مقالات

واحد: ليس له نظير ولا مثيل

إنَّ من أبرز صفاته تعالى أنّه واحد لا ثاني له، وهذا هو المصطلح عليه في ألْسِنَةِ المتكلمين بالتوحيد الذاتي، يهدفون به نفي أي مِثْل له. وربما يطلق التوحيد الذاتي على كونه سبحانه واحداً بمعنى أنَّه بسيط لا جزء له. ولأجل التفريق بين هذين التوحيدين الذاتيين يعبرون عن الأول، بالتوحيد الواحدي، مشيرين إلى أنه لا ثاني له، وعن الثاني بالتوحيد الأحدي، مشيرين به إلى أنّه تعالى لا جزء له. وقد أشار سبحانه اليهما في سورة “الإخلاص” فقال في صدر السورة ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ هادفاً إلى أنه بسيط لاجزء له وقال في ختامها: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ بمعنى لا ثاني له وقد فسرت الآيتان على النحو الذي ذكرناه دفعاً للزوم التكرار. و نحن نبحث عن كل قسم من التوحيدين في فصل خاص، وهذا الفصل مختص بالقسم الأول منهما.

ثم إنّه ربما يستعمل في هذا المقام “نَفْيُ الشَّرِيك”، ولكنه أخص مما نتبنّاه، فإنه يهدف إلى تنزيهه سبحانه عن وجود شريك له في الخلق والتدبير والعبادة، مع أنَّ البحث أوسع من ذلك، لأنه مركز على أنَّه سبحانه واحد لا ثاني لا يمتنع تَثَنّيه، سواء أكان هناك خلق أم لا، أكان هناك تدبير أم لا، أكانت هناك عبادة أم لا. والتوحيد في هذه المراحل الثلاث: الخلق والتدبير والعبادة، متأخر عن التوحيد الذاتي، بمعنى أن ذاته واحدة لا ثاني لها.

وقد استدل الإلهيون على توحيد وجوده ببراهين عقلية واضحة، كما أنّه تعالى وصف نفسه في الذكر الحكيم بهذا الوصف مقترناً بالبرهان العقلي ونحن نكتفي من البراهين بأخصرها وأوضحها ولا نستقصيها جميعاً، ونقدم البحث عن معنى كونه واحداً.

معنى كونه واحداً
الوحدة على قسمين

1- الوحدة العددية، وهي عبارة عن كون شيء واقعاً تحت مفهوم عام وجد منه مصداق واحد، وذلك مثل مفهوم الشمس الذي هو مفهوم وسيع قابل للإنطباق على كثير، غير أنه لم يوجد في عالم الحسّ منه إلاّ مصداق واحد مع إمكان وجود مصاديق كثيرة له. وهذا هو المصطلح عليه بـ “الواحد العددي”.

2- الوحدة الحقيقية، وهي عبارة عن كون الموجود لاثاني له، بمعنى أنه لا يقبل الاثنينية، ولا التَكَثّر ولا التكرر.وذلك كصرف الشيء المجرد عن كل خليط.مثلا:الوجود المطلق عن كل قيد، واحد بالوحدة الحقة، لأنّه لا ثاني له. لأَن المفروض ثانياً بما أنه لا يتميز عن الأول لا يمكن أن يعد شيئاً آخر، بل يرجع إلى الوجود الأَول.

وعلى ضوء ذلك، فالمراد من كون الشمس واحدة هو أنها واحدة لا اثنتان ولا ثلاث ولا… ولكن المراد، من كون الوجود المطلق، منزهاً عن كل قيد واحدٌ، أنه لا ثاني له ولا مثيل ولا شبيه ولا نظير، أي لا تتعقل له الإثينية والكثرة لأن ما فرضته ثانياً، بحكم أنه منزه عن كل قيد وخليط يكون مثل الأول، فلا يتميز ولا يتشخص، فلا يكون متحققاً، لأن الكثرة رهن دخول شيء مغاير في حقيقة الشيء، مثلا: البياض بما هو بياض، لا يتصور له الاِثنينية، إلاّ إذا دخل فيه شيء غيره، كتعدد المحل، فيتعدد البياض، ولولا ذلك لصار البياض صرف الشيء، وهو غير قابل للكثرة. يقول الحكيم السَبْزَواري في هذا الصدد:

وَمَالَهُ    تَكثُّرٌ    قَدْ    حَصَلا         فَفِيهِ ما سِــواءُ قَدْ تَخَلّلا
إِنَّ  الوُجُودَ  مَا  لَهُ  مِنْ  ثَان         لَيْسَ قُرىً وَراءَ عَبَّادان
1ِ.

والمراد من كونه سبحانه واحداً، هو الواحد بالمعنى الثاني، أي ليس له ثان، ولا تتصور له الإثنينية والتعدد. 

ولأجل ذلك يقول سبحانه في تبيين هذه الوحدة: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)، أي واحدٌ لا نظير له.

والعجب إنَّ الإمام أمير المؤمنين علياً عليه السَّلام قام بتفسير كونه تعالى واحداً، عندما كان بريق السيوف يشد إليه العيون، وضربات الطرفين تنتزع النفوس والأرواح في معركة “الجمل”، فأحس عليه السَّلام بأنَّ تحكيم العقيدة وصرف الوقت في تبيينها لا يقصر في الأَهمية عن خوض المعارك ضد أهل الباطل:

روى الصدوق أنّ أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين عليه السَّلام فقال: “يا أمير المؤمنين أتقول إنَّ الله واحد، قال فحمل الناس عليه، وقالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب، فقال أمير المؤمنين: دعوه، فإنَّ الذي يريده الأَعرابي هو الذي نريده من القوم“…ثم قال شارحاً ما سأل عنه الأعرابي: “وقول القائل واحد، يقصد به باب الأَعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنَّ ما لا ثاني له، لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى أنَّه كفر من قال: “ثالث ثلاثة“.

ثم قال: “معنى هو واحد: أنَّه ليس له في الأَشياء شَبَه، كذلك ربنا. وقول القائل إنه عز وجل أحَدِيُّ المعنى يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربنا عز وجل2.

فالإمام عليه السَّلام لم يكتف ببيان المقصود من توصيفه سبحانه بأنه واحد، بل أشار إلى معنى آخر من معاني توحيده وهو كونه أحَدِىَّ الذات، الذي يهدف إلى كونه بسيطاً لا جزء له في الخارج والذهن. وهذا المعنى هو الذي نطرحه على بساط البحث في القسم الثاني من التوحيد الذاتي. 

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان البراهين العقلية على توحيده سبحانه بمعنى كونه واحداً لا ثاني له.


أدلة الوحدانية
1- التعدد يستلزم التركيب

لو كان هناك واجب وجود آخر لتشارك الواجبان في كونهما واجبي الوجود، فلا بد من تميّز أحدهما عن الآخر بشيء وراء ذلك الأمر المشترك، كما هو الحال في كل مِثْلين. وذلك يستلزم تركب كل منهما من شيئين: أحدهما يرجع إلى ما به الاشتراك، والآخر إلى ما به الامتياز. والمركب بما أنه محتاج إلى أجزائه لا يكون متصفاً بوجوب الوجود، بل يكون لأجل الحاجة ممكناً، وهو خلاف الفرض.

وباختصار، لو كان في الوجود واجبان للزم إمكانهما وذلك أنهما يشتركان في وجوب الوجود فإن لم يتميزا لم تحصل الإثنينية، وإن تميّزا لزم تركب كل واحد منهما مما به المشاركة وما به الممايزة، وكل مركب ممكن، فيكونان ممكنين وهذا خلاف الفرض.


2- الوجود اللامتناهي لا يقبل التعدد

هذا البرهان مؤلف من صغرى و كبرى. والنتيجة هي وحدة الواجب وعدم إمكان تعدده. وإليك صورة القياس حتى نبرهن على كل من صغراه وكبراه. 

وجود الواجب غير متناه. 

وكل غير متناه واحد لا يقبل التعدد. 

فالنتيجة: وجود الواجب واحدٌ لا يقبل التعدد. 

وإليك البرهنة على كل من المقدمتين.

أما الصغرى
: فإنَّ محدودية الموجود ملازمة لتَلَبُّسه بالعدم. ولأجل تقريب هذا المعنى، لا حظ  الكتاب الموضوع بحجم خاص، فإنك إذا نظرت إلى أي طرف من أطرافه ترى أنه ينتهي إليه وينعدم بعده. ولا فرق في ذلك بين صغير الموجودات وكبيرها، حتى أنَّ جبال الهملايا مع عظمتها، محدودة لا نرى أي أثر للجبل بعد حده. وهذه خصيصة كل موجود متناه زماناً أو مكاناً او غير ذلك. فالمحدودية والتلبس بالعدم متلازمان.

وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار ذاته سبحانه محدودة، لأن لازم المحدودية الانعدام بعد الحد كما عرفت، وما هو كذلك لا يكون حقاً مطلقاً مائة بالمائة، بل يلابسه الباطل والانعدام. مع أنَّ الله تعالى هو الحق المطلق الذي لا يدخله باطل. والقرآن الكريم يصف وجوده سبحانه بالحق المطلق وغيره بالباطل وما هذا إلا لأَن وجود غيره وجود متلبس بالعدم والفناء وأما وجود الله تعالى فطارد لكل عدم وبطلان.قال عَزّ مِنْ قائل: ﴿ذَلِكَ بِأَنّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾(الحج:62).

وبتقرير آخر: إنَّ عوامل المحدودية تتمحور في الأمور التالية:

1- كونُ الشيء محدوداً بالماهية ومزدوجاً بها.فإنها حد وجود الشيء. والوجود المطلق بلا ماهية غير محدَّد ولا مقيد. وإنما يتحدد بالماهية.

2- كون الشيء واقعاً في إطار الزمان، فهذا الكم المتصل (الزمان) يحدد وجود الشيء في زمان دون آخر.

3- كون الشيء في حيز المكان، وهو أيضاً يحدد وجود الشيء ويخصه بمكان دون آخر.

وغير ذلك من أسباب التحديد والتضييق. والله سبحانه وجود مطلق غير محدد بالماهية إذ لا ماهية له، كما سيوافيك البحث عنه. كما لا يحويه زمان ولا مكان. فتكون عوامل التناهي معدومة فيه، فلا يتصور لوجوده حد ولا قيد ولا يصح أن يوصف بكونه موجوداً في زمان دون آخر أو مكان دون آخر. بل وجوده أعلى وأنْبَل من أن يتحدّد بشيء من عوامل التناهي.

وأما الكبرى
: فهي واضحة بأدنى تأمل، وذلك لأن فرض تعدد اللامتناهي يستلزم أن نعتبر كل واحد منهما متناهياً من بعض الجهات حتى يصح لنا أن نقول هذا غير ذاك.ولا يقال هذا إلاّ إذا كان كل واحد متميزاً عن الآخر، والتَّمُيّز يستلزم أن لا يوجد الأول حيث يوجد الثاني، وكذا العكس.وهذه هي “المحدودية”وعين “التناهي”، والمفروض أنه سبحانه غير محدود ولا متناه.

والله سبحانه لأجل كونه موجوداً غير محدود، يصف نفسه في الذكر الحكيم بـ ﴿الوَاحِد القَهّار﴾(الرعد:16). وما ذلك إلا لأَن المحدود المتناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، فإِذا كان قاهراً من كل الجهات لم تتحكم فيه الحدود، فكأن اللامحدودية تلازم وصف القاهرية، وقد عرفت أنَّ ما لا حدّ له يكون واحداً لا يقبل التعدد. فقوله سبحانه، وهو الواحد القهار، من قبيل ذكر الشيء مع البينة والبرهان.

قال العلامة الطباطبائي: “القرآن ينفي في تعاليمه الوحدة العددية عن الإِله جلَّ ذكره، فإِن هذه الوحدة لا تتم إلاّ بتميّز هذا الواحد، من ذلك الواحد، بالمحدودية التي تقهره.مثال ذلك ماء الحوض إذا فرّغناه في أوان كثيرة يصير ماءُ كلّ إناء ماءً واحداً غير الماء الواحد الذي في الإِناء الآخر، وإِنما صار ماءً واحداً يتميّز عما في الآخر لكون ما في الآخر مسلوباً عنه، غير مجتمع معه، وكذلك هذا الإنسان إنما صار إنساناً واحداً لأنه مسلوب عنه ما للإنسان الآخر، وهذا إنْ دلّ فإنما يدل على أنَّ الوحدة العددية إنما تتحقق بالمقهورية والمسلوبية أي قاهرية الحدود، فإذا كان سبحانه قاهراً غير مقهور وغالباً لا يغلبه شيء لم تتصور في حقه وحدة عددية، ولأجل ذلك نرى أنَّهُ سبحانه عندما يصف نفسه بالواحدية يتبعها بصفة القاهرية حتى تكون الثانية دليلا على الأُولى قال سبحانه: 

﴿ءاَرْبابٌ مُتَفَرّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهّارُ﴾(يوسف:39)، وقال: ﴿وَمَا مِنْ اِله إلاّ اللّهُ الْواحِدُ القَهَّارُ﴾(ص:65) وقال: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أنْ يَتّخِذَ وَلَداً لاَصْطَفَى مما يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهّارُ﴾(الزمر:4).

وباختصار
: إنَّ كلا من الوحدة العددية كالفرد الواحد من النوع، أو الوحدة النوعية كالإنسان الذي هو نوع واحد في مقابل الأنواع الكثيرة، مقهور بالحد الذي يميز الفرد عن الآخر والنوع عن مثله، فإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كل شيء فليس بمحدود في شيء، فهو موجود لا يشوبه عدم، وحق لا يعرضه بطلان، وحي لا يخالطه موت، وعليم لا يدبّ  إليه جهل، وقادر لا يغلبه عجز، وعزيز لا يتطرق إليه ظلم، فله تعالى من كل كمال محضه”3.

ومن عجيب البيان ما نقل عن الإِمام الثامن علي بن موسى الرضا عليه السَّلام في هذا المجال في خطبة ألقاها على جماعة من العلماء وقال في ضمن تحميده سبحانه: (لَيْسَ لَهُ حَدٌّ ينتهي إلى حَدِّه، ولا له مِثْلٌ فيُعرَف مثله)4

ترى إِنَّ الإِمام عليه السَّلام بعدما نفى الحد عن الله، أتى بنفي المِثْل له سبحانه، لارتباط وملازمة بين اللامحدودية ونفي المثيل، والتقرير ما قد عرفت.

3- صِرف الوجود لا يتثنى ولا يتكرر

إِنَّ هذا البرهان مركب من صغرى وكبرى على الشكل التالي:

الله سبحانه وجود صِرْف. 

وكل وجود صرف واحد لا يتثنّى ولا يتكرّر.

فالنتيجة
: الله سبحانه واحدٌ لا يتثنِّى ولا يتكرَّر.

أما الصغرى
 فإليك بيانها: أثبتت البراهين الفلسفية أنَّهُ سبحانه منزَّه عن الماهية التي تحد وجوده. وتحليله يحتاج إلى بيان دور الماهية في وجود الشيء فنقول: كل ما يقع في أُفق النظر من الموجودات الإمكانية فهو مؤلف من وجود هو رمز عينيته في الخارج، وماهية تحد الوجود وتبين مرتبته في عالم الشهود والخارج. مثلا: الزَّهرة الماثلة أمام أعيننا، لها وجود به تتمثل أمام نظرنا، ولها ماهية تحددها بحد النباتية، وتميزها عن الجماد والحيوان. ولأجل ذلك الحد نحكم عليها أنها قد ارتقت من عالم الجماد ولم تصل بعد إلى عالم الحيوان. وبذلك تعرف أن واقعية الماهية هي واقعية التحديد. هذا من جانب.

ومن جانب آخر، الماهية إذا لوحظت من حيث هي هي، فهي غير الوجود كما هي غير العدم. بشهادة أنها توصف بالأوّل تارة وبالثاني أُخرى ويقال:النبات موجود، كما يقال:غير موجود. وهذا يوضح أن مقام الحد والماهية مقام التخلية عن الوجود والعدم، بمعنى أن الإنسان عند النظر إلى ذات الشيء يراه عارياً عن كل من الوجود والعدم. ثم يصفه في الدرجة الثانية بأحدهما. وأما وجه كون الشيء في مقام الذات غير موجود ولا معدوم فلأجل أنه لو كان في مقام الذات والماهية موجوداً سواء أكان الوجود جُزْءَه أو عَيْنه يكون الوجود نابعاً من ذاته، وما هذا شأنه يكون واجب الوجود، يمتنع عروض العدم عليه، كما أنه لو كان في ذلك المقام معدوماً سواء أكان العدم جزءه أو عينه يكون العدم نفس ذاته، وما هذا شأنه يمتنع عليه عروض الوجود.فلأجل تصحيح عروض كل من الوجود والعدم لا مناص عن كون الشيء في مقام الذات خالياً عن كلا الأمرين حتى يصح كونه معروضاً لأحدهما. وإلى هذا يهدف قول الفلاسفة: “الماهية من حيث هي هي لا موجودة ولا معدومة”. ومع هذا كلِّه فهي في الخارج لا تخلو إما أنْ تكون موجودة أو معدومة.فالنبات والحيوان والإنسان في خارج الذهن لا تفارق أحد الوصفين.وبهذا تبين أنَّ اتصاف الماهية بأحد الأَمرين يتوقف على علة، لكن اتصافها بالوجود يتوقف على علة موجودة، ويكفي في اتصافها بالعدم، عدم العلة الموجودة. فاتصاف الماهيات بالأَعدام الأزلية خفيف المؤونة، بخلاف اتصافها بالوجود فإنه رهن وجود علة حقيقية خارجية.

وعلى ضوء هذا البيان يتضح أنه سبحانه منزَّهٌ عن التحديد والماهية وإلاّ لزم أنْ يحتاج في اتصاف ماهيته بالوجود إلى علة5. وما هذا شأنه لا يكون واجباً بل يكون ممكناً. وهذا يجرّنا إلى القول بأنَّه سبحانه صرف الوجود المنزه عن كل حد.


وأما الكبرى فإليك بيانها: إن كل حقيقة من الحقائق إذا تجردت عن أي خليط وصارت صِرفَ الشيء لا يمكن أن تتثنّى وتتعدد، من غير فرق بين أن تكون صِرفَ الوجود أو تكون وجوداً مقروناً بالماهية كالماء والتراب وغيرهما.فإنَّ كل واحد منها إذا لوحظ بما هو عارياً عن كل شيء سواه لا يتكرر ولا يتعد. فالماء بما هو ماء، لا يتصور له التعدد إلاّ إذا تعدد ظرفه أو زمانه أو غير ذلك من عوامل التعدد والتميز.

فالماء الصرف والبياض الصرف والسواد الصرف، وكل شيء صرف، في هذا الأمر سواسية.فالتعدد وإلاثنَيْنِيّة رهن اختلاط الشيء مع غيره. 

وعلى هذا، فإذا كان سبحانه بحكم أنه لا ماهية له وجوداً صِرفاً، لا يتطرق إليه التعدد، لأنه فرع التميز، والتميز فرع وجود غَيْرِيّة فيه، والمفروض خُلُوّه عن كل مغاير سواه، فالوجود المطلق والتحقق بلا لون ولا تحديد، والعاري عن كل خصوصية ومغايرة، كلما فرضْتَ له ثانياً يكون نفس الأول، لا شيئاً غيره، فالله سبحانه، بحكم الصغرى صِرف الوجود، والصِرف لا يتعدد ولا يتثنَّى. فينتج أنَّ الله سبحانه واحدٌ لا يتثنَّى ولا يتعدّد.

خرافة التثليث
الأب والابن وروح القدس
قلّما نجد عقيدة في العالم تعاني من الإبهام والغموض كما تعاني منها عقيدة التثليث في المسيحية. 

إنَّ كلمات المسيحيين في كتبهم الكلامية تحكي عن أنَّ الاعتقاد بالتثليث من المسائل الأَساسية التي تبنى عليها عقيدتهم، ولا مناص لأي مسيحي من الاعتقاد به. وفي الوقت نفسه يعتقدون بأنه من المسائل التعبدية التي لا تدخل في نطاق التحليل العقلي، لأن التصورات البشرية لا تستطيع أن تصل إلى فَهْمِه، كما أن المقاييس التى تنبع من العالم المادي تمنع من إدراك حقيقة التثليث، لأن حقيقته حسب زعمهم فوق المقاييس المادية.

هذا ومع تركيزهم على التثليث في جميع أدوارهم وعصورهم يعتبرون أنفسهم موحدين غير مشركين، وأنَّ الإله في عين كونه واحداً ثلاثة، ومع كونه ثلاثة واحدٌ أيضاً.وقد عجزوا عن تفسير الجمع بين هذين النقيضين، الذي تشهد بداهة العقل على بطلانه وأقصى ما عندهم ما يلي:

إنَّ تجارب البشر مقصورة على المحدود، فإذا قال الله بأنَّ طبيعته غير محدودة تتأَلف من ثلاثة أشخاص، لزم قبول ذلك، إذ لا مجال للمناقشة في ذلك وإنْ لم يكن هناك أي مقياس لمعرفة معناه.بل يكفي في ذلك ورود الوحي به، وأنَّ هؤلاء الثلاثة يشكلون بصورة جماعية “الطبيعة الإلهية اللامحدودة” وكل واحد منهم في عين تشخصه وتميزه عن الآخرين، ليس بمنفصل ولا متميز عنهم، رغم أنه ليست بينهم أية شركة في الأُلوهية، بل كل واحد منهم إله مستقل بذاته ومالك بانفراده لكامل الأُلوهية، فالأب مالك بانفراده لتمام الألوهية وكاملها، من دون نقصان.والإبن كذلك مالك بانفراده لتمام الأُلوهية، وروح القدس هو أيضاً مالك بانفراده لكمال الأُلوهية، وأنَّ الألوهية في كل واحد متحققة بتمامها دون نقصان.

هذه العبارات وما يشابهها توحي بأنهم يعتبرون مسألة التثليث فوق الاستدلال والبرهنة العقلية، وأنها بالتالي:”منطقة محرمة على العقل”، فلا يصل إليها العقل بجناح الاستدلال.بل المستند في ذلك هو الوحي والنقل.

ويلاحظ عليه أوّلا: وجود التناقض الواضح في هذا التوجيه الذي تلوكه أشداق البطاركة ومن فوقهم أو دونهم من القسيسين. إذ من جانب يعرّفون كل واحد من الآلهة الثلاثة بأنه متشخص ومتميز عن البقية، وفي الوقت نفسه يعتبرون الجميع واحداً حقيقة لا مجازاً.أفيمكن الاعتقاد بشيء يضاد بداهة العقل، فإنَّ التَمَيّز والتشخص آية التعدد، والوحدة الحقيقية آية رفعهما، فكيف يجتمعان؟.

وباختصار، إن “الباب” وأنصاره وأعوانه لا مناص أمامهم إلاّ الانسلاك في أحد الصفين التاليين: صف التوحيد وأنّه لا إله إلاّ إله واحد، فيجب رفض التثليث، أو صَفّ الشرك والأَخذ بالتثليث ورفض التوحيد. ولا يمكن الجمع بينهما.

ثانياً
: إنّ عالم ما وراء الطبيعة وإن كان لا يقاس بالأُمور المادية المألوفة، لكن ليس معناه أنَّ ذلك العالم فوضوي، وغير خاضع للمعايير العقلية البحتة، وذلك لأن هناك سلسلة من القضايا العقلية التي لا تقبل النقاش والجدل، وعالم المادة وما وراءه بالنسبة إليها سيان، ومسألة امتناع اجتماع النقيضين وامتناع ارتفاعهما واستحالة الدور والتسلسل وحاجة الممكن إلى العلة، من تلك القواعد العامة السائدة على عالَمَي المادة والمعنى.

فإذا بطلت مسألة التثليث في ضوء العقل فلا مجال للاعتقاد بها. وأما الاستدلال عليها من طريق الأناجيل الرائجة فمردود بأنها ليست كتباً سماوية، بل تدل طريقة كتابتها على أن ألّفت بعد رفع المسيح إلى الله سبحانه أو بعد صلبه على زعم المسيحيين.والشاهد أنه وردت في آخر الأناجيل الأربعة كيفية صلبه ودفنه ثم عروجه إلى السماء.

ثالثا
ً: إنهم يعرّفون الثالوث المقدس بقولهم:”الطبيعة الإلهية تتألف من ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر، أي الأب والابن وروح القدس، والأب هو خالق جميع الكائنات بواسطة الابن، والابن هو الفادي، وروح القدس هو المطهر.وهذه الأَقانيم الثلاثة مع ذلك، ذات رتبة واحدة وعمل واحد”.

فنسأل
:ما هو مقصودكم من الآلهة الثلاثة فإن لها صورتين لا تناسب أيّة واحدة منهما ساحته سبحانه:

1- أن يكون لكل واحد من هذه الآلهة الثلاثة وجودٌ مستقلٌ عن الآخر بحيث يظهر كل واحد منها في تَشَخّص ووجود خاص، ويكون لكل واحد من هذه الأقانيم أصل مستقل وشخصية خاصة متميزة عما سواها.

لكن هذا شبيه الشرك الجاهلي الذي كان سائداً في عصر الجاهلية وقد تجلى في النصرانية بصورة التثليث. وقد وافتك أدلة وحدانية الله سبحانه.

2- أنْ تكون الأقانيم الثلاثة موجودة بوجود واحد، فيكون الإله هو المركب من هذه الأمور الثلاثة وهذا هو القول بالتركيب وسيوافيك أنه سبحانه بسيط غير مركب.لأن المركب يحتاج في تحققه إلى أجزائه، والمحتاج ممكن غير واجب.

هذه هي الإشكالات الأَساسية المتوجهة إلى القول بالتثليث.

تسرّب خرافة التثليث إلى النصرانية

إنَّ التاريخ البشري يرينا أنه طالما عمد بعض أتباع الأنبياء  بعد وفاة الأنبياء أو خلال غيابهم إلى الشرك والوثنية، تحت تأثير المضلين. وبذلك كانوا ينحرفون عن جادّة التوحيد الذي كان الهدف الأساسي والغاية القصوى لبعثهم.إنَّ عبادة بني إسرائيل للعجل في غياب موسى عليه السَّلام، أفضل نموذج لما ذكرناه، وهو مما أثبته القرآن والتاريخ. وعلى هذا فلا داعي إلى العجب إذا رأينا تسرب خرافة التثليث إلى العقيدة النصراينة بعد ذهاب السيد المسيح عليه السَّلام وغيابه عن أتباعه.

إنّ تقادم الزمن رسّخ موضوع التثليث وعمّقه في قلوب النصارى وعقولهم، بحيث لم يستطع أكبر مصلح مسيحي أعني: لوثر الذي هذب العقائد المسيحية من كثير من الأساطير والخرافات، وأسس المذهب البروتستانتي، أن يبعد مذهبه عن هذه الخرافة.

إنَّ القرآن الكريم يصرح بأن التثليث دخل النصرانية بعد رفع المسيح من المذاهب السابقة عليها، حيث يقول تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلكَ قَوْلُهُمْ بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾(التوبة:30).

لقد أثبتت الأبحاث التاريخية أنَّ هذا التثليث كان في الديانة البَرَهْمانية قبل ميلاد السيد المسيح بمئات السنين.فقد تجلى الرب الأزلي الأبدي لديهم في ثلاثة مظاهر وآلهة:

1- بَرَاهما (الخالق).
2- فيشنو (الواقي).
3- سيفا (الهادم).

وقد تسربت من هذه الديانة البراهمانية إلى الديانة الهندوكية، ويوضح الهندوس هذه الأمور الثلاثة في كتبهم الدينية على النحو التالي:

“براهم” هو المبتدئ بإِيجاد الخلق، وهو دائماً الخالق اللاهوتي، ويسمّى بالأب.

“فيشنو” هو الواقي الذي يسمى عند الهندوكيين بالابن الذي جاء من قبل أبيه.

“سيف” هو المُفْنِي الهادم المعيد للكون إلى سيرته الأولى.

وبذلك يظهر قوة ما ذكره الفيلسوف الفرنسي “غستاف لوبون” قال:”لقد واصلت المسيحية تطورها في القرون الخمسة الأُولى من حياتها، مع أخذ ما تيسر من المفاهيم الفلسفية والدينية اليونانية والشرقية، وهكذا أصبحت خليطاً من المعتقدات المصرية والإِيرانية التي انتشرت في المناطق الأوروبية حوالي القرن الأول الميلادي، فاعتنق الناس تثليثاً جديداً مكوناً من الأب والإِبن وروح القدس، مكان التثليث القديم المكون من “نروبى تر” و”وزنون” و”نرو”6.

القرآن ونفي التثليث

إنَّ القرآن الكريم يذكر التثليث ويبطله بأوضح البراهين وأَجلاها، يقول: ﴿مَا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأكُلانِ الطَّعامَ.(المائدة:75) وهذه الآية تبطل ألوهية المسيح وأُمه، التي كانت معرضاً لهذه الفكرة الباطلة، بحجة أن شأن المسيح شأنُ بقية الأنبياء وشأن الأم شأن بقية الناس، يأكلان الطعام. فليس بين المسيح وأُمه، وبين غيرهما من الأنبياء والرسل وسائر الناس أي فرق وتفاوت، فالكل كانوا يأكلون عندما يجوعون ويتناولون الطعام كلما أحسوا بالحاجة إليه.وهذا العمل منضماً إلى الحاجة إلى الطعام، آية المخلوقية.


ولا يقتصر القرآن على هذا البرهان، بل يستدل على نفي ألوهية المسيح بطريق آخر، وهو قدرته سبحانه على إهلاك المسيح وأُمّه ومن في الأرض جميعاً، والقابل للهلاك لا يكون إلهاً واجب الوجود.

يقول سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إنّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إنْ أرَادَ أَنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ في الأَرضِ جَمِيعاً﴾(المائدة:17) وفي هذه الآية وردت ألوهية المسيح وأبطلت من طريق قدرته سبحانه على إهلاكه، ويظهر من سائر الآيات أنَّ ألوهيته كانت مطروحة بصورة التثليث، قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إنّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَمَا مِنْ اِله إلاّ إلهٌ واحِدٌ﴾( المائدة:73).

وعلى كل تقدير، فقدرته سبحانه على إهلاك المسيح عليه السَّلام أدل دليل على كونه بشراً ضعيفاً، وعدم كونه إلهاً، سواء أطرح بصورة التثليث أم غيره.

ثم إنَّ القرآن الكريم كما يُفَنّد مزعمة كون عيسى بن مريم إلهاً ابناً لله في الآيات المتقدمة، يرد استحالة الابن عليه تعالى أيضاً على وجه الإِطلاق سواء أكان عيسى هو الابن أو غيره، بالبيانات التالية:

1- إنَّ حقيقة النبوة هو أن يجزّئ واحد من الموجودات الحيّة شيئاً من نفسه ثم يجعله بالتربية التدريجية فرداً آخر من نوعه مماثلا لنفسه يترتب عليه من الخواص والآثار ما كان يترتب على الأصل. كالحيوان يفصل من نفسه النطفة ثم يأخذ في تربيتها حتى تصير حيواناً. ومن المعلوم أنه محال في الله سبحانه، لاستلزامه كونه سبحانه جسماً مادياً له الحركة والزمان والمكان والتركب.

2- إنَّه سبحانه، لإطلاق ألوهيته وخالقيته وربوبيته على ما سواه، يكون هو القائم بالنفس وغيره قائماً به، فكيف يمكن فرض شيء غيره يكون له من الذات والأوصاف والأحكام ما له سبحانه من غير افتقار اليه؟

3- إن تجويز الاستيلاد عليه سبحانه يسلتزم جواز الفعل التدريجي عليه وهو يستلزم دخوله تحت ناموس المادة والحركة، وهو خلف، بل يقع ما شاء دفعة واحدة من غير مهلة ولا تدريج.

والدقة في الآيتين التاليتين تفيد كل ما ذكرنا، قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ مَا في السَّمواتِ والأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمواتِ والأَرضِ وَإذا قَضَى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(البقرة: 116-117).

فقوله: (سبحانه)، إشاة إلى الأمر الأول. 

وقوله: (له ما في السموات والأرض كل له قانتون)، إشارة إلى الأمر الثاني.

وقوله: (بديع السموات والأرض إذا قضى…)، إشارة إلى الأمر الثالث7.

إنَّ القرآن الكريم يفند مزعمة “التثليث” ببراهين عقلية أُخرى، فمن أراد الوقوف على الآيات الواردة في هذا المجال وتفسيرها، فليرجع إلى الموسوعات القرآنية8.

*الإلهيات، آية الله جعفر السبحاني،مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.ج2، ص11-28


1- شرح المنظومة، ص 333.
2- توحيد الصدوق، ص 83 ـ 84.
3- الميزان، ج 6، ص 88 ـ 89 بتلخيص.
4- توحيد الصدوق، ص 33.
5- وهنا يبحث عن العلة ما هي؟ أهي نفس الوجود العارض على الماهية أو وجود آخر.فإن كان الأول لزم الدور، وإن كان الثاني لزم التسلسل. والتفصيل يؤخذ من محله.لاحظ الأسفار، ج 1، فصل في أنه سبحانه صِرْف الوجود.
6- قصة الحضارة.
7- لاحظ (الميزان)، ج 3، ص 287.
8-  لاحظ ما ذكره الأُستا دام حفظه في موسوعته القرآنية (مفاهيم القرآن)، ج 1، ص 264 ـ 272.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى