مقالات

قِبْلَتَانِ عَلَى طَرَفَي نَقِيضٍ

بسم اللّٰه الرَّحمٰن الرَّحيم

بقلم: زكريَّا بركات
9 مايو 2022


ورد في زيارة أئمَّة البقيع (عليهم السلام) هذا التعبير: ” فَقَدْ وَفَدْتُ إِلَيْكُمْ إِذْ رَغِبَ عَنْكُمْ أَهْلُ الدُّنْيَا”.

بعض المصادر: الكافي 4 : 559 ، ومن لايحضره الفقيه 2 : 575 ، وتهذيب الأحكام 6 : 79 ، وكامل الزيارات (ص53) ، ومصباح المتهجِّد (ص713) .

في ضوء هذه العبارة الشريفة نستلهم ما يلي من الفوائد:

1 ـ الزيارة لقبور الأئمَّة صلوات الله عليهم، هي ـ في الحقيقة ـ وفادة عليهم، والوافد يلقى من الكرامة بقدر احترامه وعرفانه بقدر من يزوره ويفد إليه بالإضافة إلى الدرجة التي يحظى بها من يزوره في الكرم والجود، ولا شكَّ أنَّ الأئمَّة (ع) في أعلى درجات الكرامة والكرم والجود، فعلى الزائر العارف أن يُقبل بكلِّ عقله وقلبه طالباً راجياً كلَّ الخير والعطاء والكرم.

2 ـ الوفادة تنبع من رغبةٍ، والرغبة فرعُ المعرفة، وهذا ما يحصل للزائر العارف، فهو يفِدُ بدافع المعرفة والرغبة، بينما هناك أناسٌ آخرون (يرغبون عن) و(لا يرغبون في) ، فهم مُعرضون غيرُ مُقبلين، فرغبتهم في الاتجاه المعاكس، فما هي القبلة التي يتَّجهون إليها حين يولُّون مدبرين معرضين؟ نفهم من العبارة الشريفة في الزيارة أنَّ السرَّ في الإعراض عن الوفادة إلى الأئمَّة (ع) يكمن في حبِّ الدنيا والإقبال عليها بنحو يُصبح المحبُّ للدنيا متصفاً بعنوان: (أهل الدنيا) ، وهذا يعني أنَّ هناك قبلتان لبني آدم، كلٌّ منهما طرفُ نقيض يخالف مُقابله في الاتِّجاه، فباتِّجاه اليمين: قبلةُ الإيمان، وهم أهل البيت عليهم السلام، فمن وفد إليهم وأقبل عليهم، كان من أهل اليمين الفائزين، وباتِّجاه الشمال: قبلة الكُفر، وهي الدُّنيا، فمن وفد إليها وأقبل عليها، كان من أهل الشمال الخاسرين.

3 ـ التدبُّر في التقابل بين الاتجاهين والقبلتين، يجعلنا نفهم ـ نظريًّا ـ حدودَ حبَّ الدنيا المذموم، والذي هو أساس المعاصي والسيئات، ففي كل آن يكون إقبال الإنسان إلى الدنيا موجباً لإعراضه عن أهل البيت (ع) وتعاليمهم، فإنَّ هذا الإقبال هو حبُّ الدنيا المذموم.

4 ـ هذا يجعلنا نفهم أنَّ ولاية أهل البيت (ع) ، والتي هي تعبير عن التوجُّه إليهم واتخاذهم قبلةً للإيمان، هي معيارة للتفريق بين ما يصلح من حُبِّ الدنيا وما لا يصلح.. بينما هو ممدوح منها وبين ما هو مذموم.. والتقوى هي التي تجعل الإنسان موفَّقاً للحصول على المعيار والقدرة على تطبيقه والإفادة منه في كلِّ آن، (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً…) [الأنفال: 29] .

5 ـ ورد في كتاب نهج البلاغة (ص346 ، برقم 224 ـ الخُطَب) ، عن الإمام عليٍّ عليه السلام، أنه قال: “إِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا. مَا لِعَلِيٍّ وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى، وَلَذَّةٍ لَا تَبْقَى؟! نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ سُبَاتِ الْعَقْلِ، وَقُبْحِ الزَّلَل”. انتهى.

لقد كان الإعراض عن الدنيا هو العنوان الكبير لسيرة أمير المؤمنين عليه السلام، وكذلك ينبغي أن يكون شيعته إذا أرادوا الاتِّصاف بالتشيُّع لعليٍّ حقًّا وصدقاً. وبقدر استمداد الإنسان من عقله، وإفاقته من السبات، سيعرض عن الدنيا ويقبل على قبلة الإيمان، ويحظى بالأمان، وبقدر قلَّة العقل يكون الإقبال على الدنيا، وبالتالي الإعراض عن أهل البيت عليهم السلام.. وفي الأمالي للمفيد (ص43) عن الإمام عليٍّ السجَّاد زين العابدين عليه السلام: “إخواني؛ أوصيكم بدار الآخرة، ولا أوصيكم بدار الدُّنيا؛ فإنَّكم عليها حريصون وبها متمسِّكون. أما بلغكم ما قال عيسى ابنُ مريم عليه السلام للحواريِّين؟ قال لهم: الدُّنيا قنطرة، فاعبروها ولا تعمروها، وقال: أيكم يبني على موج البحر داراً، تلكم الدَّارُ الدُّنيا فلا تتَّخذُوها قراراً”.

6 ـ من خلال تدبُّر معنى الزيارة وأنها وفادةٌ إلى أبواب الكرم والجود من أولياء الله، الذين هم قبلة الإيمان، وتدبُّر الارتباط بين حبِّ الدنيا والإعراض عن هذه الوفادة الشريفة، نستطيع أن نفهم السرَّ في هدم قبور البقيع وقبابها من قبل الوهابية، وكذا دعوتهم إلى هدم جميع القبور والقباب، فإنَّ السر في ذلك يكمن في أنهم أهل الدنيا وعبيدها الذين يعرضون عن هذه الوفادة، بل بلغ بهم الكفرُ حدًّا يجعلهم يبغضون الإقبال على قبلة الإيمان بكل الصور، ومنها الزيارة، بل يهدمون ما تمكَّنوا من هدمه من مواطن هذه الوفادة.. ومنه يفهم أنَّ الاعتناء بالمراقد المقدسة وبناءها هو تشييد للوفادة إلى دُور الكرم والجود الربَّاني، واهتمام بالإقبال على قبلة الإيمان، ومساعدة للإنسان على الإعراض عن الدنيا والتوجه إلى الآخرة.

والحمد لله ربِّ العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى