محاسن الكلام

(٣){لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وَ مَا تَأَخَّرَ وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا(٢)}سورة الفتح

على أن من الذنوب و المعاصي مثل الشرك بالله و افتراء الكذب على الله و الاستهزاء بآيات الله و الإفساد في الأرض و هتك المحارم، و إطلاق مغفرة الذنوب يشملها و لا معنى لأن يبعث الله عبدا من عباده فيأمره أن يقيم دينه على ساق و يصلح به الأرض فإذا فتح له و نصره و أظهره على ما يريد يجيز له مخالفة ما أمره و هدم ما بناه و إفساد ما أصلحه بمغفرة كل مخالفة و معصية منه و العفو عن كل ما تقوله و افتراه على الله، و فعله تبليغ كقوله، و قد قال تعالى: «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ اَلْأَقٰاوِيلِ لَأَخَذْنٰا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنٰا مِنْهُ اَلْوَتِينَ‌» : الحاقة: ٤٦.

و من ذلك: قول بعضهم: إن المراد بمغفرة ما تقدم من ذنبه مغفرة ما تقدم من ذنب أبويه آدم و حواء (ع) ببركته (ص) و المراد بمغفرة ما تأخر منه مغفرة ذنوب أمته بدعائه.

و فيه ورود ما ورد على ما تقدم عليه.

و من ذلك: أن الكلام في معنى التقدير و إن كان في سياق التحقيق و المعنى: ليغفر لك الله قديم ذنبك و حديثه لو كان لك ذنب.

و فيه أنه أخذ بخلاف الظاهر من غير دليل.

و من ذلك: أن القول خارج مخرج التعظيم و حسن الخطاب و المعنى: غفر الله لك كما في قوله تعالى: «عَفَا اَللّٰهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ‌» : التوبة: ٤٣.

و فيه أن العادة جرت في هذا النوع من الخطاب أن يورد بلفظ الدعاء.
كما قيل.

و من ذلك: أن المراد بالذنب في حقه (ص) ترك الأولى و هو مخالفة الأوامر الإرشادية دون التمرد عن امتثال التكاليف المولوية، و الأنبياء على ما هم عليه من درجات القرب يؤاخذون على ترك ما هو أولى كما يؤاخذ غيرهم على المعاصي المعروفة كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

و من ذلك: ما ارتضاه جمع من أصحابنا من أن المراد بمغفرة ما تقدم من ذنبه و ما تأخر مغفرة ما تقدم من ذنوب أمته و ما تأخر منها بشفاعته (ص)، و لا ضير في إضافة ذنوب أمته (ص) إليه للاتصال و السبب بينه و بين أمته.

و هذا الوجه و الوجه السابق عليه سليمان عن عامة الإشكالات لكن إشكال عدم الارتباط بين الفتح و المغفرة على حاله.

و من ذلك: ما عن علم الهدى رحمه الله إن الذنب مصدر، و المصدر يجوز إضافته إلى الفاعل و المفعول معا فيكون هنا مضافا إلى المفعول، و المراد ما تقدم من ذنبهم إليك في منعهم إياك من مكة و صدهم لك عن المسجد الحرام، و يكون معنى المغفرة على هذا الإزالة و النسخ لأحكام أعدائه من المشركين أي يزيل الله تعالى ذلك عنك و يستر عليك تلك الوصمة بما يفتح لك من مكة فتدخلها فيما بعد.

و هذا الوجه قريب المأخذ مما قدمنا من الوجه، و لا بأس به لو لم يكن فيه بعض المخالفة لظاهر الآية.

الميزان في تفسير القرآن ج١٨ ص٢٥٣.
__
#محاسن_الكلام #مدرسة_أهل_البيت

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى