نور العترة

خلق الزهراء(ع)…

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ 1.

ونحن في رحاب الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، ينبغي أن نتعرف على مدى علاقتنا بسيدتنا الكبرى عليها السلام . بل وكيف نستطيع أن نكون من شيعتها حقيقة وقد فطم الله شيعتها من نار جهنم؟ إذ جاء في حديث شريف : ” إنما سميت ابنتي فاطمة لأن الله سبحانه وتعالى فطمها وفطم من أحبها من النار “2 . فإن لها سلام الله عليها وقفة على باب الجنة ، ـ كما في الرواية ـ . فإذا صارت عند باب الجنة تلتفت ، فيقول الله : يا بنت حبيبي ما التفاتك وقد أمرت بك إلى جنتي ارجعي فانظري من كان في قلبه حب لك أو لأحد من ذريتك خذي بيده فأدخليه الجنة ؛ قال ابو جعفر عليه السلام : والله يا جابر إنها ذلك اليوم لتلتقط شيعتها ومحبيها كما يلتقط الطير الحب الجيد من الحب الرديء ، فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنة يلقي الله في قلوبهم أن يلتفتوا ، فإذا التفتوا يقول الله : يا أحبائي ما التفاتكم وقد شفعت فيكم فاطمة بنت حبيبي ؟ فيقولون : يا رب أحببنا أن يعرف قدرنا في مثل هذا اليوم ، فيقول الله : يا أحبائي ارجعوا وانظروا من أحبكم لحب فاطمة ، انظروا من اطعمكم لحب فاطمة ، انظروا من كساكم لحب فاطمة ، انظروا من سقاكم شربة في حب فاطمة ، انظروا من رد عنكم غيبة في حب فاطمة فخذوا بيده وادخلوه الجنة؛ قال أبو جعفر عليه السلام : والله لا يبقى في الناس إلا شاك أو كافر أو منافق 3 .
وهنا يبرز سؤال مهم ، بل وخطير بالنسبة لنا كموالين ومحبين لأهل البيت عليهم السلام ، سؤال يرتبط ارتباطاً بمصيرنا وبمستقبلنا ، ألا وهو ما المطلوب منا ، بل ما الذي ينبغي علينا فعله في هذه الدنيا كي نكتب في الآخرة من شيعة فاطمة الزهراء عليها السلام ، ومن الموالين لها ؟

التاريخ واقع يروى و الحاضر تاريخ يرى

لعل التمهيد للإجابة عما يرتبط بمستقبل الإنسان يتطلب منا معرفة أمور شتى ، منها أن التاريخ هو واقع مضى لكنه اليوم يروى . وأن الحاضر الذي نعيشه إنما هو تاريخ يرى . إذ ليس من شيء في هذا العالم ينقضي أثره ، بل هي الصورة التي تتبدل . فما مضى من التاريخ ما زال يتفاعل مع الحاضر ، وليس هو الا جذور لهذا الحاضر والمستقبل . ومثل هذه الحقيقة مثل شجرة امتدت أغصانها وفروعها في الفضاء ، فهي وان تبدو للعيان كيانا قائماً بذاته ، لكنها في الحقيقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً حياتياً بما لها من جذور امتدت وتغلغلت في أعماق الأرض . كذلك هو الإنسان بكيانه المشاهد للعيان ، فأي فرد يعيش الآن إنما يحمل معه حقائق تاريخية وصلت إليه عبر أجداده ، وتلك التي تبدو عليه بشكل أو بآخر من خلال أفكاره وتحركاته وتصرفاته أحياناً ، بل وحتى في ملامحه الشخصية الظاهرية . فلو تسنى للإنسان أن يرى صورة جده الرابع مثلاً ، لا شك أنه سيلحظ فيه ولو بعضاً من ملامحه الخاصة .
ونحن حين نحترم السادة من ذرية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم . لأن جذورهم تتصل بشكل ما بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولان دم الرسول الطاهر ما يزال يجري في عروقهم ، ولان أخلاقه مازالت موجودة فيهم ولو بنسبة ضئيلة جداً قد لا تتجاوز الواحد من المليون . لذا فما روي في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ” احترموا أولادي وذريتي . الصالحون لأنفسهم والطالحون لي ” يعمّ كل سيّد من ذرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن كان منهم صالحاً يحترم لنسبه ولصلاحه ، ومن كان طالحاً منحرفاً يحترم لنسبه لجده .
وحين يقف الإنسان أمام مرقد أحد من ذرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يعرفه لافتقاد شجرته ، أو يقف في أحد أضرحة ذرية الأئمة عليهم السلام ليسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويبسط حوائجه في حضرة الباري عز وجل متوسلاً بالرسول وبذريته ، إنما يعني ذلك احتراماً للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، في ذريته و عترته وإطاعة لأمره .
ونحن إذ نقتدي ونسترشد فإنما نسترشد بالإمام علي عليه السلام فانه وبعد وفاة الصدّيقة فاطمة الزهراء عليها السلام كان يبكي كثيراً ، وحين يسأله عمار عن هذا الجزع ، يقول عليه السلام لعمار : كان مشيها مشي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . كذلك كانت حركاتها وصورتها . فهو عليه السلام كان يرى فيها شخص الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعد يصبر بفقدها .
فالتاريخ إذ يتمثل بالحاضر ، وليس الحاضر إلاّ وليد الماضي وابن للتاريخ ، بل الحاضر ليس إلا صورة له ، وإنما الفرق أن ذلك حديث يروى وهذا واقع يرى . وانطلاقاً من هذه الزاوية فإننا حين نمحّص أنفسنا لنعرف مدى ولائنا لسيدتنا الزهراء عليها السلام ، نقف على حقيقة أن موالاتنا لابد وان تكون بالشكل وبالطريقة التي نجعل من ذلك التاريخ وتلك السيرة العطرة الوضاءة الزكية واقعاً تنبض به الحياة الحاضرة .

الصديقة قدوة الرجال والنساء

عندما يطلب من المرأة أن تكون قدوة للنساء ، إنما يكون باعتبار الجنس وبملاحظة التقارب في السلوكية والتشابه في الخلقة . فتقول على النساء أن يقتدين بالسيدة زينب عليها السلام باعتبارها نموذجاً وقدوة لكافة النساء ، ولأنها امرأة والنساء نساء فعليهن أن يقتدين بها ويجعلنها أسوة لهن . لكن القول في الصدّيقة الكبرى لعله يأخذ صورة أخرى . فهي ليست قدوة للنساء فحسب ، بل وقدوة للرجال أيضاً ، بل هي قدوة للرجال ومن ثم النساء . ذلك لان الله تعالى خلق نوراً واحداً ثم قسمه ثلاثة أقسام؛ قسم منه هو نور نبينا الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الثاني هو نور الإمام علي عليه السلام والأئمة من ولده ، وأما الثالث من الأقسام فهو نور فاطمة الزهراء عليها السلام الذي خلق الله منه السموات والأرض .
وهذا يعني فيما يعني أنها سلام الله عليها كانت في رتبة قريبة من رتبة أبيها سيد البشرية جمعاء رجالاً ونساء . كيف لا وهي بضعة منه ، وليس بعدئذ لقائل أن يزعم إنها امرأة فحسب فيختص كونها قدوة للنساء دون الرجال ، لانها شطر وقسم من نفس النور الإلهي . فلابد للرجل وللمرأة على السواء أن يتخذن منها بخلقها الكريم وسيرتها العطرة الزكية قدوة ومناراً يهتدي به ، ويرسم الإنسان به شخصيته ويحدد معالمها .

كيف نقتدي بفاطمة عليها السلام ؟

الاعتقاد بولاية أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين انما يعني فيما يعنيه الاعتقاد بولايتهم في نهجهم وسيرتهم ، بل ويعني موالاتهم في رؤاهم وبصائرهم والتخلق بأخلاقهم واخذ المعارف والعلوم عنهم عليهم السلام . ومن هذا المنطلق يجدر بالإنسان أن يسأل نفسه عن مدى معرفته بثقافة الصديقة الكبرى سلام الله عليها ، وعن حدود اطلاعه على معارفها وكلماتها . فقد يتعلل البعض بالافتقار لصحيفتها التي كانت بإملاء جبرائيل عليه السلام ، بإملاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكتابة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، وإنها ليست موجودة فعلا بين ظهرانينا بل هي موجودة عند الإمام الحجة سلام الله عليه . الكتاب الذي ضم ـ كما في أحاديثنا ـ حتى اصغر الأمور في الشرائع . لكن هذا تعلل مرفوض وعذر مردود ، فكلماتها المضيئة مازالت وستبقى تفيض بالحياة وترسم لشيعتها بل وللناس أجمعين مسار الإنسانية القويم من خلال خطبتها التي تلألأت بين خطب الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي والإمام الحسين وسيد الساجدين عليهم أفضل الصلاة والسلام .
فالصديقة الكبرى المفجوعة بفقد أبيها ، تقف والحال هذه أمام رجال خذلوها وغصبوا حقها ولم ينصروها ، وترتجل في مسجد أبيها خطبة عصماء ، تلك الخطبة المعروفة بـ ” الخطبة الفدكية ” . والتي هي خلاصة للفكر الإسلامي والمعارف الإلهية بما انطوت عليه كلماتها من سلاسة في الأسلوب وعمق في المحتوى ، قد يعجز المتخصصون عن كشف مضامينها والوقوف على خصائصها ، لما احتوته من بيان فلسفة الخلق وحكمة خلق الإنسان وحكمة الشرائع الإلهية وبيان الواقع الاجتماعي قبل البعثة وأبانها وبعدها .
ولعلنا لا نتجاوز الحقيقة حينما نذكر انه كانت لنا جلسات عديدة سادتها مناقشة واسعة مفتوحة مع العشرات من علماء طهران وخطبائها . . لكننا ومع بذل الساعات العديدة والليالي المديدة لم نستطع ان نفسر الا القليل اليسير الذي لم يتجاوز عُشر خطبة الصديقة سلام الله عليها ، تلك الخطبة العصماء التي روتها سيدتنا زينب عليها السلام وعمرها الشريف آنذاك لم يكن يتجاوز السادسة ، ولعله مما يثلج قلوبنا ويقع موقع الاعتزاز والفخر ان نرى اليوم فقيها ومرجعا كبيرا وقد انبرى لكتابة كتاب وسماه بـ ” فقه الزهراء ” 4 استنبط فيه الفروع الفقهية الغزيرة التي تضمنتها كلمات السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، فليس بعد هذا وذاك من الإنصاف ولا المروءة بمكان ان يركن من يدعي ولايته للصديقة الكبرى سلام الله عليها إلى إضاعة هذه السويعات الثمينة من حياته وحياة أبنائه بالجلوس أمام التلفاز لمشاهدة قصص خيالية من الصين أو اليابان ، بما فيها من الترهات ، مبرراً عزوبه عن هذه الفضائل والحقائق المتمثلة بتعاليم فاطمة الزهراء سلام الله عليها بضعف في حافظته مثلا أو ما شابه ذلك من التبريرات الواهية ، بدلا من ان يسعى لتحفيظ أبنائه إياها وان لم يدركوا معانيها وحقائقها لتكون زادهم في الدنيا والآخرة ، وتلك هي الخطوة الأولى لمن أراد ان يتمثل بالصديقة عليها السلام .

من أخلاق الصديقة الكبرى

وصف الله تعالى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال عزّ من قائل : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ 5، وفاطمة سلام الله عليها نشأت متخلقة بخلق أبيها ذلك الخلق السامي العظيم ، ولعلنا ومهما حاولنا إيفاء جميع جوانب تلك الأخلاق السامية او ان نستوعبها خلال وريقات قليلة نجد أنفسنا قاصرين عاجزين عن أداء كل معانيها ، لذا فان بيان ثلاثة جوانب من ذلك السمو الخلقي ربما يفي بما نحن فيه .

عبادة فاطمة الزهراء عليها السلام

تجد في صلاتها الخلوص للواحد الأحد ، والخشوع والخضوع والاعتراف بالعبودية لله تبارك وتعالى . حيث كانت عليها السلام وكما قال الإمام الحسن عليه السلام : رأيت أمي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعتها ، فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح ، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء ، فقلت لها : يا أماه لِمَ لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت : يا بني! الجار ثم الدار 6 . ومن يدري لعلها سلام الله عليها كانت تدعو في جوف الليل والأسحار لشيعتها ومواليها ، لأنها كانت تجسد معنى الإنسانية بخلقها الكريم ، اذ هي سيدتنا وسيدة نساء العالمين وقدوة المؤمنات والمؤمنين .
وهذا الخلق المتجسد في صلاتها وتعقيباتها إن هو إلاّ مثلاًً يقتدي به كل موالٍ لها ، لان الصلاة سمة المؤمن ومعراجه ، بل هي الرابطة بين العبد وربه ، فالله سبحانه وتعالى يقول :﴿ … وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ 7وبذكره تنجلي النفوس وتسموا وترتفع وتنتهي عن كل فاحشة ومنكر ﴿ … إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ … ﴾8.

ثم ان الإنسان العاقل يجد في ذاته القدرة على ان يحدد موقعه في مختلف مناحي حياته ، فهو ولا ريب يمكنه ان يتعرف بذاته على مدى إيمانه من قوة وضعف ، ميزانه في ذلك صلاته . فالخلوص والإحساس بالخضوع والخشوع لله جلّ وعلاّ أثناء الوقوف بين يديه للصلاة علامة للإنسان بان إيمانه بخير ، كما ان الاستعداد والتهيؤ للصلاة بقلب ينبض بالحيوية والشوق عند سماع المؤذن ينادي ” حي على الصلاة ” إن هو إلا دلالة وعلامة يستدل بها ويتعرف على قوة إيمانه ورسوخه في قلبه ، والعكس صحيح هنا أيضا ، فلا يدل التثاقل والتكاسل عن تلبية نداء الرب ، الا على عدم رسوخ الإيمان . كما ان من علامات تزلزل الإيمان وعدم رسوخه ، أداؤها باعتبارها واجبا فحسب يتخلص منه الإنسان ، فيقف راكعا ساجدا دونما خلوص او خشوع ، كصلاة ذاك الإعرابي حين وقف يصلي في المسجد والنبي صلى الله عليه وآله جالس مع أصحابه ، فقال متعجبا من صلاة الإعرابي : ” نقر كنقر الغراب ، لو مات هذا وهذه صلاته لم يكن من أمتي ” 9 .
القدرة على اكتشاف مواطن الضعف وبالتالي اصلاحها هي من سمات الإنسان اللبيب ، فهو حين يشعر بضعف ما كأن يصيبه دوار في رأسه او ألم في موضع من بدنه ، لا شك انه سوف يبحث عن العلاج فيسارع الى الطبيب ليشخص الداء ويصف له الدواء . كذلك الحال حينما يتبين له ان إيمانه لم يترسخ بعد في قلبه ، او أنه يعاني من ضعف في الإيمان ، لابد وان يبحث عن مكمن هذا الضعف ومنشئه بميزان عقله الذي وهبه الله إياه ، وان يتفحص موضع المشكلة والخطأ ليشخص موضع الصواب ، وبالتالي ليصلح نفسه . وبتعبير آخر؛ متى أراد الإنسان ان يعرف ميزان الإيمان في قلبه وان يعرف حدود تكامل شخصيته وهل هي قوية صابرة إيمانية ، لابد له ان ينظر إلى صلاته ، لان الصلاة قربان كل مؤمن ، وهذه الوسيلة للنجاة وهذه الرابطة بين العبد وربه إن هي الا سبع عشرة ركعة بالضرورة ، والصلاة الحقيقية إحدى وخمسون ركعة ، منها إحدى عشرة ركعة نافلة الليل ، وركعتان نافلة الصبح . وثماني ركعات نافلة الظهر قبل الفريضة ، وثماني ركعات نافلة العصر قبل الفريضة أيضا وأربع ركعات نافلة المغرب بعد الفريضة ، وركعتان من جلوس نافلة العشاء ؛ تحسب بركعة من قيام ، هذه النوافل مع الفرائض إن هي الا إحدى وخمسين ركعة هي من علامات المؤمن ، بل وبركة لعمره يرتقي الإنسان الى مراتب السمو والعروج الى الله تعالى والقرب منه .
وربما يتساءل البعض عن إمكان أداء نافلة الليل قبل الذهاب إلى النوم متعللا بأسباب قد تبدوا من وجهة نظره وجيهة ، إذ ان وقت صلاة الليل من بعد صلاة العشاء الى الفجر ، والواقع كذلك ، فهناك من لا يستيقظ لصلاة الليل لعلة او أخرى ، ولكن الأفضل ان تصلى النافلة بعد منتصف الليل والأفضل ان تصلى في الثلث الأخير منه ، وأداؤها كذلك ربما يصعب على البعض او يمنعه الشيطان عن أدائها ، لكن الإرادة الإيمانية القويمة هي التي تنتشل المؤمن من هذه المعاناة ، وليست هي الا تجربة وتمرين ، فالإنسان إذا ما صلى في ليلة ركعتين هدى ثوابها للصديقة الكبرى سلام الله عليها ، ومرّن نفسه على ذلك ليال ثم يزيدها إلى أربع ركعات ومن بعدها إلى ست ركعات ثم ثمان ثم عشرة ثم إحدى عشرة ، وبمرور الليالي سينهض في الثلث الأخير من الليل وكأن أحدا يوقظه ، بل سيكون في موقع جدير بأن يوكل الله تعالى ملكا خاصا به ينهضه للصلاة ، وتلك سجية المؤمن بالله تعالى وخلق الموالي للصديقة سلام الله عليها .
ونحن اذ ندعو الى الصلاة نعلم يقينا ان من ندعوه من اهل الصلاة ، لكننا بدعوانا نود ان نؤكد على ضرورة التعمق بالصلاة أولاً ، ولان النوافل تجبر الفرائض ثانياً ، ففي حديث للامام الصادق عليه السلام ما معناه ان الانسان إذا اراد ان تكون صلواته اليومية المفروضة صحيحة لابد ان يجبرها بالنوافل .

تصدي الصديقة الكبرى لشؤون الأمة

تصدي الصديقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها سمة من سمات خلقها العظيم . فلم تكن يوما ما بمعزل عن أمة أبيها ، سيما وهي التي نشأت وترعرت في بيت الرسالة المحمدية السمحاء التي جاءت لإنقاذ مجتمع خيم عليه ظلام الجهل واستحوذت عليه العصبية القبلية ، وليس ادل على ذلك من وقوفها سلام الله عليها إلى جنب الرسالة وحضورها في الساحة ابان البعثة وفيما بعدها في كل قضية وكل موقع وموقف ، فقد كانت ومنذ صغرها خير مواسي لأبيها وهو يتعرض لأذى الحاقدين على الرسالة الجديدة ، فتراها تمسح جبينه الشريف بيديها الشريفتين الصغيرتين ، وبعد رحيله صلى الله عليه وآله ما فتأت تدافع عن الدين وتدافع عن الرسالة والقيم ، وكان وقوفها الى جنب إمامها وقسيمها في النور الإلهي حين أنكر عليه وعليها المنكرون ، وجحدهما الجاحدون ، وراحت تتصدى لشؤون أمة أبيها . ولعل آخر موقف بينها وبين أمير المؤمنين عليه السلام بكاؤها ، حيث يقول لها الإمام عليه السلام : يا بنت رسول الله لم بكاؤك ؟ فتقول عليها السلام : أبكي لما تلقى أنت يا علي من بعدي . وهذا يعني فيما يعنيه تصديها لشؤون الأمة واهتمامها بمستقبل الإسلام والمسلمين بعد رحيلها لما سيلقاه أمامها عليه السلام من المتاعب والمصاعب .

ولاية الصديقة لإمامها مطلقة

معرفة ما هو حق والاعتراف والإذعان بهذا الحق من الأخلاق السامية النبيلة التي يتحلى بها الإنسان ، وفاطمة عليها السلام أولى بهذه السمة وهذا الخلق الرفيع ، لانها نشأت على الحق .
فهي أول من كان على حق ومع الحق ، وأول من كان ينتفض على الباطل . ومن هنا كانت ولايتها للإمام أمير المؤمنين عليه السلام مطلقة لا تشوبها شائبة ، ثم ان مقام الصديقة الكبرى سلام الله عليها هو مقام الكفء للإمام علي عليه السلام ، ولولا علي لما وجد كفء لها . وهي سلام الله عليها شطر النور الذي قسمه الله تبارك وتعالى على نبيه ووصيه والأئمة من ولده وعلى فاطمة الزهراء صلوات الله عليهم أجمعين ، ومع ذلك كله ومع هذه المرتبة السامية للصديقة سلام الله عليها كانت موالية ولاية مطلقة لأمير المؤمنين عليه السلام ، فهي حينما تعود من إلقاء خطبتها تستحث الإمام لطلب حقها من الغاصبين ، فيقول لها : احتسبي الله ـ وما يكون منها سلام الله عليها الا ان ـ قالت : حسبي الله ، وأمسكت 10 . ولم تنبس ببنت شفة بعدئذ . فهي بذلك جسدت موقفا جليلا بحد ذاته عظيما في معناه ومحتواه ، فلقد جسدت معنى الطاعة والخضوع لإمامها وأظهرت معنى الولاية ، وهي ابنة سيد الخلائق أجمعين ، ذلك الخضوع والتسليم للإمام الذي رافقها حتى بعد وفاتها سلام الله عليها ، وبعد ما وضعت في قبرها الشريف ودفنت حيث سألوها عن إمامها فقالت : إمامي هذا الجالس على القبر . وتلك هي سمات علو المرتبة وصفات المؤمن التي ينبغي ان يتصف بها ويتحلى بها كل موالي للصديقة الكبرى سلام الله عليها ، وتلك هي الأخلاق السامية التي لابد ان نتمثلها في حياتنا ، وحينها تقوى أواصرنا وتتوثق علاقتنا بسيدتنا الزهراء سلام الله عليها ، فننال شفاعتها يوم القيامة ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ 11. بقلب خالص يحب أهل البيت ومتخلق بأخلاقهم صلوات الله عليهم أجمعين .

عظمة فاطمة عليها السلام

القرآن الكريم يحدثنا عن مريم ابنة عمران عليها السلام وهي ما زالت موجودة في بطن أمها ، وذلك قبل ما يقارب الألفي عام ، والله سبحانه وتعالى انما ذكر قصة مريم لانها قصة حية مازالت تحيا في الأمة الإسلامية مفسرة بفاطمة الزهراء سلام الله عليها ، واختيار الله الواحد الأحد لمريم وتقبله إياها وهي في بطن أمها ، حيث يقول القرآن الكريم : ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ … ﴾ 12وكان ذلك عندما دعت أمها وقالت : ﴿ … وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ 13حينما جعلت ام مريم ما في بطنها محرراً لله تعالى ، فتقبلها واصطفاها وهي صغيرة ، وكان ذلك قبل قرون مديدة من بزوغ نورالإسلام .
والاية الكريمة وردت تفسيرها في مريم عليها السلام ، وتأويلها وحقيقتها وجوهرها وعمقها في سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، جعلنا الله من شيعتها ومواليها وأنالنا شفاعتها يوم الدين ، سائلين ان يقيض لنا ابنها الإمام الحجة المنتظر سلام الله عليه ليثأر لها ويأخذ بظلامتها ويعرّف الناس بعض حقها 14 .

  • 1. القران الكريم: سورة آل عمران (3)، الآيات: 33 – 37، الصفحة: 54.
  • 2. بحار الأنوار ، ج43 ،ص15 .
  • 3. ) بحار الأنوار ، ج8 ، ص52 .
  • 4. العالم الذي كتب ” فقه الزهراء ” آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي .
  • 5. القران الكريم: سورة القلم (68)، الآية: 4، الصفحة: 564.
  • 6. بحار الأنوار ، ج43 ، ص 81 .
  • 7. القران الكريم: سورة طه (20)، الآية: 14، الصفحة: 313.
  • 8. القران الكريم: سورة العنكبوت (29)، الآية: 45، الصفحة: 401.
  • 9. بحار الأنوار ، ج81 ، ص234 .
  • 10. بحار الأنوار ، ج8 ، ص112 .
  • 11. القران الكريم: سورة الشعراء (26)، الآية: 88 و 89، الصفحة: 371.
  • 12. القران الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 37، الصفحة: 54.
  • 13. القران الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 36 و 37، الصفحة: 54.
  • 14. فاطمة الزهراء عليها السلام قدوة الصديقين ، آية الله السيد محمد تقي المدرسي ، الناشر : دار محبي الحسين (ع) ، قطع : رقعي ، الطبعة : الأولى .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى