مقالات

إستقامة القلب والعمل…

أنا كغيري من البسطاء يؤثر فينا المحسوس والملموس أكثر من أي شيء آخر ، لذلك يراودنا العجب حين نرى متدينا يطيل سجوده ثم يأكل لحم الناس بالغيبة ، و يستحل كرامتهم بالذكر السيىء .
لا يخدعنا كثيرا صاحب المسبحة الذي لا تنفك شفتاه تسبحان و تشكران الله سبحانه و تعالى ، و نحن نرى أولاده و عائلته يتجرعون منه الذل و الهوان ، و نسمع جيرانه يشكون من سوء خلقه و انفلات لسانه معهم .
أصبحت المظاهر آخر ما يفكر فيه العقلاء ، لأن عقولهم تدفعهم إلى معرفة جوهر الرجال بعيدا عن ( البرستيج ) و الشكل الذي يحبون أن يراهم الناس عليه ، لقد سألني مرة أحد الأعزة عن صديق لي تقدم لطلب ابنته قائلا : هل هو ملتزم ؟ سألته و ما قصدك بالملتزم ؟ فسألني عن لحيته و عن حضوره للمسجد و عن سماعه للغناء و قراءته للقرآن ؟
تعجبت كثيرا و قلت له : نعم له هذه المظاهر الدينية ، فاستغرب من قولي مظاهر دينية ، و سألني عن قصدي ؟ قلت له : اسأل بعد ذلك عن علاقته مع والديه و أصدقائه في العمل ، و تصرفه في الأمانات ، و كرمه و كرامته ، و بخله و تحمله للمسؤولية ، و نظرته للمرأة ، و كل الأمور الحياتية العملية ، ثم طابقها مع المسجد و اللحية و غيرها من المظاهر ، حتى لا تصل إلى نتيجة أن الإيمان النظري قوي و واقع العمل به هزيل .
لقد ورد في الأثر ( إن الله لا ينظر إلى صوركم و أموالكم و لكن إلى قلوبكم و أعمالكم ) و ورد كذلك ( من لم يدع قول الزور و العمل به و الجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه و شرابه ) و ورد ( لا تغرنك صلاة الرجل و لا صيامه من شاء صام و من شاء صلى ، و لكن لا دين لمن لا أمانة له ) .
إن أكثر ما يحز في النفس هو أن تسمح لك ظروف قاهرة أن تطلع على حياة بعض أصحاب المظاهر الدينية و أصحاب الضجيج و البكاء العالي من خوف الله في المحاضر العامة ، فتكتشف واقعا صادما مريرا ، ترى فيه الزبد و الهراء يعلو علاقاتهم مع زوجاتهم و أولادهم و معاملاتهم المادية و حفظهم للأمانات و تحملهم للمسؤولية .
تجاوزنا مرحلة الصغر التي كنا نعطى القمر فيها بيد و الشمس باليد الأخرى بكلام حلو عسلي ، و بدأنا نطابق بين القول و بين الواقع ، بين الخطب الرنانة في آذاننا و بين المشاهد التي نراها بأم أعيننا .
ان تنجح العملية الدينية أو التدينية في حياة الإنسان و هو موغل في تجاوز الخطوط الحمر خارج المسجد ، و بعد لحظات التهجد و التنسك ، فهذه معادلة غير واضحة على صعيد الفرد ، و لن تكون مقبولة و واضحة لو مارسنا كأفراد و مؤسسات أمثالها على صعيد المجتمع .
لا يمكن لأي وزارة و في أي بلد كان أن تقنعنا أن اقتصادها لم يتأثر بالأزمة العالمية بسبب التدابير الناجحة التي اتخذتها تلك الوزارة ، بينما يصرخ المستثمرون و يستنجدون بمنقذ يحفظ لهم و لو الربع من أصول أموالهم .
لا يمكن أن تكون التدابير ناجحة و صادقة و الناس يلحظون في حياتهم غيابا مقلقا للطبقة الوسطى في مجتمعاتهم و زيادة نسبة الفقر ، و تفشي الحاجة و العوز بين المستورين و المتعففين في هذا البلد أو ذاك .
لن نصغي كثيرا لمؤسسات و نقابات و هيئات حقوق الإنسان في أي بلد كان و هي تتشدق بنجاح خططها و تقدم خطواتها و كثرة منشوراتها و اجتماعاتها و مهرجاناتها حتى نرى الإنسان كريما آمنا مطمئنا بالفعل على قوته و دينه و رأيه و حريته .
نعم سنقبل بذلك كخطوة في الطريق ، و سنتجاوب قاصدين دفع المساعي الخيرة كي تصل مبتغاها ، فنشجعها و نشد على يد من يعمل لأجلها ، و نساعد على نشر ثقافتها ، من دون أن تكون مظاهرها مقاييس نحكم على الأمور بسببها .
لا يمكن دائما التصفيق لعمليات ناجحة يموت فيها المرضى ، و يكرم فيها الأطباء فوق جثث قتلاهم ، قد يحدث ذلك اتفاقا و لمريض بين ألف مريض ، لكن أن تكون السمة المتكررة هي الخطط الناجحة و الواقع المريض ، فهذا يستدعي أن تقرأ كل جهة و مؤسسة و دائرة نجاحها بعين لم يصبها العمى 1 .

  • 1. الشيخ محمد الصفار ـ « صحيفة اليوم » ـ 20 / 12 / 2008 م ـ 4:36 ص .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى