مقالات

اضاءات تاريخية لفهم كربلاء …

الفرق كبير وشاسع بين قراءة التاريخ وأخذه من الشياع العام والمتعارف، وبين قراءة التاريخ ووعيه من معاصر عاش وساهم واشترك في أحداثه وصنع جزءًا منها، مهما اختلفنا في مقدار صناعته ومشاركته في تلك الأحداث.

أهمية كتب المذكرات للكثير من القادة والزعماء والعسكريين والقريبين من صنع أو صنّاع القرار، تكمن في أنها قريبة من الحقيقة، وذات مصداقية أوفر، وتركز على المعلومة أكثر من مجرد التحليل.
يمكن التعامل مع النصوص والوثائق التاريخية بالنفس ذاته الذي نثق به في غالبية المذكرات، بل ربما يكون الميل إلى التعامل الجاد مع الوثائق التاريخية متفوقاً على المذكرات المجردة.
في واقعة كربلاء  يمكن الاستعانة وبوثاقة شديدة، بالعديد من النصوص الواردة عن زينب بنت علي لمعرفة القراءة السليمة لما جرى على تلك الأرض العام 61 للهجرة.
هذه القراءة ستساهم بلا ريب في معرفة شخصية هذه المرأة في صورتها الحقيقية بعيداً عن الصور التي حوّلتها إلى صورة امرأةِ مكسورةٍ وحائرةٍ وذليلة. «فكد كيدك واسعَ سعيك وناصب جهدك، فوالله لن تمحو ذكرنا ولن تميت وحينا»، هذا نص لخطبة من خطبها يدل على أن قراءتها للمعركة لا تتلخص في أرض كربلاء، بل تراها معركة ساحتها التاريخ والمستقبل، معركة بين قيم ومبادئ وركائز إنسانية ودينية، وبين محاولات الاستبداد وتغيّر المفاهيم وتشويه إنسانية الانسان وكرامته.
المعركة مستمرة في فكر زينب ولم تنتهِ بتلك الساعات القليلة التي مرت، لأنها معركة أكبر من الحدود التي حاول الكثيرون محاصرتها فيها، وإيقاف تداعياتها عندها.
• جميع الخطب التي خطبتها زينب تدل على أن الفعل الاعلامي كان قد أعد وجهّز لما بعد الحادثة كي يدخل سلاحاً مؤثراً في الحسم المستقبلي للمعركة، إذ إن الكثير من الأفعال والممارسات قد تفسر بطريقة ترتد على أصحابها بشكل سلبي، وبقراءات توحي بخطأ أصحابها والمشتركين فيها، وقد يحولون إذا ما فقدوا القدرة على التعاطي الإعلامي الفاعل إلى مجرمين وخارجين عن السياق والقانون والدين.
حين سئلت زينب: «كيف رَأَيْتِ صُنعَ اللهِ بأَخيكِ وأَهلِ بيتِكِ؟
قالَتْ: ما رأَيْتُ إِلا جميلاً، هَؤُلاءِ قَوْمٌ كتبَ اللهُ علَيهِمُ الْقتلَ فبرزُوا إِلَى مضاجِعِهِمْ».
في هذا النص تصوير شجاع لرباطة الجأش والتجلد في الحوادث والمصائب التي تحل على الإنسان وهو يتحرك باتجاه كرامته ومبادئه.
الانكسار ممنوع، وإظهار الضعف ممنوع، وإشعار الآخر بأي نصر لأنه بطش هو ضياع للقضية وإماتة لها، والبديل عن ذلك، فلسفة كل المصائب لتتحول إلى وقود وشحن جديد يدفع باتجاه الحسم وإن طال الأمد وامتدت الأيام.
• واقعة كربلاء تُظلم إذا قُرئت من زاوية المأساة والمصيبة، لأن هذا سيحقق الانكسار الذي لم تسمح به زينب، ولم يسمح به أحدٌ ممن كان في ركب الحسين ، وعلى رأسهم ابنه علي زين العابدين ، والذي نحتاج إلى قراءة الكثير من خطبه وكلماته بعد معركة كربلاء.
إن قراءة كربلاء من زاويتها الحزينة فقط سيفوِّت علينا الكثير من معانيها وقيمها1.

لمزيد من المعلومات يمكنكم مراجعة الروابط التالية:

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى