مقالات

ولادة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف

ضيّق الخلفاء العبّاسيّين على الإمامين الهمامين الهادي والعسكري عليهما‌ السلام ، وبذلوا جهوداً كبيرة لمنع ولادة الإمام المهدي عليه‌ السلام ، فسجنوا الإمام العسكري عليه‌ السلام غير مرّة ، حيث قضى أكثر أيّام إمامته في سجن الخلفاء العبّاسيّين.
وقاموا بمؤامرات خطرة ضدّ الإمام ، ولكنّ الظروف الطارئة كانت تمنعهم من قتله عليه‌ السلام ، ولقد أشار الإمام في بعض كلماته إلى هذه المضايقات قائلاً : « زعم الظلمة أنّهم يقتلونني ، ويقطعوا هذا النسل » (١) ، ولكن أبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره المشركون.
حتّي ولد الإمام المهدي عليه‌ السلام في نصف من شعبان سنة ٢٥٥ ه‍.ق (٢) في ظروف صعبة وحسّاسة للغاية.
أخبر النبيّ عن هذا المولود وعن إسمه وكنيته ، فقال : « إسمه إسمي ، وكنيته كنيتي » (٣) .
لقّب الإمام المهدي عليه‌ السلام بـ : بقيّة الله ، حجّة الله ، وقائم آل محمّد عليهم‌ السلام.

 وقد أخفى الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام ولادة عن أعين الحكّام لأجل الحفاظ على حياة ولده عليه‌ السلام. وكان يحضره أحياناً في بعض لقاءاته ليزيل الشبهة عنه ، وكان الإمام المهدي عليه‌ السلام يتحدّث بأمر من والده حتّى يتعرّف الشيعة عليه.

يعتقد كلّ علماء الشيعة ـ وكثير من أعلام السنّة ـ أنّ الإمام المهدي عليه‌ السلام قد ولد وهو حيّ وغائب ، وأنّ هذه الغيبة قد بدأت بعد استشهاد أبيه العسكري عليه‌السلام سنة ٢٦٠ ه‍ ، وهي مستمرّة إلى الآن.
وإليك بعض الأسئلة حول ولادته عليه‌ السلام :

السؤال السادس : ما هو رأي السنّة في ولادة المهدي عليه‌ السلام ؟

الجواب : يوجد خلاف بين السنّة ، فبعضهم يرى رأي الشيعة ، حيث يقولون : إنّ الإمام المهدي عليه‌ السلام قد ولد في سامراء سنة ٢٥٥ هجريّة ، وليس عددهم بالقليل.
ولا يسعنا أيضاً ذكر أسماءهم وأقوالهم في هذا المختصر ، ولكن نشير إلى كلمات بعضهم :
١ ـ يقول ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمّة :
« ولد أبوالقاسم محمّد بن الحجّة بن الحسن الخالص بسرّ من رأى ، ليلة النصف من شعبان ، سنة ٢٥٥ هجريّة » (٤).
وقال أيضاً عن سبب أمر ولادته عن النّاس :
« خلف أبو محمّد الحسن من الوالد إبنه الحجّة القائم المنتظر لدولة الحقّ ، وكان أخفى مولده ، وستر أمره لصعوبة الوقت ، وخوف السلطان ، وتطلبه الشيعة ، وحبسهم والقبض عليهم » (٥).
٢ ـ كتب الكنجي الشافعي في البيان في أخبار صاحب الزمان بعد أن اعتقد بولادة المهدي عليه‌ السلام ، وأجاب على شبهات منكري بقائه هذه المدّة الطويلة ، وردّهم بأدلّة بليغة ، حيث عقد فصلاً تحت عنوان « في الدلالة على كون المهدي حيّاً باقياً مذ غيبته إلى الآن » قائلاً :
« ولا امتناع في بقاءه بدليل بقاء عيسى والياس والخضر من أولياء الله تعالى ، وبقاء الدجّال وإبليس الملعونَين أعداء الله تعالى ، وهؤلاء قد ثبت بقاءهم بالكتاب والسنّة ، وقد اتّفقوا عليه ، ثمّ أنكروا جواز بقاء المهدي.
وها أنا اُبيّن بقاء كلّ واحد منهم ، فلا يسمع بعد هذا لعاقل إنكار جواز بقاء المهدي عليه‌ السلام » (٦).
٣ ـ وقال سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرة الخواصّ :
« هو محمّد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالب عليهم‌ السلام ، وكنيته أبو عبدالله ، وأبو القاسم ، وخلف الحجّة ، صاحب الزمان ، القائم ، والمنتظر ، والتالي ، وهو آخر الأئمّة » (۷).
ثمّ إنّ شيخنا الوالد المرحوم آية الشيخ محمّدرضا الطبسي ـ بعد ما نقل أسماء أربعين شخصاً من كبار السنّة ، اعتماداً على نقل صاحب كشف الأستار للمحدّث لنوري ـ قال : « ثمّ إنّ الحقير تتبّعت في بعض الكتب المعتبرة عند القوم تتميماً للحجّة ، فعثرت على مقدار عشرين رجلاً ، بل أزيد ، من المعترفين أيضاً ، فأضفتهم … » (۸) ، ثمّ أسماء القائلين بولادته عليه‌ السلام كما يلي :

١ ـ المولى حسين الكاشفي في روضة الأحباب.
٢ ـ إبن خلّكان في تاريخه.
٣ ـ الحافظ البيهقي الشافعي في شعب الإيمان.
٤ ـ السيّد أحمد زيني دحلان في الفتوحات الإسلاميّة.
٥ ـ إبن حجر في الصواعق المحرقة.
٦ ـ إبن الأثير الجزري في الكامل في التاريخ.
٧ ـ أبو الفداء في تاريخه.
٨ ـ أحمد النگري في دستور العلماء.
٩ ـ الياقوت الحموي في معجم البلدان.
١٠ ـ الشبراوي في الإتحاف بحبّ الأشراف.
١١ ـ الحمزاوي في مشارق الأنوار.
١٢ ـ الذهبي في دول الإسلام.
١٣ ـ اليافعي في مرآة الجنان.
١٤ ـ الشيخ عبدالوهاب في كشف الغمّة.
١٥ ـ إبن سعد في الطبقات الكبرى.
١٦ ـ شمس الدين القاضي المالكي في تاريخ الخميس.
١٧ ـ الملاّ عليّ المتّقي في البرهان.
١٨ ـ جمال الدين في روضة الأحباب.
١٩ ـ القرماني في أخبار الدول.
٢٠ ـ إبن الصبان في إسعاف الراغبين (۹).
وبهذا البيان : إتّضح أنّ ولادة المهدي المنتظر عليه‌ السلام من القطعيّات التاريخيّة ، وأن الشيعة والسنّة قد ذكروا تاريخ ولادته.
وخالف جماعة من أعلام السنّة هذا الرأي واعتقدوا بأن المهدي عليه‌ السلام لم يولد بعد ، وأنّه سيولد في آخر الزمان.
فقال إبن أبي الحديد المعتزلي في شرحه على نهج البلاغة عند بيان خطبة الإمام أمير المؤمنين التي فيها « بأبي خيرة الإماء » :

« أمّا الإماميّة فيزعمون أنّه إمامهم الثاني عشر ، وأنّه إبن أمة إسمها نرجس ، وأمّا أصحابنا فيزعمون أنّه فاطمي ، يولد في مستقبل الزمان لاُمّ ولد ، وليس بموجود الآن .. وأنّه يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ، وينتقم من الظالمين ، وينكّل بهم أشدّ النكال » (۱۰).
أقول : إنّ إبن أبي الحديد وإن أصاب في بعض بحوثه ، ولكن أخطأ في هذه المسألة ، فماذا يجيب هؤلاء الذين مرّت أسماءهم عليك ، المعترفون بولادته عليه‌ السلام ، وثانياً : كيف يمكن أن نطبّق الروايات الواردة حول الإمام المهدي عليه‌ السلام المتّفق عليها عند الشيعة والسنّة على رجل مجهول لا يعلم إبن من هو ؟ وفي أي زمان سيولد ؟ وعلى قول الكنجي الشافعي : « لماذا أنكرنا أصل ولادته فراراً من طول عمره ؟ ».


السؤال السابع : هل رؤي الإمام المهدي عليه‌السلام أيّام طفولته ؟
الجواب : لقد رأى الإمام عليه‌ السلام عدّة لا يستهان بهم منذ ولد ، وهكذا رأوه في حياة أبيه وبعد موته إلى أن غاب في الغيبة الكبرى ، وقد ألّف علمائنا الكبار كتباً ورسائلاً فيمن فاز بلقاءه عليه‌السلام ، منهم المحدّث الكبير السيّد هاشم البحراني ، وإليك أسماء بعض من شاهده عليه‌السلام :
١ ـ حكيمة بنت الإمام الجواد عليه‌ السلام ، وعمّة الإمام الحسن العسكري ، التي زارت إبن أخيها في ليلة ميلاد الإمام المهدي عليه‌ السلام ، وطلب الإمام منها أن تبيت عنده لتحضر ولادة المهدي عليه‌ السلام ، فباتت تلك الليلة إلى أن ولد عليه‌ السلام ، ورأت جماله البهيّ (۱۱) ، وقصّتها معروفة ومشهورة.
ورأته أيضاً في اليوم الثالث من ولادته عليه‌ السلام ، كما رواه لنا الشيخ الطوسي عنها ، أنّها قالت : « فلمّا كان في اليوم الثالث إشتدّ شوقي إلى وليّ الله ، فأتيتهم عائدة ، فبدأت بالحجرة التي فيها الجارية ، فإذا أنا بها جالسة في مجلس المرأة النفساء ، وعليها أثواب صفر ، وهي معصبة الرأس ، فسلّمت عليها والتفت إلى جانب البيت وإذا بمهد عليه أثواب خضر ، فعدلت إلى المهد ورفعت عنه الأثواب ، فإذا أنا بوليّ الله نائم على قفاه غير محزوم ولا مقموط ، ففتح عينيه وجعل يضحك ويناجيني بإصبعه ، فتناولته وأدنيته إلى فمي لاُقبّله ، فشممت منه رائحة ما شممت قطّ أطيب منها … » (۱۲).
٢ ـ أحمد بن إسحاق الأشعري : « قال دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليه‌ السلام وأنا اُريد أن أسأله عن الخلف من بعده ، فقال لي مبتدئاً : يا أحمد بن إسحاق ، إنّ الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم عليه‌ السلام ، ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجّة لله على خلقه ، به يدفع البلاء عن أهل الأرض ، وبه ينزّل الغيث ، وبه يخرج بركات الأرض.
قال : فقلت له : يابن رسول الله ، فمن الإمام والخليفة بعدك ؟
فنهض عليه‌ السلام مسرعاً فدخل البيت ، ثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر ، من أبناء الثلاث سنين ، فقال : يا أحمد بن إسحاق ، لولا كرامتك على الله عزّ وجلّ وعلى حججه ما عرضت عليك إبني هذا … » (۱۳).
٣ ـ يعقوب بن منقوش ، يقول : « دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليه‌ السلام وهو جالس على دكّان في الدار ، وعن يميينه بيت عليه ستر مسبل ، فقلت له : يا سيّدي ، مَن صاحب هذا الأمر ؟
فقال : إرفع الستر ، فرفعته ، فخرج إلينا غلام خماسي ، له عشر أو ثمان أو نحو ذلك ، واضح الجبين ، أبيض الوجه ، درّي المقلتين ، شثن الكفّين ، معطوف الكريمتين ، في خدّه الأيمن خال ، وفي رأسه ذؤابة ، فجلس على فخذ أبي محمّد عليه‌ السلام ، ثمّ قال لي : هذا صاحبكم » (۱٤) .
٤ ـ مارية خادمة الإمام العسكري ، وعن الشيخ الطوسي ، قال : « عن نسيم وماريّة قالت : لمّا خرج صاحب الزمان من بطن اُمّه سقط جاثياً على ركبتيه ، رافعاً سبّابته نحو السماء ، ثمّ عطس ، فقال : الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد وآله عبداً داخراً ، غير مستنكف ، ولا مستكبر ، ثمّ قال : زعمت الظلمة أنّ حجّة الله داحضة ، ولو أذن لنا في الكلام لزال الشكّ » (۱٥).
٥ ـ أبو غانم الخادم ، قال : « ولد لأبي محمّد عليه‌ السلام ولد فسمّاه محمّداً ، فعرضه على أصحابه يوم الثالث ، وقال : هذا صاحبكم من بعدي ، وخليفتي عليكم ، وهو القائم الذي تمتدّ إليه الإعناق بإنتظار ، فإذا امتلأت الأرض جوراً وظلماً خرج فملأها قسطاً وعدلاً » (۱٦).
٦ ـ كامل بن إبراهيم المدني ، قال : « قلت في نفسي لمّا دخلت عليه ـ الإمام العسكري ـ أسأله عن الحديث المروي عنه عليه‌ السلام : لا يدخل الجنّة إلاّ من عرف معرفتي ، وكنت جلست إلى باب عليه ستر مرخيً ، فجاءت الريح فكشفت طرفه ، فإذا أنا بفتى كأنّه فلقة قمر ، من أبناء أربع سنين أو مثلها ، فقال لي : ياكامل بن إبراهيم ، فاقشعررت من ذلك ، واُلهمت أن قلت : لبّيك يا سيّدي.
فقال : جئت إلى وليّ الله تسألة لا يدخل الجنّة إلاّ من عرف معرفتك ، وقال بمقالتك ؟ قلت : إي والله.
قال : إذن والله يقلّ داخلها ، والله إنّه ليدخلها قوم يقال لهم الحقّيّة.
قلت : ومن هم ؟
قال : قوم من حبّهم لعليّ بن أبي طالب يحلفون بحقّه ، وما يدرون ما حقّه وفضله ، أي قوم يعرفون ما يجب عليهم معرفته جملة لا تفصيلاً من معرفة الله ورسوله والأئمّة ونحوها.
ثمّ قال : وجئت تسأل عن مقالة المفوّضة ؟ كذبوا ، بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله عزّ وجلّ فإذا شاء الله تعالى شئنا ، والله يقول : ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ ) (۱۷) .
فقال لي أبو محمّد عليه‌ السلام : ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك ، قم ، فقمت » (۱۸) .
٧ ـ أربعون نفراً من الوافدين ، روي الشيخ الطوسي عن جعفر بن محمّد بن مالك الفزاري البزّاز ، عن جماعة من الشيعة ، منهم : عليّ بن بلال ، وأحمد بن هلال ، ومحمّد بن معاوية بن حكيم ، والحسن بن أيّوب بن نوح… قالوا جميعاً : « اجتمعنا إلى أبي محمّد الحسن بن عليّ عليه‌ السلام نسأله عن الحجّة من بعده ، وفي مجلسه عليه‌ السلام أربعون رجلاً ، فقام إليه عثمان بن سعيد بن عمرو العمري فقال له : يابن رسول الله ، اُريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به منّي.
فقال : اجلس يا عثمان.
فقام مغضباً ليخرج ، فقال : لا يخرجنّ أحد.
فلم يخرج أحد إلى أن كان بعد ساعة ، فصاح عليه‌ السلام بعثمان فقام على قديمه.
فقال : اُخبركم بما جئتم ؟
قالوا : نعم يابن رسول الله.
قال : جئتم تسألوني عن الحجّة من بعدي.
قالو : نعم.
فإذا غلام كأنّه قطعة قمر أشبه النّاس بأبي محمّد.
فقال : هذا إمامكم من بعدي ، وخليفتي عليكم ، أطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم ، ألا وإنّكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتّى يتمّ له عمر ، فاقبلوا من عثمان ما يقوله ، وانتهوا إلى أمره ، واقبلوا قوله ، فهو خليفة إمامكم ، والأمر إليه … » (۱۹).
٨ ـ نسيم الخادم ، وعنه أيضاً قال : « وروي محمّد بن يعقوب رفعه عن نسيم الخادم ( خادم أبي محمّد عليه‌ السلام ) قال : دخلت على صاحب الزمان بعد مولده بعشر ليالٍ فعطست عنده ، فقال : يرحمك الله ، ففرحت بذلك ، فقال : ألا اُبشّرك في العطاس ؟ هو أمان من الموت ثلاثة أيّام » (۲۰).
٩ ـ إسماعيل النوبختي ، وعنه أيضاً بسنده عن إسماعيل النوبختي ، قال : « دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليه‌ السلام في المرضه التي مات فيها ـ وأنا عنده ـ إذ قال لخادمه عقيد ، وكان أخادم نوبيّاً قد خدم من قبله عليّ بن محمّد عليه‌ السلام ، وهو ربّي الحسن عليه‌ السلام فقال : يا عقيد ، اغِل لي ماءاً بمصطكي ، فأغلى له ، ثمّ جاءت به صيقل الجارية ، اُمّ الخلف عليه‌ السلام ، فلمّا صار القدح في يديه وهمّ بشربه فجعلت يده ترتعد حتّى ضرب القدح ثنايا الحسن عليه‌ السلام فتركه من يده وقال لعقيد : ادخل البيت فإنّك ترى صبيّاً ساجداً فأتني به.
قال أبو سهل : قال عقيد : فدخلت أتحرّى ، فإذا أنا بصبي ساجد رافع سبّابته نحو السماء ، فسلّمت عليه ، فأوجز في صلاته ، فقلت : إنّ سيّدي يأمرك بالخروج إليه إذ جاءت اُمّه صقيل فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن عليه‌ السلام.
قال أبو سهل : فلمّا مثل الصبي بين يديه سلّم ، وإذا هو درّي اللون ، وفي شعر رأسه قطط ، مفلج الأسنان ، فلمّا رآه الحسن بكى ، وقال : يا سيّد أهل بيته ، إسقني الماء ، فإنّي ذاهب إلى ربّي ، وأخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكي بيده ، ثمّ حرّك شفتيه ، ثمّ سقاه فلمّا شربه قال : هيّئوني للصلاة ، فطرح في حجره منديل ، فوضّأه الصبي واحدة واحدة ، ومسح على رأسه وقدميه.
فقال له أبو محمّد عليه‌ السلام : أبشر يا بنيّ ، فأنت صاحب الزمان ، وأنت المهدي ، وأنت حجّة الله على أرضه ، وأنت ولدي ، ووصيّي ، وأنا ولدتك ، وأنت محمّد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ، ولّدك رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله ، وأنت خاتم الأئمّة الطاهرين ، وبشّر بك رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله وسمّاك وكنّاك بكذلك عهد إليَّ أبي عن آباءك الطاهرين صلّى الله على أهل البيت ربّنا إنّه حميد مجيد.
ومات الحسن بن عليّ من وقته » (۲۱).

 ١٠ ـ الرجل الفارسي ، روى الكليني في الكافي بسنده عن ضوء بن عليّ العجلي ، عن رجل من أهل فارس سمّاه ، قال : « أتيت سر من رأي ولزمت باب أبي محمّد عليه‌ السلام فدعاني ، فدخلت عليه وسلّمت ، فقال : ما الذي أقدمك ؟
قال : قلت : رغبة في خدمتك.
قال فقال لي : فألزم الباب.
قال : فكنت في الدار مع الخدم ثمّ صرت اشتري لهم الحوائج من السوق ، وكنت أدخل عليهم من غير إذن إذا كان في الدار رجال.
قال : فدخلت عليه يوماً وهو في دار الرجال ، فسمعت حركة في البيت فناداني : مكانك لا تبرح ، فلم أجسر أدخل ولا أخرج ، فخرجت علَيَّ جارية ومعها شيء مغطّى.
ثم ناداني : ادخل ، فدخلت ، ونادى الجارية فرجعت إليه ، فقال لها : أكشفي عمّا معك ، فكشفت عن غلام أبيض ، حسن الوجه ، وكشفت عن بطنه فإذا شعر نابت من لبته إلى سرته ، أخضر ليس بأسود ، فقال : هذا صاحبكم ، ثمّ أمرها فحملته ، فما رأيته بعد ذلك حتّى مضى أبو محمّد عليه‌ السلام » (۲۲).

 السؤال الثامن : لماذا أخفى الإمام العسكري عليه‌ السلام ولده عن أعين الناس ؟

الجواب : لقد كان الخلفاء العبّاسيّون في قلق وخوف على دولتهم ، وخصوصاً
المعتزّ والمهتدي والمعتمد من مولود سيحطّم عرش الظلم ، ولذلك شدّدوا الحصار ، وجعلوا الإمام تحت المراقبة الشديدة على نفس المنهج الذي سلكه فرعون لمنع حصول ولادة موسى عليه‌ السلام وكانوا يختارون من جلاوزتهم ممّن يراقب بيوت الهاشميّين ، وعلى الخصوص بيت الإمام الحسن العسكري عليه‌ السلام ، وحاولوا مراراً القضاء على حياة الإمام ، والعثور على الإمام المهدي وقتله ، ولذلك كان يخفيه عنهم. وأمّا محاولاتهم الفاشلة فهي كما يلي :
١ ـ السعي لقتل الإمام العسكري عليه‌ السلام
حاول كلٌّ من : المعتزّ والمهتدي والمعتمد العبّاسي مراراً القضاء على حياة الإمام الحسن العسكري في داره أو في السجن لمنع ولادة المهدي المنتظر عليه‌ السلام ، فقال عليه‌ السلام حينما ولد الحجّة : « زعم الظلمة أنّهم يقتلونني ليقطعوا هذا النسل ، فكيف رأوا قدرة الله » (۲۳).
٢ ـ تفتيش بيت الإمام لإلقاء القبض على المهدي
لم يمرّ على رحيل الإمام العسكري عليه‌ السلام إلاّ لحظات حتّى حوصر بيت الإمام بأمر من المعتمد العبّاسي ، وقام الشرطة بالتفتيش الدقيق في بيت الإمام والبحث عن إبنه.
قال الصدوق : « وجاءوا بنساء يعرفن بالحبل ، فدخلن على جواريه ، فنظرن إليهنّ ، فذكر بعضهنّ أنّ هناك جارية بها حمل ، فأمر بها ، فجعلت في حجرة ووكّل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم » (۲٤).
٣ ـ وشاية جعفر ، وإلقاء القبض على صقيل
لمّا جهّزوا الإمام العسكري للصلاة عليه تقدّم جعفر بن عليّ ليصلّي على أخيه ، فلمّا همّ بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة ، بشعره قطط ، بأسنانه تفليج ، فجذب رداء جعفر وقال : « يا عمّ ، أنا أحقّ بالصلاة على أبي … » (۲٥) ، ووشى جعفر إلى الخليفة العبّاسي بوجود طفل في بيت الإمام العسكري عليه‌ السلام ، فبعث المعتمد إثر وشايته جلاوزته ليبحثوا عن صقيل جارية الإمام عليه‌ السلام حتّى تدلّهم على ذلك الطفل ، فأنكرت صقيل ذلك ، وادّعت أنّ بها حمل من الإمام العسكري عليه‌ السلام حفظاً على الإمام المهدي من تعرّض الأعداء ، لذلك حبسوها في بيت حتّى تضع حملها ويقتلوا وليدها ، وفي هذه الآونة فوجئوا بموت وزير الخليفة العبّاسي « عبدالله بن يحيى » ، وبخروج صاحب الزنج بالبصرة ، واضطراب الأوضاع السياسيّة ، وكثرة الفوضى ، فاستفادت صقيل من هذه الظروف وعادت إلى بيتها (۲٦).
٤ ـ إرسال جماعة لقتل الإمام المهدي عليه‌ السلام
ويشهد علي ذلك من أنّهم كانوا في طلبه ليقتلوه عليه‌ السلام ما حدّثه لنا رشيق صاحب المادراي قال : « بعث إلينا المعتضد ونحن ثلاثة نفر ، فأمرنا أن يركب كلّ واحد منّا فرساً ونجنب آخر ونخرج مخفين لا يكون معنا قليل ولا كثير إلاّ على السرج مصلى وقال لنا : إلحقوا بسامرة ، ووصف لنا محلّة وداراً وقال : إذا أتيتموها تجدون على الباب خدماً أسود ، فاكبسوا الدار ، ومن رأيتم فيها فأتوني برأسه.
فوافينا سامرة فوجدنا الأمر كما وصفه ، وفي الدهليز خادم أسود وفي يده تكّة ينسجها ، فسألناه عن الدار ومن فيها ، فقال : صاحبها ، فوالله ما التفت إلينا وقلّ اكتراثه بنا.
فكسبنا الدار كما أمرنا فوجدناه داراً سرية ومقابل الدار ستر ما نظرت قطّ إلى أنبل منه ، كأنّ الأيدي رفعت عنه في ذلك الوقت ، ولم يكن في الدار أحد ، فرفعنا الستر فإذا بيت كبير كأنّ بحراً فيه ماء ، وفي أقصى البيت حصير قد علمنا أنّه على الماء ، وفوقه رجل من أحسن النّاس هيئة قائم يصلّي ، فلم يلتفت إلينا ولا إلى شيء من أسبابنا.
فسبق أحمد بن عبدالله ليتخطّى البيت فغرق في الماء ، وما زال يضطرب حتّى مددت يدي إليه فخلّصته وأخرجته وغشي عليه وبقي ساعة ، وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك الفعل ، فناله مثل ذلك ، وبقيت مبهوتاً.
فقلت لصاحب البيت : المعذرة إلى الله وإليك ، فوالله ما علمت كيف الخبر ، ولا إلى من اُجيئ ، وأنا تائب إلى الله ، فما التفت إلى شيء ممّا قلنا ، وما انفتل عمّا كان فيه ، فهالنا ذلك وانصرفنا عنه ، وقد كان المعتضد ينتظرنا ، وقد تقدّم إلى الحجّاب إذا وافينا أن ندخل عليه في أي وقت كان ، فوافيناه في بعض الليل ، فأدخلنا عليه ، فسألنا عن الخبر ، فحكينا له ما رأينا ، فقال : ويحكم لقيكم أحد قبلي وجرى منكم إلى أحد سبب أو قول ؟
قلنا : لا ، فقال : أنا نفي من جدّي ، وحلف بأشد أيمان له أنّه رجل إن بلغه هذا الخبر ليضربنّ أعناقنا ، فما جسرنا أن نتحدّث به إلاّ بعد موته » (۲۷).
وممّا يدّل أيضاً على أنّ الخلفاء العبّاسيّين قد عزموا على قتله إن عثروا عليه ، ما قاله الإمام الصادق عليه‌ السلام لجماعة من شيعته قوله : « بنو اُميّة وبنو العبّاس لمّا أن وقفوا على أنّ زوال مملكة الاُمراء والجبابرة منهم على يدي القائم منّا ، ناصبونا للعداوة ، ووضعوا سيوفهم في قتل أهل بيت رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله ، وإبادة نسله ، طمعاً منهم في الوصول إلى قتل القائم ، فأبى الله أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره المشركون … » (۲۸).

الهوامش

۱. الغيبة : ١٣٤. حياة الإمام العسكري : ٣١٢.

۲. الفصول المهمّة : ٢٧٤.
۳. كمال الدّين : ٢٨٦. بحار الأنوار : ٥١ / ٧٣.كفاية الأثر : ٦٧. وروي عن الإمام الصّادق عليه‌ السلام باختلاف يسير وزيادة في الإمامة والتّبصرة : ١١٩ ، وفي كمال الدّين : ٢٨٦.

٤. الفصول المهمّة : ٢٧٤.

٥. الفصول المهمّة : ٢٧٢.
٦. البيان في أخبار صاحب الزمان : ٥٢١.
۷. تذكرة الخواصّ : ٣٢٥.

۸. الشيعة والرجعة : ١ / ١٢٠.

۹. الشيعة والرجعة : ١ / ١٢٢.
۱۰. شرح نهج البلاغة : ٢ / ١٧٩.

۱۱. بحار الأنوار : ٥١ / ١٧.

۱۲. كتاب الغيبة : ١٤٣.
۱۳. كمال الدين : ٢ / ٣٨٤.
۱٤. إعلام الورى : ٤١٣.

۱٥. كتاب الغيبة / الطوسي : ١٤٧.
۱٦. كمال الدين٢ / ٤٣١.

۱۷. الإنسان (٧٦) : ٣٠.
۱۸. الخرائج والجرائح : ١ / ٤٥٨.

۱۹. كتاب الغيبة : ٢١٧.
۲۰. الغيبة / الطوسي : ١٣٩.

۲۱. كتاب الغيبة : ١٦٥.

۲۲. تبصرة الوليّ فيمن رأى القائم المهدي : ٥١ ، عن الكافي : ١ / ٣٢٩.

۲۳. كفاية الأثر : ٢٨٩.
۲٤. كمال الدين : ١ / ٤٣.

۲٥. حياة الإمام العسكري عليه‌ السلام : ٣١٧.
۲٦. حقّ اليقين : ٣٢٠.

۲۷. كتاب الغيبة : ١٤٩.

۲۸. كتاب الغيبة : ۱۰٦.

مقتبس من كتاب الإمام المهدي المصلح العالمي المنتظر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى