التعليممقالات

الاختلاف سنة كونية وارادة الهية…

ماذا يعني أن يكون الإنسان مختلفاً عن أخيه الانسان؟ ماذا يعني أن يكون مختلفاً عنه في الدين، في الثقافة، في التقاليد، في الشكل واللون، في انتمائه القومي أو الجغرافي أو السياسي. وماذا يعني أن يكون مختلفاً عنه في وعيه وادراكه وميوله وطبائعه وفي صوغ نمط عيشه اتصالاً بمجتمعه وبيئته أو انقطاعاً عنهما. وهل يلزم من الاختلاف الحر المشكّل ضمن لوحة الكون والخارجة عن إرادة الانسان نفسه حرية في الاختلاف؟

من هذه التساؤلات المتداولة بصيغ متنوعة تسوق المرء رغبة في مقاربة مسألة الاختلاف الحر أو حرية الاختلاف تحصيلاً لخيط نور خلف أفق هذا العالم المعتم التي تضيق فيه المساحات وتغلق فيه المنافذ، وتزيد حدة الخناق على حرية التعبير وحرية التفكير وحرية الاجتهاد، وترتفع فيه المتاريس الدينية والقومية والسياسية في تصور جامح في صوغ حياة جماعة أو أمة أو عالم متكامل وفقاً لمعتقدات من ُينظّر لهذه الطروحات من الذين ليس لهم من أهداف عملهم إلا أن يُملوا ما يعتقدون به على مجتمع برمته، أو أمة بأسرها، أو عالم بجموع أصوله البشرية. ونصبح حينها أمام مجتمع بلون واحد، وأمة بلون واحد، وعالم بلون واحد. الانسان فيهم مثل الجماد، مثل التضاريس الرافضة للتغيير. اللغة والثقافة متشابهة، وأنماط العيش تسير على نسق رتيب ومتواتر، والصور المستنسخة من علائم الحياة الجديدة.
ما يقوله القرآن الكريم أن الاختلاف سنة كونية، إرادة إلهية في الطبيعة والبشر، وهي سنة لا يوجد لها تبديل أو تحويل مضافاٌ الى أن أئمة الهدى من أهل البيت(ع) يقولون: “إن الله قضى الاختلاف على خلقه وكان أمراً قد قضاه في علمه كما قضى على الأمم من قبل”. هذا الفهم بوضوحه يثبت أولاً حقيقة الاختلاف كسنة إلهية في كل مظاهر الحياة بما فيها الوجود الانساني، وثانياً يدحض أن يكون الاختلاف قيمة سلبية أو وجهاً من وجوه التصدع في لوحة الكون، بل على العكس تماماً فإن الاختلاف لا يعدو الا أن يكون مظهراً من مظاهرالجمال والكمال والجلال والإبهار، وصوغاً لمشيئة الله حين تكون الاختلافات والتنوع في الخلائق والكائنات طريقاً لمعرفته عز وجل.
أما الحرية في الاختلاف فهي مودعة في عقل الانسان وفي روحه واحساسه منذ وجوده على هذه البسيطة. وهي حرية الاختيار التي بها يعرف الانسان من غيره من المخلوقات والكائنات. ولعل قصة أولاد آدم تلخص جوهر هذه الحقيقة، حقيقة الاختلاف والاختيار الحر، وفي أن يتخذ الانسان المسار الذي يرتأيه ويقتنع بجدواه ومدى ملائمته لشخصه. وهذا لا يعني أبداٌ أن الله يريد للانسان ان يسلك مسلكاً فيه الضرر والخسران في الدنيا والآخرة.
بل إن مضمون ما حصل بين أولاد آدم “قابيل وهابيل” يجسد بقوة الحرية المعطاة من الله للانسان في الاختلاف والاختيار. على أن الانسان نفسه هو الذي يتحمل وحده مسؤولية المسار والنهج الذي يسلكه. ونحن في هذا الكلام لا نناقش مبدأ المسؤولية والالتزام الذين يفترض بالانسان التحلي بهما، وهذا موضوع له بحثه وإطاره، بل نؤكد هنا على محورية الاختلاف في هيكل الانسان وأساسيات تشكله.
ومتى عدنا الى الواقع سيترآى لنا حجم التنازع والاحتراب في هذا العالم لفرض أشكال محددة ونمطية في الدين والفكر والثقافة والسياسة، وانحسار التوجهات الداعية الى حماية التنوع والترويج للتعددية في كل أوجه الحياة. فمثلاً في الدين تكثر الخطابات الإقصائية والإلغائية ولغة التكفير. وتتبارى جماعات دينية في مدى جذريتها وأصالتها؟ بتأهبها لضرب الجماعات الأخرى وإنكار وتسفيه معتقداتها، ونظامها لا يتقوم ولا يستوي على التمذهب الحقيقي والخالص إلا على محق الآخر. فيما تذهب أدبيات وقيم أساسية في الدين الاسلامي، مثلاً، أدراج الرياح ويصبح الايمان بنصوص القرآن جزئياً ووفق المقتضى والحاجة.
فآية قرآنية كآية ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ 1، وأخرى كآية ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ … ﴾ 2 آيات منسوخة ولا فعلية لها أو جدوى من إعادة اجترارها في زمنٍ التطرف فيه قمة الاعتدال!!.ٍ
وفي السياسة، التوجه العام هو تكريس مبدأ القطبية الأحادية بما ينطوي عليه من هيمنة ونفوذ واستقطاب، وخلق واقع دولي جديد تذوب فيه الهويات المحلية والإرادات المحلية، بحيث تصبح الدول بلا وظيفة أو دور أو فرادة في أي شأن من شؤون التطور الحضاري والانساني أو العلاقات الدولية.
في كل حال فإن الدلائل المشهودة، في عالمنا الذي نعيشه، لا تبشر إلا بالخوف والقلق وانفجار النزاعات على أساس مصلحي وعرقي وديني بأشكاله المذهبية والطائفية. ومعنى هذا أن الاختلاف والتعدد والتنوع لا يزال يفهم على أنه مورد للاحتراب والقتال والتنابذ. ولم يرقى الوعي الى مستوى اعتبار الإختلاف أو التنوع قيمة حضارية وإنسانية ودليل سمو ورقي.
من هنا لا بد من القول أن التمذهب الأعمى في الدين، والتعصب البغيض في الدين، ليس إلا شذوذاً وانحرافاً في الموقف تجاه الدين نفسه، ونظرة سلبية للمذاهب التي هي في الأساس طرق لفهم الدين، وليست انتساباً مغلقاً على نظام لا يجد لمقارعة خصومه إلا القتل والنبذ. وإذا كانت قد ازدادت في الأعوام الأخيرة مشاعر الطائفية والمذهبية بفعل التوترات السياسية الخطيرة فإن على أتباع الأديان الذين يملكون الوعي والايمان المجرد عن الأهواء والعصبيات والمصالح، أن يصونوا الاختلاف والتنوع وحرية الفكر والاجتهاد والاختيار، وأن يرفضوا كل تمييز على أساس ديني أو عرقي أو اجتماعي. وأن الاختلاف في الألسن والألوان كالاختلاف بين الليل والنهار والسموات والأرض، فهذه وتلك قاعدة تكوينية والانسان لم يشذ عن هذه القاعدة، لذلك قال تعالى﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ 3.
ماذا يعني أن يكون الانسان مختلفاً عن أخيه الانسان، يعني أن يكون حراً في اختياره وفي موقفه وسلوكه، وحراً في فكره وسعيه، وحراً في انتسابه وولائه وانتمائه، سواء لمجموعة سياسية أو دينية، وحراً في ابراز ثقافته ومزاولة عاداته. فأهلية الانسان للحياة وتشكله وتفتحه مستمدة من الاختلاف الحر والحرية في الاختلاف4.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى