكرم عليَّ بكتاب فارسي ، فقلت له : أعطني منسكاً عربياً فأنا أريده لي ! قال : ألستَ شيعياً ؟ قلت : بلى ، قال إذن أنت فارسي وتقرأ الفارسية !
قلت له : لماذا ؟! قال لأن الشخص لا يصير شيعياً حتى يصير فارسياً أولاً !
شرحت له خطأه وقلت له : يا أخي ، أنا من جنوب لبنان ويسمى جبل عامل باسم سكانه أبناء عاملة بن سبأ اليماني ، سكنوه بعد سيل العرم قبل الإسلام ، وأنا من منطقة صور التي ذكر التاريخ أن الإسكندر المقدوني عندما حاصر صور تجوَّل حولها في قانا وجُوَيَّا فوجد عرباً هم العامليون !
نحن عرب وشيعة من مطلع الإسلام ، ويسموننا شيعة أبي ذر رحمه الله ، وقد كنا شيعة مع أهل المدينة والعراق واليمن وكثير من قبائل العرب ، يوم كانت إيران تؤسس المذاهب السنية وتمتب مصادرها للخلافة العباسية !
لكن أبلغ المنطق لا ينفع مع متعصبين يكرهون الشيعة من أي قومية كانوا ؟!
ألا ترى الإعلام العربي جعل قبائل العراق العرب الأقحاح عجماً صفويين لأنهم شيعة ، وأصرَّ على ذلك وما زال ! وجعل الأتراك السنيين في بغداد عرباً أقحاحاً ، من قبيلة التُّروك النجدية ؟ بل جعل تركيا دولة عربية فدعا رئيسها الى مؤتمر القمة العربي ! أما رأيته في الخرطوم يخطب بالعربي كالبلبل ؟!
أما رأيت القائد القومي صداماً وحزبه يصفون الخطر الشيعي الفارسي على العراق والأمة العربية بأنه أشد من الخطر الإسرائيلي والغربي والشرقي ؟!
من أين جاء هذا المنطق إلا من التعصب ضد الشيعة العرب ، لمجرد أنهم شيعة ، والإصرار على تلبيسهم ثوب القومية الفارسية ، وبيعهم لإيران !

وهابيون ونواصب تبنوا منطق القوميين

في ربع القرن الأخير تمت المزاوجة والوحدة التامة بين البعثيين والوهابيين في جميع المواد الإعلامية ضد الشيعة ( الصفوين ) ! فصرت تقرأ نفس المواد ونفس الأفكار والنصوص في مواقع الطرفين في النت ، وتسمعها من وسائل إعلامهم ، وتراها نفسها مطبوعة في الجرائد والمجلات والكتب والكراريس والمنشورات ! كلها تقول إن الصفويين فُرْسٌ متآمرون مع الغرب واليهود على الإسلام ، وأعداء للعرب والمسلمين ، وإنهم اخترعوا مذهب التشيع من أجل ضرب الإسلام السني الذي هو الإسلام الصحيح فقط !
لقد صوروا الحاضر بما يتخيلون ، ثم أسقطوه على التاريخ وارتكبوا لذلك الكذب الواضح الفاضح ، كقولهم إن الشاه إسماعيل الصفوي هو الذي شن الحرب على خلافة بني عثمان جُق ، وشَغَلَهم عن حربهم مع البرتغال ! وستعرف بعض الحقائق المذهلة في بحثنا عن العثمانيين .

ثوريون قلدوا النواصب بغير علم

لاشك في وجود نقاط ضعف في سياسات الصفويين وشخصيات ملوكهم ، فهم من هذه الجهة كغيرهم من أصحاب مشاريع الدول الذين خاضوا حروباً وصراعات مع القريب والبعيد ، وكغيرهم من الملوك الذين حكموا المسلمين فظلموا وعدلوا ، وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً !
لكن ليس تقييمنا ولا تقييمهم من هذه الناحية ، بل من ناحية مذهبهم والخط العام لحركتهم . . فإلى هذا الفكر الستراتيجي يتوجه نقدهم ، وعنه يتوجه دفاعنا .

***

كان الشباب الإيراني المسلم يعيش تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي ، المتحالف مع الغرب وإسرائيل ، المعادي للتوجهات العربية والإسلامية ، وكان الشباب يناضلون مع علمائهم لإسقاط نظامه وإقامة حكم إسلامي ، فقيل لهم إن حكم الشاه مثل حكم الصفويين ، فكلهم يتوارثون الحكم عن أب وجدّ ، فصدقوا هذه المقولة وحملوها شعاراً في نضالهم بدون علم ولا دراسة للتاريخ!
وسافر بعضهم للدراسة في الغرب وسمعوا انتقاد الطلبة من بلاد عربية وإسلامية للشاه والصفويين ، فتناغموا معهم في ذلك وصدقوهم ، وحملوا أفكارهم وتهمهم للصفويين ، وسوَّقوها في إعلام الثورة الإسلامية وأدبياتها ، وخلطوا حكم الصفويين بحكم الشاه ، وسرى انتقادهم الى المفردات التي يرونها سلبية من المجتمع الإيراني باعتبارها مفردات صفوية ، وأكثروا تكرار ذم الصفوييين حتى كأن ذلك من شروط الثورية والتقدمية ، والتبرؤ من الرجعية !
ولم يعرف هؤلاء البسطاء أنهم جاؤوا ببضاعتهم من سوق النواصب والغربيين وأكاذيبهم ، وأخذوا يبيعونها في مجتمع الشيعة !
من باب المثال ، قالوا لهم إن السلطان سليم كان يمثل الخلافة الإسلامية العثمانية الشاملة للعالم الإسلامي ، والسلطان إسماعيل الصفوي كان يمثل القومية الإيرانية ومذهب التشيع ! فقبلوا منهم !
وهذا هو الإنهزام والجهل أمام كذب الخصوم ! فالسلطان سليم عندما هاجم إيران لم يكن خليفة ! بل كان سلطان قسم من تركيا وما ضموه اليها من مناطق البلقان وأوروبا الشرقية فقط . بينما كان السلطان إسماعيل سلطان إيران وما وراء النهر وقسم من القوقاز والعراق وساحل الخليج ، وكان حليفه السلطان قانصوه الغوري سلطان مصر وسوريا والحجاز وقسم من تركيا ، وكان السلطان الرسمي وعنده الخليفة العباسي . فلماذا يفترضون أنه كان يجب على السلطان إسماعيل أن يطيع العثمانيين ؟ ولا يفترضون في السلطان سليم أن يطيع السلطان الشرعي والخليفة الشرعي الساكن في مصر ، كما كان يفعل آباؤه وأجداده مدة قرون ؟
ولماذا يحق للسلطان سليم المغولي أن يشن حرباً على سلطان مصر في سوريا ويأسر الخليفة العباسي ويأتي به إلى بلده ويجبره على بيعته سلطاناً أو خليفة ، ولا يجوز للسلطان إسماعيل أن يعلن نفسه خليفة لكل المسلمين وهو قرشي علوي ، أشرف وأكرم من الخليفة العباسي ؟!
في اعتقادي أن هؤلاء الشباب المتحمسين لو قرؤوا مصادر التاريخ ، بالعربية أو بالفارسية ، أو بالفرنسية والإنكليزية ، لتغير رأيهم وعرفوا أنهم خدعوا خدعة كبيرة من كذابين مزورين للتاريخ ! والآن لم يفت الوقت ، فنحن بحاجة الى قراءة جديدة للتاريخ علمية ، لا سطحية مقلدة للوهابيون والقوميين المتعصبين !
وبهذه القراءة سنجد أن العثمانيين لم يكن لهم أرض في بلاد المسلمين إلا قسم من تركيا وساحلها ، فتوغلوا في أوروبا الشرقية ونجحوا وضموا إلى دولتهم أكثر بلادها ، ثم بدؤوا بالتوغل في أوربا الغربية وحقق بايزيد نجاحات باهرة ضد البلغار والمجر والإيطاليين ، فخافت أوروبا منه وتحرك الفرنسيون بنشاط وأقنعوا ابنه سليم بالثورة على أبيه وقتله ، وإيقاف التوغل العثماني في أوروبا والتوجه إلى شيعة الأناضول وديار بكر ، ثم إلى إيران ، ثم إلى سوريا ومصر ! فنفذ سليم خطتهم بالكامل وأعطى فرنسا امتيازات في كل بلاده لم تكن تحلم بها أبداً ، كما ستعرف !

***

كذلك أدعو هؤلاء الشباب إلى قراءة التشيع بعمق من مصادره ، وترك السطحية والشعارات الخداعة ، فما معنى تقسيم التشيع إلى تشيع علوي وتشيع صفوي ؟
إنه شعار ودعوى كبيرة محشوة بالإبهام الغموض ، ولذلك كان أول ما تحتاجه أن يفسر صاحبها مقصوده منها ؟
يقول إن التشيع العلوي هو الإسلام المحمدي الصافي ، وهو ثورة دائماً ، والتشيع الصفوي تشيعٌ دولة يدعو إلى طاعتها !
أقول : ما دام التشيع هو الإسلام ، فهل يعقل أن ينزل الله تعالى ديناً يقتصر فيه على الأمر بالثورة وهدم الباطل ، بدون الأمر ببناء البديل الحق ؟
وبماذا تصف ثورة الصفويين على الباطل ، أليس تشيعاً علوياً ؟ وبماذا تصف عملية البناء التي تدعو إليها أنت بعد هدم الباطل فهل هي عمل صفوي وليس علوياً ؟
إنها لغةٌ هلاميةٌ ضبابيةٌ ، يستعملها أصحابها هرباً من المنهج العلمي ، فيختار أحدهم ألفاظاً ذات أبعاد شعارية تهويلية ، ومنها مقولاتهم :
التشيّع العلوي تشيّع تقية المناضل ، والتشيّع الصفوي تشيّع الخامل !
التشيع العلوي تشيع الإجتهاد والإنفتاح ، والصفوي تشيع الجمود والانغلاق !
التشيّع العلوي الرجوع إلى العالم المتخصص ، والصفوي هو الطاعة العمياء !
التشيّع العلوي تشيّع الإنسانية ، أما التشيّع الصفوي فتشيّع القومية !
التشيع العلوي تشيّع ثورة كربلاء ، والتشيّع الصفوي تشيّع مصيبة كربلاء !
التشيّع العلوي تشيّع الوحدة ، أما التشيّع الصفوي فهو تشيّع الفرقة !
التشيّع العلوي تشيّع التوحيد ، أما التشيّع الصفوي فهو تشيّع الشرك !
التشيّع العلوي تشيّع السنة ، أما التشيّع الصفوي فهو تشيّع البدعة !
التشيع العلوي يقارع الظالمين ، والتشيع الصفوي يخدم الظالمين .
التشيّع العلوي تشيع الإنتظار الإيجابي ، والتشيع الصفوي الإنتظار السلبي .
الى آخر التعابير التي اخترعها مؤلف الكتاب كالتسنن الأموي والمحمدي !

***

وجاء الدكتور سروش وهو من الحداثويين المغرمين بالغرب وبفرنسا خاصة ، فأمعن في أفكار شريعتي وأبحر في ضبابيتها ، وصعَّد حملته على التشيع الصفوي والإسلام الصفوي ، ودعا الى إسلام في إيران بدون أن يقلد الناس الفقهاء ! ومعناه أنه يدعو الناس لأن يقلدوه هو ! لأن الرجوع إلى المتخصصين ضرورة حياتية .

***

كما طرح القراءات المتعددة للإسلام ، التي يطرحها المستشرقون الفرنسيون وتلاميذهم ، وهي دعوة تبدأ بنقد الوضع الحاضر ، وتدعو إلى فتح باب الإجتهاد وتقبل الفهوم المختلفة ، لتصل إلى تخريب ألفاظ النص الإسلامي وجعلها مفتوحة لأعمال الشيطنة في التحريف باسم التفسير .

***

ثم طرح عبد الكريم سروش أفكار الغربيين وبعض المتصوفة الذين يدعون الى عدم التقيد بأي دين ولا شرع ، في مقولته التي سماها ( الصراطات المستقيمة ) وهي تعني أن كل الطرق السماوية والأرضية تؤدي إلى الله تعالى !
هذا ، وهو يقول إنه مسلم متضلع في الإسلام ، يؤمن بقوله تعالى :﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ 1.
ومعناه أنه يعرف اللغة العربية ، وأن الله العليم الحكيم عز وجل اختار للإسلام إسم ( الصراط ) وهو لفظ مفرد لا جمع له ، واختار لما قابله إسم ( السُّبُل ) وهو جمع سبيل !
لكن هذا المثقف الحداثوي يقول إن الله تعالى أفرد صراط الهدى بإسمٍ لا جمع له ولكني أنا أجمعه ، فأقول : ( صراطات الهدى ) ! فماذا تقول لشخص يدعي تديناً وفهماً وهو يقول : قال الله ولكني أقول !
على أني أشك في فهم العرب الحداثويين للغة العربية ، فكيف بغيرهم من الإيرانيين والأتراك والفرنسيين ؟! ومن طريف معرفتهم بالعربية ما قاله الرئيس الإيراني السابق الدكتور بني صدر وكان يخطب في قم فقال : إذا وصلت إلى نقطة لا تعرف فيها ماذا تفعل فلا تقف ، بل واصل سعيك وجاهد ، قال الله تعالى : ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ … ﴾ 2!! ثم أخذ يطبق الآية على فكرته !!
ولهذا التخليط بدون علم وصل الدكتور سروش من ( الصراطات المستقيمة ) إلى إنكار بديهيات الوحي باسم الحداثة والعلم ! وهذه نتيجة من يقلد الفرنسيين بدون أن يقرأ الإسلام من مصادره ولغته ، إلا بعض كتابات حداثويين فرنسيين !

***

لا يتسع المجال هنا للإفاضة في هذا الموضوع ، لكن ينبغي أن نشير إلى جماعة أسسها المستشرقون الفرنسيون هي ( الجماعة الحداثوية ) وقد حاولوا أن يعطوها صفة الفكر والمنهج فقالوا : الفكر الحداثوي والمنهج الحداثوي ، وربَّوْا عليها تلاميذ وأطلقوهم في بلادنا باسم الحداثويين المجددين للثقافة والفكر الإسلامي ، وهم حفاة من العلم والفكر ، لم يقرؤوا الإسلام من مصادره ، ولا فهموا اللغة العربية .
لا أريد القول إن الدكتور شريعتي منهم ، لكنه دون شك متأثر بهم ، ومن أبرزهم في عصرنا الدكتور محمد أركون ، وهو جزائري فرنسي كثير الكلام بدون طائل ، ينتقد الإسلام والقرآن باسم الفكر الحداثوي ، ومن مؤلفاته مثلاً ( أنسنة الإسلام ) ومعناه أن الإسلام دين بدوي وحشي ، فحضرته يدعو إلى تفسير قرآنه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله بتفسير يجعلها إنسانية ! وهو في العمق كأساتذته ومربيه لا يؤمن بالنبي صلى الله عليه وآله ولا بالوحي والقرآن ، لكنه يغطي ذلك ويتستر بأنه يدعو إلى قراءات متعددة للإسلام لخدمة الإسلام ! وقد اقتدى به الدكتور سروش إلى حد كبير مع الأسف !
ومشكلة هؤلاء الحداثويين أنهم أصحاب هدف سياسي بثوب علمي ! ولذلك يصرون على استعمال ألفاظ مبهمة غير محددة ، وهو أسلوب خداع علمي !
وقد ناقشت بعضهم في شبكات النت ودعوت بعضهم للمناظرة فتهرب ، وكتبت في نقد فراغهم العلمي ولغتهم التحريفية ! وأكتفي هنا بكلمات حول هذه النقطة :
إن اللغة الفكرية والثقافية أمر مهم يميز الفكر كما يميز الشخصية ، لذلك كانت اللغة التي يتكلم بها نبي الإسلام وأئمته صلوات الله عليهم والتي يكتب بها علماء الإسلام ودعاته . . لغةً فصيحة محددة لها قوانينها وأنظمتها في اختيار ألفاظها وتراكيبها ولها منطقها العام المشترك مع لغات العالم ، ومنطقها الخاص في كل علم ومجال !
لقد اهتم الله تعالى باللغة حتى أنه ربى اللغة العربية قروناً حتى تكاملت فأنزل بها كتابه ووحيه . وقد تعمق علماؤنا في بحث نظام استعمال الألفاظ والدلالات وقوانين التخاطب والبحث و الإستدلال ، حتى كان قسم مباحث الألفاظ من علم أصول الفقه عندهم من أعمق الأبحاث في العالم !
لكن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم ( حداثويين ) يتركون كل قوانين اللغات ومنطق التخاطب ، ويصرون على استعمال ألفاظ وتراكيب جديدة ، لأنهم بحاجة لأن يكتبوا مبهماً في مبهم ! وقال كل شئ ولم يقل شيئاً ! وكفر ولم يكفر ! وآمن ولم يؤمن !
إنهم لا يريدون الإعتراف بوجود لغة ذات أنظمة معينة في الفقه والعقيدة والفكر الإسلامي كما في الطب والهندسة وكل العلوم ! ويصرون على أن يأخذوا من يناقشهم الى وادي لغة مطاطة مشوهة التكوين والنمط ، خالية من الأصالة والوضوح والدقة في تحديد الأفكار والمسائل والقضايا ، لا يفهمها حتى من يتكلم بها !
إن كبارهم ليسوا أكثر من مدعي علم ، فقد بلغ من ابتذال الدكتور أركون وادعائه الكاذب أنه : ( دعي الى المشاركة في برنامج أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية في باريس سنة 1989 م ، للحديث عن الأصول الإسلامية لحقوق الإنسان ، وبعد أن أنهى محاضرته ، انبرى له المستشرق الفرنسي أرنالديز ، الذي وصفه المترجم هاشم صالح لكتاب ( الفكر الإسلامي نقد واجتهاد لأركون ) بأنه المختص الوحيد في الإسلاميات ضمن الموجودين ، فقال موجهاً كلامه لأركون : ( سأدافع ولو للحظة عن كل أولئك الفقهاء والعلماء والمفسرين الذين طالما درستهم وعاشرت نصوصهم! سوف أذكِّر محمد أركون بأن هؤلاء الفقهاء كانوا نشطين جداً ، وأنهم حرّكوا النصوص القرآنية ، وأنعشوها بتفاسيرهم إلى درجة أنه يصعب علينا اليوم ، حتى باسم العلوم الإنسانية العزيزة جداً عليك يا سيد أركون ، أن نجد فيها شيئاً آخر جديداً غير الذي وجدوه ) 3 .

وأخيراً ، فقد حمل السلفيون قميص الدكتور شريعتي ، وروجوا لمقولة التشيع الصفوي وطبلوا فيها في كتبهم ومنشوراتهم المعادية للتشيع ، حتى أوصلوها الى مقولة : التشيع العلوي يتولى عمر بن الخطاب ويحبه ، والتشيع الصفوي يتبرأ من عمر ! ووجدوا من القوميين ( الشيعة ) شخصاً يتحدث عن نظرية التشيع العلوي والعجمي المزعومة في قناة المستقلة المعروفة بعدائها للشيعة ، ويؤلف لهم كتاباً يروج به لهذه المقولة ن ويصفق له الوهابيون !
وكلها محاولات يائسة لتصنيف الشيعة الى أصناف وأقسام وهمية ، لعلهم يجدون منهم إمعات تتبعهم أو تتأثر بهم ، وتسوِّق بعض أفكارهم !

المشروع الصفوي كان مشروع خلافة علوية

توجد مجموعة مؤشرات تدل على أن مشروع الصفويين رحمهم الله ، كان مشروع إقامة خلافة إسلامية علوية بدل الخلافة العباسية ، فمن المؤكد أن الإتصالات بين الشاه إسماعيل والسلطان قانصوه الغوري وصلت الى اتفاق على التعاون ضد العثمانيين ، وقد سجلت مصادر العثمانيين أنه في الوقت الذي كان السلطان سليم يستعد لغزو إيران ويجمع الجنود والمدافع الغربية ، ويطبق سياسة إبادة الشيعة في الأناضول وديار بكر ، أرسل له الغوري سفيراً خاصاً ينصحه أن لا يفعل ، فغضب سليم وأهان رسول الغوري كما سيأتي !
وتذكر مصادر الخلافة أن السلطان الغوري أصدر أمره الى الإمارت التي تحت حكمه في تركيا وسوريا ، كمرعش وحلب ، أن تمنع عبور قوات السلطان سليم الى إيران ، فغيَّر سليم طريق جيشه ، وأن الغوري ساعد الشاه إسماعيل مساعدة مؤثرة بعد سقوط تبريز فقطع عن جيش سليم إمدادات المؤونة ، فاضطر أن يغادر تبريز بعد أسبوع من دخولها . وهذا يدل على وجود تحالف قوي بين مصر وإيران ، ولا يبعد أن يكون في نية قانصوه أن يعلن في الوقت المناسب خلع الخليفة العباسي ومبايعة الخليفة العلوي إسماعيل الصفوي . ومن الطبيعي أن يكون الفرنسيون اطلعوا على هذه الإتصالات والمعاهدات ، فسارعوا بتدبير الغقلاب لسليم لإفشال خطة الشاه إسماعيل .
وقد شاء الله تعالى أن لا يتم مشروع السلطان إسماعيل لحكمة يعلمها سبحانه فسرعان ما قتل حليفه المهم السلطان قانصوه الغوري ، الذي كان سياسياً ماهراً حيث نجح في حكم مصر وتوابعها لمدة ربع قرن ، لكنه بسبب شجاعته أخطأ وأسرع بالمجئ الى الشام وخاض بنفسه المعركة مع السلطان سليم فقتل فيها وانفرط جيشه ، وانفرط نظام حكم المماليك في مصر ! فبادر سليم الى احتلالها وإعلان الخلافة العثمانية وريثةً للخلافة العباسية والسلطنة الشركسية !
على أن فقهاء الشيعة لم يكونوا ليوافقوا الشاه إسماعيل على إعلان نفسه خليفة ، لأنهم لا يؤمنون بنظام الخلافة من أساسه ، ويقبلون بنظام السلاطين إذا عمل بتوجيه الفقهاء .

***

ملاحظات حول الصفويين

1 ـ الأمر الأول الصحيح في الحركة الصفوية : هو خطها العام ( استراتيجيتها ) في تشكيل دولة تحفظ مصلحة الشعب الإيراني وتخلصه من الإستعمار المغولي والتركي أو غيرهما ، فهذا حق طبيعي لكل شعب ، أن يمنع عنه تسلط الآخرين وظلمهم .
2 ـ والأمر الثاني : أن من حق أتباع أي مذهب أن يحموا أنفسهم من القتل والإبادة ، وسياسة القتل والإبادة كانت وما زالت مطروحة ضد الشيعة ، فقد كان يدعو لها علناً وينفذها أعداء الشيعة ، وهو أتباع بني أمية الذين يظهرون التأسف والحسرة لسقوط الخلافة العباسية ، ويحملون مسؤولية ذلك للشيعة ويتهمونهم بأنهم جاؤوا بالمغول وأسقطوا الخلافة ! وكانت الشام مركز التنظير لذلك ، ثم مصر في ظل حكم المماليك ، ثم صار مركزها تركيا في ظل حكم بني عثمان . فطالما استبيحت دماء الشيعة وأموالهم وبلادهم لمجرد أنهم شيعة ! وقد ألف علماؤنا كتباً في سيرة علماء الشيعة الذين قتلهم أتباع بني أمية لمجرد كونهم شيعة ، منها كتاب ( شهداء الفضيلة ) للعلامة الأميني قدس سره .وفي هذا الجو لا يمكن إلا أن نعطي الحق للشيعة الإيرانيين أن يشكلوا دولتهم المستقلة!
3 ـ والأمر الثالث : أن الشعوب الإسلامية تحركت بعد انهيار المغول لتشكيل دولها ، وكان لمصر وتركيا وإيران طموحٌ أن تشمل دولتها العالم الإسلامي ، فلماذا نعطي حق الطموح لمماليك مصر وبني عثمان تركيا ، ولا نعطيه لصفويي إيران ؟! فهل الشراكسة والعثمانيون خير منهم ؟
إذا كان المقياس العدل والظلم فالكل سواء ولا نعرف أياً منهم أظلم من أيّ !
وإن كان النسب فلماذا يكون الشركسي مجهول النسب ، أو بنو عثمان جُق المغول 4 أفضل من الصفويين وهم من ذرية النبي صلى الله عليه وآله ؟ولماذا يكون لمصر وتركيا حق قيادة الأمة دون إيران ؟
وإن كان المقياس المذهب فلماذا نفضل من يجعل ولاية أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ديناً يمتحن بها المسلمين ويقتلهم عليها ، على الذي يجعل ولاية علي وأهل البيت عليهم السلام ديناً يمتحن المسلمين بها ويقتلهم عليها ؟
4 ـ التعددية في هذه الأمة ضرورةٌ ونعمةٌ حتى يظهر الإمام المهدي عجل الله فرجه ، وقد حققت ذلك حركة الصفويين ، وما الضرر أن تتشكل الأمة في خلافة عثمانية ، والى جانبها دولة صفوية ؟ بل إن التعددية داخل المذهب الواحد نعمة أيضاً فقد قال الإمام الصادق عليه السلام ( أنا أوقعت الإختلاف بينكم كي لا تعرفوا فتؤخذوا ) 5 .
5 ـ ما زال أتباع الخلافة يتغنون ببغداد المنصور والرشيد والمتوكل ، وكأنه لا خَبَرَ عندهم بأن بغداد قد طلقت الخلافة بالثلاث ولم تتأسف عليها ؟! وذلك من يوم قال خليفتها السكران : آه قتل سهم المغول راقصتي فكثفوا الستائر !!
كانت بغداد تشاهد بكاء النواصب في الشام ومصر على الخلافة ، فتضحك عليهم ! وعندما انهار الحكم المغولي فيها بموت آخر سلاطينهم بو سعيد ، لم يرفع حتى شخص واحد في بغداد شعار عودة الخلافة ، حتى العباسيين أنفسهم لم يرفع أحد منهم صوته ، وكان الحرية متوفرة ، وكان لهم نقابة ببغداد !
كان مطلب أهل بغداد نمط حكم الجوينيين في الحرية والإعمار ، ووجدوا أن الإيلخانيين المغول يطبقونه أفضل من غيرهم فاختاروهم لأكثر من مئة سنة !
وعندما الأمر بغداد يدور بين حكم مماليك مصر وحكم بني جُق العثمانيين وحكم الصفويين ، اختارت بغداد حكم الصفويين لأنهم أقرب الى نمط حكم الجوينيين ! وقد رأيت كيف استقبل البغداديون فرقة القزلباش فاضطر حاكمها للهرب خوفاً من أن يسلمه ( حراسه ) الى الشاه إسماعيل الصفوي !
6 ـ يلاحظ الباحث أن الحكام أصحاب مشاريع الدولة الكبيرة ، إخوة في الظلم ، أشقاء لأب وأم ، ففيهم أسوأ من بعضهم ، وليس فيهم أحسن! وفي هذا المجال لايمكننا أن نغمض عن القتل الذي ارتكبه الشاه إسماعيل ، وأكثره غير شرعي ! وإذا ارتكب أحد قتل النفس المحترمة ظلماً ، هان عليه غيره !
7 ـ إلى زمن الصفويين كان الفرق بين الحكم الشيعي وحكم الخلافة ثلاثة أمور : الحرية المذهبية ، وتبني سياسة الإعمار ، وسياسة تشجيع العلم والثقافة .
وعندما عامل الحكم الصفوي العثمانيين بالمثل ولو جزئياً وسجل التاريخ حالات اضطهاد مذهبي منهم ، فقد النظام ميزة تبني الحرية المذهبية ، لكنه بقي متصفاً بميزتي الإعمار ، وتشجيع العلم والثقافة .
8 ـ كان مطلب الشيعة عبر التاريخ وما زال : نيْل حريتهم في العقيدة والتعبير عنها وممارستها ، فهم يقاومون الإجبار والإكراه ، كما لا يجبرون أحداً على مذهبهم ، وقد وثقنا تطبيق الحكام المغول الشيعة لتوجيهات نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي ، في الحرية المذهبية والإعمار وتشجيع الثقافة .
لكن الشاه إسماعيل تأثر بمعاصره السلطان سليم وشكل سابقة في التاريخ الشيعي في إجبار بعض الناس على مذهب أهل البيت عليهم السلام ! وكون سياسته جواباً على سياسة العثمانيين ، لا يجعلها مبررة .
9 ـ يعتبر اختراع السيد حيدر والد الشاه إسماعيل للقبَّعة الشيعية لجيشه ومريديه ، ابتكاراً إعلامياً ذكياً ، وتعبئةً معنوية لجنوده بأنهم ينتمون إلى أهل البيت عليهم السلام ويقاتلون من أجل قضيتهم . ولم يسجل التاريخ حالة رفض في الناس للقبعة الشيعية ، وهو يكشف أن التشيع كان واسعاً في إيران ومقبولاً عند عامة الناس ، خاصة في قبائل الأتراك .
10 ـ الحركة الصفوية فعل طبيعي ، فهي بالمنطق الوطني حركة زعيم شعبي لتوحيد بلد تشتت بفعل الحكم المغولي ، فنهض مع أنصاره ليوحده .
بينما الحركة العثمانية كما ستعرف حركة من قائد مغولي كان جندياً عند السلاجقة ، وكوَّن جيشاً من المماليك المحترفين والأسرى ( الإنكشارية ) من غير أهل البلد ، وأخذ يحتل مناطق ويحكمها ، ولم تشاركه في حركته أي قبيلة أو جماعة من قبائل البلد !
هذا ، ولا يتسع المجال لدراسة تاريخ الصفويين ، وغرضنا إثبات صحة المسار العام لتأسيس دولتهم وعملها ، وأصالة حركتهم بصفتها نتيجةً طبيعية لموجة التشيع التي شهدتها الأمة بتخطيط نصير الدين والعلامة رضوان الله عليهما ، وفعلاً طبيعياً لتوحيد إيران في دولة بعد أن شتتها المغول . وستعرف المزيد عنهم في الحديث عن الدولة التركية .
قال السيد الأمين في أعيان الشيعة : 2 / 114 : ( والصفوي نسبة إلى الشيخ صفي الدين إسحق جدهم المذكور ، وظهرت دولتهم بعد وفاة حسن الطويل ملك تبريز ، وهم من أهل أردبيل وكانت مدة ملكهم 233 سنة من سنة 906 إلى سنة 1139 ، وعدة ملوكهم عشرة أولهم الشاه إسماعيل بن حيدر ، ولم يكن آباؤه من السلاطين ، لكنهم كانوا من مشائخ الصوفية والعرفاء فلقبوا بلقب بسلطان لذلك ، وآخرهم الشاه طهماسب الثاني بن الشاه حسين . وارتقت في عهدهم الدولة واتسعت المملكة ، وكانوا معظمين لأهل العلم والدين فكثرت في عهدهم العلماء ، وألفت الكتب ونسخت المخطوطات النفيسة من كتب الإسلام ، وانتقلت الدولة منهم إلى نادر شاه ) 6 .

  • 1. القران الكريم: سورة الأنعام (6)، الآية: 153، الصفحة: 149.
  • 2. القران الكريم: سورة الإسراء (17)، الآية: 36، الصفحة: 285.
  • 3. من شبكة ملتقى البحرين .
  • 4. شذرات : 3 / 68 .
  • 5. جواهر الكلام : 7 / 63 ، وفي الفوائد الحائرية / 356 : إذ لو كانوا على طريقة واحدة لعرفوا وأخذوا .
  • 6. كيف رد الشيعة غزو المغول ( دراسة لدور المرجعين نصير الدين طوسي و العلامة الحلي في رد الغزو المغولي ) ، العلامة الشيخ علي الكوراني العاملي ، مركز الثقافي للعلامة الحلي رحمه الله ، الطبعة الأولى ، سنة 1426 ، ص 445 ـ 461 .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى