محاسن الكلام

(١){هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ(٢)}سورة الأنعام

قوله تعالى: «هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضىٰ أَجَلاً» يشير إلى خلقه العالم الإنساني الصغير بعد الإشارة إلى خلق العالم الكبير فيبين أن الله سبحانه هو الذي خلق الإنسان و دبر أمره بضرب الأجل لبقائه الدنيوي ظاهرا فهو محدود الوجود بين الطين الذي بدأ منه خلق نوعه و إن كان بقاء نسله جاريا على سنة الازدواج و الوقاع كما قال تعالى: «وَ بَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنْسٰانِ مِنْ طِينٍ‌، `ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاٰلَةٍ مِنْ مٰاءٍ مَهِينٍ‌» : (السجدة: ٨).

و بين الأجل المقضي الذي يقارن الموت كما قال تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ اَلْمَوْتِ ثُمَّ‌ إِلَيْنٰا تُرْجَعُونَ‌» : (العنكبوت: ٥٧) و من الممكن أن يراد بالأجل ما يقارن الرجوع إلى الله سبحانه بالبعث فإن القرآن الكريم كأنه يعد الحياة البرزخية من الدنيا كما يفيده ظاهر قوله تعالى: «قٰالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ‌، قٰالُوا لَبِثْنٰا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ‌ اَلْعٰادِّينَ‌، قٰالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّٰ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‌» (المؤمنون ١١٤)، و قال أيضا: «وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسّٰاعَةُ يُقْسِمُ اَلْمُجْرِمُونَ‌، مٰا لَبِثُوا غَيْرَ سٰاعَةٍ كَذٰلِكَ كٰانُوا يُؤْفَكُونَ‌ ، و قال اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ وَ اَلْإِيمٰانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتٰابِ اَللّٰهِ إِلىٰ يَوْمِ اَلْبَعْثِ فَهٰذٰا يَوْمُ اَلْبَعْثِ وَ لٰكِنَّكُمْ‌ كُنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ‌» : (الروم: ٥٦).

و قد أبهم أمر الأجل بإتيانه منكرا في قوله: «ثُمَّ قَضىٰ أَجَلاً» للدلالة على كونه مجهولا للإنسان لا سبيل له إلى المعرفة به بالتوسل إلى العلوم العادية.

قوله تعالى: «وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ‌» تسمية الأجل تعيينه فإن العادة جرت في العهود و الديون و نحو ذلك بذكر الأجل و هو المدة المضروبة أو آخر المدة باسمه، و هو الأجل المسمى، قال تعالى: «إِذٰا تَدٰايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ‌» : (البقرة: ٢٨٢) و هو الأجل بمعنى آخر المدة المضروبة، و كذا قوله تعالى: «مَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ اَللّٰهِ فَإِنَّ أَجَلَ‌ اَللّٰهِ لَآتٍ‌» :(العنكبوت: ٥) و قال تعالى في قصة موسى و شعيب: «قٰالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ‌ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هٰاتَيْنِ عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ إلى أن قال قٰالَ ذٰلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ أَيَّمَا اَلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاٰ عُدْوٰانَ عَلَيَّ‌» : (القصص ٢٨) و هو الأجل بمعنى تمام المدة المضروبة.

و الظاهر أن الأجل بمعنى آخر المدة فرع الأجل بمعنى تمام المدة استعمالا أي أنه استعمل كثيرا «الأجل المقضي» ثم حذف الوصف و اكتفي بالموصوف فأفاد الأجل معنى الأجل المقضي، قال الراغب في مفرداته: يقال للمدة المضروبة لحياة الإنسان «أجل» فيقال: دنا أجله عبارة عن دنو الموت، و أصله استيفاء الأجل، انتهى.

الميزان في تفسير القرآن ج٧ ص٨.
__
#محاسن_الكلام #مدرسة_أهل_البيت

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى