مقالات

القرآن الكريم…

مسألة خلق القرآن الكريم مسألة كلامية 1 ترتبط بالعقيدة الإسلامية ، و هي من فروع أصل التوحيد و صفات الله عَزَّ و جَلَّ .
و لقد أثيرت هذه المسألة بشكل واسع خلال عقود من الزمن في العصر العباسي ، و بلغ الصراع ذروته في عصر المأمون العباسي 2 فأحدث الخوض في هذا الموضوع ضجة كبيرة و نقاشاً واسعاً استمر زمناً طويلاً أعقبته فتنة و محنة عمَّت العلماء و أصحاب الرأي في مختلف البلاد الإسلامية .
و رغم أن هذه المسألة ـ باعتبارها مسألة كلامية ـ كان لا بُدَّ لها من أن تناقش و تعالج بروح علمية خالصة و تبحث من خلال النقاش و الحوار العلمي ، و يُحتكم فيها إلى الأدلة و البراهين العقلية و الفلسفية و النصوص الدينية القطعية لحل عقدة النزاع و الاختلاف فيها ، إلا أن هذه المسألة أخذت منحى آخر ، و خرجت من دائرة الخلاف الفكري و أصوله ـ بعدما التزم المأمون العباسي القول بخلق القرآن ـ فأخذت طابعاً سياسياً ، كما و استُغلت هذه المسألة لإقصاء الخصوم السياسيين أو تصفيتهم ، فصارت مبرراً بيد السلطة للقضاء على حرية الفكر و العقيدة و حرية التعبير عنهما ، كل ذلك باسم الدين و باسم الدفاع عن العقيدة الإسلامية ، فصارت أشبه بحملة تفتيش لعقائد العلماء و أصحاب الرأي ، فامتُحن العلماء بسبب هذه المسألة المُتَعَمَّد إثارتها امتحاناً شديداً ، و كان السجن أو النفي و التشريد أو القتل مصير كل عالم لا يقول بمقالة المأمون من العلماء .

مسألة خلق القرآن تاريخياً :
لو تتبعنا مبدأ طرح مسألة خلق القرآن تاريخياً لوجدنا أنها طُرحت لأول مرة من قِبَل النصارى ، فهي من المكائد التي حاكها أعداء الإسلام الصليبيون للتشكيك في عقائد المسلمين و زلزلة معتقداتهم ، و هذه الشبهة من اختراع الثُلَّة التي كانت تُعَشعِش في البلاط الأُموي ، و على رأسهم يوحنا الدمشقي 3 .
و لقد طُرحت هذه الشبهة آنذاك من خلال المغالطة و التلاعب بالكلمات و معانيها المتعددة ، و من خلال الخلط بين المفاهيم و تشويهها بُغية الوصول إلى مزاعم باطلة ، فتمَّ عرضها بالصورة التالية :
بما أن القرآن عَدَّ النبي عيسى بن مريم ( عليه السَّلام ) ( كلمة اللّه ) حيث قال : ﴿ … إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ … ﴾ 4 فاستغل يوحنا الدمشقي هذه الآية لإثبات قِدَم ” المسيح ” ، فبثَّ الخلاف و الشك بواسطة هذه المسالة بين المسلمين عن طريق المغالطة ، فكان يسألهم : أ كلمة اللّه قديمة 5 أم لا ؟
فإن قالوا : كلمة الله قديمة .
قال : ثبتت دعوى النصارى بأنّ عيسى قديم ، لأنّه كلمة اللّه حسب تعبير كتابكم .
و إن قالوا : لا ، أي أن كلمة الله ليست بقديمة .
قال : زعمتم إن كلامه مخلوق ( أي مختلق مكذوب على اللّه ) يريد به المعنى الآخر لكلمة ” مخلوق ” .
فكان يجعل المسلمين على مفترق طريقين باطلين :
و هكذا هيمن هذا الرجل الماكر على السُّذّج من الناس و جرَّ المحدِّثين إلى القول بأنّ القرآن قديم حذراً من أن يقولوا بأنه مختلق !
و قد غاب عنهم :
أوّلاً : أن نقيض قولهم : القرآن قديم ، هو كونه حادثاً 6 ، و القول بالحدوث لا يترتب عليه أي فساد .
و ثانياً: أن قولهم مخلوق ليس بمعنى ” مختلق ” ، أعني : ما يومي إليه قول القائل الذي حكاه سبحانه في كتابه : ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾ 7 ، بل بمعنى أن الله عَزَّ و جَلَّ خلقه و أنزله بعلمه على قلب سيّد المرسلين ، فلا فرق بين القرآن و سائر الموجودات في أنّ الجميع مخلوق له سبحانه .
و ممّا يؤيد أن فكرة قِدَم القرآن تعود إلى أهل الكتاب ما رواه ابن النديم في فهرسته قال : قال أبو العباس البغوي : دخلنا على ” فثيون ” النصراني و كان دار الروم بالجانب الغربي ، فجرى الحديث إلى أن سألته عن ابن كلاب ( الذي كان يقول بأنّ كلام اللّه هو اللّه ).
فقال : رحم اللّه عبد اللّه كان يجيء فيجلس إلى تلك الزاوية و أشار إلى ناحية من البيعة 8 و عنّي أخذ هذا القول ( كلام اللّه هو اللّه ) ، و لو عاش لنَصَّرنا المسلمين “.
قال البغوي : و سأله محمد بن إسحاق الطالقاني ، فقال : ما تقول في المسيح ؟
قال: ما يقوله أهل السنّة من المسلمين في القرآن 9 .
فمسألة ” خلق القرآن ” هي في حقيقتها ليست إلاَّ واحدة من الشبهات و التشكيكات التي إخترعها أعداء الإسلام في العصر الأموي ثم اُعيد طرحها في أوائل القرن الثاني في عصر المأمون و امتدت هذه الفتنة إلى عصر المتوكّل العباسي و ما بعده 10 .
فقد كان أحمد بن أبي دؤاد في عصر المأمون كتب إلى الولاة في العواصم الإسلامية أن يختبروا الفقهاء و المحدّثين في مسألة خلق القرآن ، و فرض عليهم أن يعاقبوا كلّ من لا يرى رأي المعتزلة في هذه المسألة .
و جاء المعتصم و الواثق فطبقا سيرته و سياسته مع خصوم المعتزلة ، و بلغت المحنة أشدّها على المحدثين ، و بقي أحمد بن حنبل ثمانية عشر شهراً تحت العذاب فلم يتراجع عن رأيه .
و لما جاء المتوكل العباسي نصر مذهب الحنابلة و أقصى خصومهم ، فعند ذلك أحس المحدّثون بالفرج ، و أحاطت المحنة بأُولئك الذين كانوا بالأمس القريب يفرضون آراءهم بقوة السلطان.
فهل يمكن عدّ مثل هذا الجدال جدالاً إسلامياً ، و قرآنياً ، لمعرفة الحقيقة و تبيينها ، أو أنّه كان وراءه شيء آخر 11 .
ما المقصود بخلق القرآن ؟
لمعرفة الرأي الصائب في مسألة خلق القرآن و قِدَمِه لا بُدَّ لنا ـ قبل الخوض في البحث و استعراض أدلة القائلين بخلق القرآن أو بقِدَمه ـ من أن نُلقي الضوء أولاً على بعض الأمور و نبيِّن معنى بعض المفردات و المصطلحات التي لها علاقة بهذا الموضوع .
معنى الخلق في اللغة :
قال العلامة اللغوي ابن منظور : الخَلْقُ في كلام العرب : ابتِداع الشي‏ء على مِثال لم يُسبق إِليه ، و كل شي‏ء خَلَقه الله فهو مُبْتَدِئه على غير مثال سُبق إِليه ، ﴿ … أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ 12 ، 13 .
معنى الخلق في المصطلح الديني :
لا يختلف معنى ” الخلق ” في مصطلح علماء الدين عن معناه اللغوي ، فالمقصود بخلق القرآن دينياً هو أنه مخلوقٌ بمعنى أنه حادث غيرُ قديم ، أي أنه موجود مسبوق بالعدم ، فهو كائنٌ بعد أن لم يكن ، أي أن الله عَزَّ و جَلَّ خلقه بعد أن لم يكن موجوداً .
و من يقول بعدم خلق القرآن يرى أن القرآن ليس بحادث ( غير مخلوق ) ، بل هو موجود غير مسبوق بالعدم .
ما يؤول إليه قبول أي واحد من القولين :
و لسائل أن يسأل : ما الفرق بين هذين الرأيين من حيث ما سيؤول إليه الأخذ بأي منهما ؟
و في الجواب نقول : إن من يقول بخلق القرآن يرى بأن القرآن كلام الله عَزَّ و جَلَّ ، و يرى أن كلام الله سبحانه و تعالى فعل الله .
لكن من يرى بأن القرآن غير مخلوق ـ أي غير مُحدث ـ يرى بأن القرآن قديم ، و لازم هذا القول كون القرآن أزلياً 14 و هو مستحيل و باطل كما هو واضح ، حيث أنه لا أزلي إلا الله عَزَّ و جَلَّ .
قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السَّلام ) و هو يفسِّر الأمر التكويني : ” … يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ : كُنْ ، فَيَكُونُ ، لَا بِصَوْتٍ يَقْرَعُ ، وَ لَا بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ ، وَ إِنَّمَا كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَ مَثَّلَهُ ، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً ، وَ لَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلَهاً ثَانِياً … ” 15 .
الآيات القرآنية و مسألة خلق القرآن :
تُصرح الآيات القرآنية بأن كلام الله ( القرآن الكريم ) مُحْدَث ، و هو مخلوق لله عَزَّ و جَلَّ .
قال الله جَلَّ جَلالُه : ﴿ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ 16 .
و قال عَزَّ و جَلَّ : ﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ﴾ 17 .
ماهية كلام الله و منشأ الخلاف فيه :
لا خلاف بين المسلمين في أن الله عَزَّ و جَلَّ متكلم ، و لقد صرح القرآن الكريم بذلك في عدد من الآيات الكريمة ، كما في قول الله تعالى : ﴿ … وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ 18 . و قوله جَلَّ جَلالُه : ﴿ وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ 19 .
لكن الخلاف في ماهية و حقيقة كلام الله عَزَّ و جَلَّ .
أما منشأ الخلاف في كلام الله ( القرآن ) فيعود إلى حدوث الخلط بين صفة ” التكلُّم ” التي هي من صفات الذات الإلهية ، و بين ” كلام الله ” الذي هو من الصفات الفعلية .
و لقد أجاد العلامة الفضلي ( حفظه الله ) في تبيين نقطة الخلاف هذه لدى ردِّه على القائلين بالكلام النفسي 20 ، حيث قال : … أن يكون مقصودهم من الكلام : التكلم .
و يفهم هذا من قولهم بأنه ( وصف ) .
و أقول هذا ، لأن الكلام بما هو أثر لا يمكن الاتصاف به ، أي لا يمكن أن يكون صفة للذات إلا إذا قلنا إن المراد به هو ( التكلم ) .
و لذا يقال : ( اللّه متكلم ) ، و لا يقال : ( اللّه كلام ) . و هذا هو الأقرب في تحليل و بيان مرادهم من الكلام النفسي .
و لكن على أساس هذا يشكل عليهم :
بان التكلم من الصفات الفعلية لا الذاتية .
و الفرق بين الصفة الفعلية و الصفة الذاتية هو : أن الصفة الذاتية ( مثل القدرة و العلم و الحياة ) يستحيل اتصاف الذات الإلهية بنقيضها ، فلا يقال : ( اللّه عالم بكذا ) و ( ليس عالماً بكذا ) .
أما الصفات الفعلية ( مثل الخلق و الرزق ) فيمكن اتصاف الذات الإلهية بها في حال و بنقيضها في حال آخر ، فيقال : ( إن اللّه خلق كذا ولم يخلق كذا ) و يقال : ( إن اللّه رزق فلاناً ولداً ذكراً و لم يرزقه بنتاً ) .
و التكلم مثل الخلق و الرزق ، فانه يصح أن يقال : ( كلم اللّه موسى و لم يكلم فرعون ) و يقال : ( كلم اللّه موسى في جبل طور و لم يكلمه في بحر النيل ) .
و هذه التفرقة بين الصفات الذاتية و الصفات الفعلية لم تتضح في الدرس العقائدي إلا بعد نضج الفكر الاعتزالي و انتشار الفكر الإمامي .
و ممن أشار إلى أن المتقدمين من العقائديين لم يفرقوا بينهما التفرقة المذكورة أبو الفتح الشهرستاني ، قال في كتابه ( الملل و النحل ) : ” إعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون للّه تعالى صفات أزلية من العلم و القدرة و الحياة و الإرادة و السمع و البصر و الكلام و الجلال و الإكرام و الجود و الإنعام و العزة و العظمة ، و لا يفرقون بين صفات الذات و صفات الفعل ، بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً ” 21 .
و بثبوت أن التكلم صفة فعلية يترتب عليه أننا نستطيع أن نتصور هنا ثلاثة أمور هي : متكلم و تكلم و كلام ، كما نتصور : خالقاً و خلقاً و مخلوقاً ، و رازقاً و رِزْقاً و مرزوقاً . و الأول يعبِّر عن الموصوف ، و الثاني عن الصفة ، و الثالث عن الأثر .
و هذا يعني أن هناك فرقاً بين ( التكلم ) و ( الكلام ) هو الفرق بين الصفة و أثرها .
و الذي يبدو لي أن الذي ألجأ الأشاعرة إلى التعبير عن هذه الصفة بـ ( الكلام ) و لم يعبروا عنها بـ ( التكلم ) هو إصرارهم على أن القرآن الكريم غير مخلوق ، و هو ( كلام اللّه ) ، كما عبّر عنه تعالى في مثل قوله : ﴿ … وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ 22 ، و قوله سبحانه : ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ … ﴾ 23 ، و كما هو الحق .
لأنهم إذا فسروا الكلام بالكلام اللفظي لا مناص لهم من القول بحدوث القرآن و أنه مخلوق ، لأن القول بقِدَم الكلام اللفظي يستلزم أن يكون اللّه تعالى محلاً للحوادث ، لأن الحروف و الأصوات من المركبات ، و المركبات حوادث بالضرورة .
و هم لا يريدون ذلك ، و بخاصة أنهم يقولون بحدوث الكلام اللفظي ، و إنما الذي يريدونه ـ و بإصرار ـ تأييد فكرة أو معتقد أن القرآن أزلي فقط .
تلك الفكرة التي قال بها قبلهم الحنابلة ، و جرّت عليهم من الويل و العذاب من قبل السلطة الحاكمة آنذاك الشيء الكثير .
من هنا أصرّوا على أزلية كلام اللّه تعالى إلا أنهم أرادوا أن يبتعدوا بالفكرة عما قد تنقد به من لزوم : الوقوع في محذور أن يكون اللّه تعالى محلاً للحوادث فجاؤوا بفكرة الكلام النفسي ، و قالوا بأزليته و قدمه ، ليحافظوا على فكرة أزلية القرآن الكريم التي أصبحت بعد معركة خلق القرآن معلمة مذهبية من معالم العقيدة عند السنة .
و نخلص من هذا إلى :
أ ـ إن التكلم هو الصفة .
ب ـ أما الكلام فهو فعل من أفعاله تعالى يحدثه و يخلقه في الأجسام إذا أراد مخاطبة المخلوقين بالأمر و النهي و الوعد و الوعيد و الزجر و الترغيب ـ كما يقول القاضي المعتزلي عبد الجبار الهمداني 24 .
و يقول الشيخ المفيد المتكلم الإمامي : ” متكلم لا بجارحة ، بمعنى أنه يوجد حروفاً و أصواتاً في جسم من الأجسام تدل على المعاني المطلوبة ، كما فعل في الشجرة حين خاطبه موسى ( عليه السَّلام ) ” 25 .
و يقول القاسم الرسي الزيدي : ” و معنى كلامه جل ثناؤه لموسى ـ صلوات اللّه عليه ـ عند أهل الإيمان و العلم : أنه أنشأ كلاماً خلقه كما شاء فسمعه موسى ـ صلى اللّه عليه ـ و فهمه .
و كل مسموع من اللّه فهو مخلوق لأنه غير الخالق له .
و إنما ناداه اللّه جل ثناؤه فقال : ﴿ … إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ 26 ، و النداء غير المنادي ، و المنادي بذلك هو اللّه جل ثناؤه ، و النداء غيره .
و ما كان غير اللّه مما يعجز عنه الخلائق فمخلوق لأنه لم يكن ثم كان باللّه وحده لا شريك له ” 27 .
ح ـ إن المعتزلة و الإمامية و الزيدية و الأباضية يذهبون إلى أن الكلام قائم بغير الذات المقدسة .
ع ـ إن الأشعرية و السلفية يذهبون إلى أن الكلام قائم بذاته تعالى ، مع فارق : أن القائم بالذات عند الأشاعرة هو المعني الأزلي ( الكلام النفسي ) ، و عند السلفية الحروف و الأصوات ( الكلام اللفظي ) 28 .
موقف أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) :
تميَّز موقف أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) تجاه مسألة خلق القرآن عن موقف غيرهم ، و ذلك لأنهم علموا بأن هذه المسألة لم تُطرح بهدف علمي و لمعرفة الحقيقة و إزاحة الشكوك ، و إنما طُرحت لأهداف أخرى ، و استغلت لتكون مبرراً للنيل من خصوم السلطة و التنكيل بهم ، و لمَّا فطن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) إلى نوايا الحُكام السياسية لذا تجنَّبوا الخوض في هذه المسألة ، بل منعوا أصحابهم عن الخوض فيها أيضاً ، حيث لا مصلحة للإسلام و المسلمين فيها .
لكنهم ( عليهم السَّلام ) رغم موقفهم هذا لم يسكتوا عن بيان الحقيقة لكن بأسلوب ذكي حيث صرحوا بالرأي الصائب دون الخوض في الجدال العقيم و الصراع الخطير ، و ما أن أحسّوا بهدوء الأجواء و سلامة الموقف ، أدلوا برأيهم في الموضوع بكل وضوح و صراحة .
فقد رُويَ عن الإمام محمد بن علي الباقر ( عليه السَّلام ) أنه قَالَ : ” إِنَّ اللَّهَ خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ ، وَ خَلْقَهُ خِلْوٌ مِنْهُ ، وَ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ مَا خَلَا اللَّهَ ” 29 .
فإنا نرى أن الإمام الباقر ( عليه السَّلام ) ببيانه العام هذا ـ الذي يشمل القرآن و غيره ـ قد ردَّ على مزاعم القائلين بأن القرآن قديم و غير مخلوق بكل وضوح ، لكنه ( عليه السَّلام ) تمكن أيضاً ـ بأسلوبه الذكي ـ تجنب الانجرار إلى النزاع و الفتنة و لم يعط ذريعة لأحد .
و هكذا فعل الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السَّلام ) عندما أجاب على أسئلة عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ قائلاً :
” سَأَلْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَ اخْتِلَافِ النَّاسِ قِبَلَكُمْ ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُحْدَثٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، وَ غَيْرُ أَزَلِيٍّ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً ، كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا شَيْ‏ءَ غَيْرُ اللَّهِ مَعْرُوفٌ وَ لَا مَجْهُولٌ ، كَانَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا مُتَكَلِّمٌ ، وَ لَا مُرِيدٌ ، وَ لَا مُتَحَرِّكٌ ، وَ لَا فَاعِلٌ ، جَلَّ وَ عَزَّ رَبُّنَا ، فَجَمِيعُ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُحْدَثَةٌ عِنْدَ حُدُوثِ الْفِعْلِ مِنْهُ ، جَلَّ وَ عَزَّ رَبُّنَا ، وَ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، فِيهِ خَبَرُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، وَ خَبَرُ مَا يَكُونُ بَعْدَكُمْ ، أُنْزِلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) … ” 30 .
قال الشيخ الصدوق ( رحمه الله ) : كأن المراد من هذا الحديث ما كان فيه من ذكر القرآن ، و معنى ما فيه أنه غير مخلوق أي غير مكذوب ، و لا يعني به أنه غير محدث ، لأنه قد قال محدث غير مخلوق ، و غير أزلي مع الله تعالى ذكره‏ 30 .
و قال العلامة المجلسي ( رحمه الله ) : الظاهر أن فيه نوعا من التقية أو الاتقاء لامتناع المخالفين من إطلاق هذا اللفظ على القرآن أشد الامتناع 31 .
و عَنِ الْجَعْفَرِيِّ ، قَالَ قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ مُوسَى 32 ( عليه السَّلام ) : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ مَنْ قِبَلَنَا ، فَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ ، وَ قَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ؟
فَقَالَ ( عليه السَّلام ) : ” أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا يَقُولُونَ ، وَ لَكِنِّي أَقُولُ إِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ” 33 .
و رَوَى الشيخ الصدوق ( رحمه الله ) عَنْ سَعْدٍ ، عَنِ الْيَقْطِينِيِّ أنَّهُ قَالَ : كَتَبَ أَبُو الْحَسَنِ الثَّالِثُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى بَعْضِ شِيعَتِهِ بِبَغْدَادَ : ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، عَصَمَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ مِنَ الْفِتْنَةِ ، فَإِنْ يَفْعَلْ فَأَعْظِمْ بِهَا نِعْمَةً ، وَ إِلَّا يَفْعَلْ فَهِيَ الْهَلَكَةُ ، نَحْنُ نَرَى أَنَّ الْجِدَالَ فِي الْقُرْآنِ بِدْعَةٌ اشْتَرَكَ فِيهَا السَّائِلُ وَ الْمُجِيبُ ، فَتَعَاطَى السَّائِلُ مَا لَيْسَ لَهُ ، وَ تَكَلَّفَ الْمُجِيبُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ ، وَ لَيْسَ الْخَالِقُ إِلَّا اللَّهَ ، وَ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ ، وَ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَا تَجْعَلْ لَهُ اسْماً مِنْ عِنْدِكَ فَتَكُونَ مِنَ الضَّالِّينَ ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ مِنَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَ هُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ” 34 .
و رَوَى أَبُو هَاشِم ، قال : خَطَرَ بِبَالِي أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ أَمْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ؟
فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ 35 ( عليه السَّلام ) ” يَا أَبَا هَاشِمٍ ، اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ ، وَ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ ” 36 .
الشيعة و مسألة خلق القرآن :
إن علماء الشيعة تبعاً لأئمتهم ( عليهم السلام ) و نظراً لحساسية الظروف التي مروا بها اتخذوا موقفاً مشابها لموقف أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .
قال سماحة الشيخ علي الكوراني : عقيدتنا في القرآن أنه كلام الله تعالى و هو مخلوق لله تعالى ، و لا نقول إنه جزء من ذاته قديم بقدمه كما يقول المشبّهة ، و قد عبّر علماؤنا بأنه محدَث و لم يعبّروا بأنه مخلوق بسبب حساسية تلك الظروف ، لكن المعنى واحد .. ـ قال الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه في الخلاف : 6 / 119 : مسألة 12 ، كلام الله تعالى ، فعله ، و هو مُحدَث ، و امتنع أصحابنا من تسميته بأنه مخلوق لما فيه من الإيهام بكونه منحولا . ـ
و في الخلاف : 6 / 121 : قال مالك : القرآن غير مخلوق . و به قال أهل المدينة ، و هو قول الأوزاعي و أهل الشام ، و قول الليث بن سعد ، و أهل مصر ، و عبيد الله بن الحسن العنبري البصري ، و به قال من أهل الكوفة ابن أبي ليلى و ابن شبرمة . و هو مذهب الشافعي إلا أنه لم يرو عن واحد من هؤلاء أنه قال : القرآن قديم ، أو كلام الله قديم . و أول من قال بذلك الأشعري و من تبعه على مذهبه ، و من الفقهاء من ذهب مذهبه .
دليلنا على ما قلناه : ما ذكرناه في الكتاب في الأصول ليس هذا موضعها ، فمنها قوله : ﴿ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ … ﴾ 37 فسمّاه : محدَثاً وقال : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا … ﴾ 38 ، و قال : ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾ 39 ، فسمّاه : عربياً ، و العربية محدَثة ، و قال : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ … ﴾ 40 ، و قال : ﴿ … وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ … ﴾ 41 ، فوصفه بالتنزيل . و هذه كلها صفات المُحدَث ، و ذلك ينافي وصفه بالقِدَم ، و من وصفه بالقِدَم فقد أثبت مع الله تعالى قديماً آخر ، و ذلك خلاف ما أجمعت عليه الاُمّة في عصر الصحابة و التابعين ، و من بعدهم إلى أيام الأشعري ، و ليس هذا موضع تقصّي هذه المسألة ، فإن الغرض ها هنا الكلام في الفروع 42 .

  • 1. علم الكلام : من العلوم المستحدثة في الإسلام ـ و إن كانت جذوره و مبادئه موجودة في الكتاب و السنة ـ و يُبحث فيه عن إثبات أصول الدين الإسلامي أي الأولوهية ـ التي تشمل التوحيد و العدل ـ و النبوة و الإمامة و المعاد ، بالأدلة التي تفيد اليقين و تسبب الإعتقاد .
    و يتكفل هذا العلم الإسلامي بدراسة المسائل الإعتقادية ـ أصول الدين ـ و إثباتها بالأدلة و الحجج ، و مناقشة الأقوال و الآراء المخالفة لها ، و نقد الشبهات المطروحة حولها و دفعها بالحجة و البرهان .
  • 2. المأمون العباسي : هو عبد الله المأمون بن هارون العباسي ، ولد عام 170هـ و توفي عام 218هـ ، و هو سابع الخلفاء العباسيين ، حكم ما بين سنة : 198 ـ 218 هجرية ، أي ما بين سنة : 813 ـ 833 ميلادية .
  • 3. ولد يوحنا الدمشقي في دمشق سنة : 676 م ، و هو قديس عند النصارى ، و له مواقف حاقدة تجاه الإسلام بصورة عامة ، و تجاه النبي المصطفى ( صلى الله عليه و آله ) بشكل خاص ، و كان يهاجم النبي محمد ( صلى الله عليه و آله ) و له كتاب عنوانه ” هرطقة ” يدعي فيه أن بحيرى الراهب ساعد محمداً ( صلى الله عليه و آله ) في اختراع دينه ـ حسب زعمه ـ ، و يوحنا هذا عمل مستشاراً في البلاط الأموي فخدمهم و قوّى سلطانهم ، لكنه استغل موقعه لبث الشبهات بين المسلمين و التشكيك في عقائدهم بشكل واسع فنجح فيما أراد إلى حدّ بعيد ، توفي سنة : 112 هجرية .
  • 4. القران الكريم : سورة النساء ( 4 ) ، الآية : 171 ، الصفحة : 105 .
  • 5. القديم : الموجود الأزلي غير المسبوق بالعدم ، و يقابله الحادث و هو الموجود المسبوق بالعدم .
    و القديم : من أسمائه تعالى و هو الموجود الذي لم يزل ، و إن شئت فسرته بالموجود الذي ليس لوجوده ابتداء .
    و أصل القديم : السابق فيقال الله قديم بمعنى أنه سابق الموجودات كلها ، ( أنظر : مجمع البحرين : 6 / 135 )
  • 6. الحادث : مُصطلح كلامي يُراد به الموجود المسبوق بالعدم ، و يقابله القديم ، و هو الموجود الأزلي غير المسبوق بالعدم .
  • 7. القران الكريم : سورة المدثر ( 74 ) ، الآية : 25 ، الصفحة : 576 .
  • 8. البيعة : معبد النصارى ، الكنيسة .
  • 9. أنظر : فهرست ابن النديم : 23 ، الفن الثالث من المقالة الخامسة ، و نقلاً عنه في : المتكلم و الصفات الخبرية : 28.
  • 10. راجع : المتكلم و الصفات الخبرية : 26 ، للشيخ جعفر السبحاني ( بتلخيص و تصرَّف ) .
  • 11. بحوث في الملل و النحل : 2 / 264 _ 270.
  • 12. القران الكريم : سورة الأعراف ( 7 ) ، الآية : 54 ، الصفحة : 157 .
  • 13. لسان العرب : 10 / 85 .
  • 14. الأزلي : مصطلح كلامي يُراد منه الموجود الذي لم يسبق وجوده العدم ، و يرادفه ” الأول ” و ” القديم “.
  • 15. نهج البلاغة : 274 ، طبعة صبحي الصالح .
  • 16. القران الكريم : سورة الأنبياء ( 21 ) ، الآية : 2 ، الصفحة : 322 .
  • 17. القران الكريم : سورة الشعراء ( 26 ) ، الآية : 5 ، الصفحة : 367 .
  • 18. القران الكريم : سورة النساء ( 4 ) ، الآية : 164 ، الصفحة : 104 .
  • 19. القران الكريم : سورة الأعراف ( 7 ) ، الآية : 143 ، الصفحة : 167 .
  • 20. ذهبت الأشاعرة إلى أن كلامه تعالى : ” وصف قائم بذاته ليس بصوت و لا حرف ، بل لا يشبه كلامه كلام غيره ، كما لا يشبه وجوده وجود غيره ” ( قواعد العقائد للغزالي : 182 ) .
    ” و الكلام بالحقيقة كلام النفس ، و إنما الأصوات قطعت حروفاً للدلالات ، كما يدل عليها تارة بالحركات و الإشارات ” ( المصدر : 183 ) .
    و قال الرازي في ( المحصل ) : ” أما أصحابنا فقد اتفقوا على أن اللّه تعالى ليس بمتكلم بالكلام الذي هو الحروف و الأصوات ، بل زعموا أنه متكلم بكلام النفس ” ( تلخيص المحصل 289 ) .
    و عبّروا عنه بـ ( الكلام النفسي ) و ( الكلام الأزلي ) و قالوا عنه : إنه معنى قائم في ذات المتكلم به .
    و الألفاظ ـ في الحقيقة ـ ليست كلاماً ، و إنما هي دوال على ذلك المعنى القائم في النفس ( أو الكلام النفسي ) الذي هو الكلام حقيقة .
    و استشهدوا لذلك بقول الأخطل :
    إن الكلام لفي الفؤاد و إنما *** جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
    فان الشاعر هنا اعتبر ما في النفس هو الكلام ، و الألفاظ اللسانية دوال عليه .
    و ذهبت الفرق الإسلامية الأخرى أمثال : الإمامية و المعتزلة و الزيدية و الأباضية و السلفية إلى أن الكلام هو هذا الذي نعرفه ، و هو الكلمات المؤلفة من الأصوات و الحروف . و يمكننا أن نسميه ( الكلام اللفظي ) في مقابل ( الكلام النفسي ) .
    و خلاصة ما استدل به الأشاعرة :
    1 ـ أننا ندرك وجداناً أن المتكلم عندما يتكلم بلغة الألفاظ إنما يعبر بها عن فكرة عنده أو إحساس لديه .
    أي انه يعبر بالكلام اللفظي عما يحمل و يعتمل في نفسه من أفكار و أحاسيس ، و هذا من الأمور الواضحة .
    2 ـ إن الكلام اللفظي مركب من الأصوات و الحروف ، و من البديهي أن كل مركب حادث ، فيكون من المستحيل أن تتصف به الذات الإلهية لاستحالة اتصاف القديم بالصفة الحادثة ، فلا مناص إذاً من الالتزام بالكلام النفسي لأنه قديم ، ليصح إطلاق المتكلم على اللّه سبحانه باعتبار اتصافه به .
    و استدل للقول الآخر ـ و هو أن الكلام هو المركب اللفظي ـ بما يلي :
    1 ـ التبادر :
    و ذلك أن المتبادر إلى الذهن عند إطلاق عبارة ( كلام ) هو هذا المركب اللفظي .
    و التبادر دليل أن الكلمة حقيقة في المعنى المتبادر .
    كما أننا نرى أبناء اللغة لا يقولون للساكت و كذلك للأخرس إنه متكلم ، مع أن المعاني قائمة في نفسه .
    و ما هذا إلا لأنه لا يستخدم الألفاظ وسيلة لإبرازها ، و إنما يتوسل إلى ذلك بالإشارة و أمثالها مما لا يعد كلاماً .
    2 ـ عدم التعقل :
    و هو أن الكلام النفسي الذي يقول به الأشعريون مما لا يمكن تصوره و تعقله في الذهن .
    و ذلك لأن المتصور عقلاً من الصفات الإلهية التي يمكن أن يرتبط بها الكلام و يكون أثراً من آثارها إما القدرة التي يمكن أن تصدر عنها الحروف و الأصوات ، أو العلم .
    و الأشعرية نصوا على أن ما لا يمكن تصوره لا يمكن إثباته ، لأن الإثبات تصديق ، و التصديق لا بُدَّ أن يُسبق بالتصور. و حيث لا تصور لا تصديق ، أي لا إثبات ، و حينئذ يبطل القول بالكلام النفسي لأنه لا يمكن تعقله ليمكن إثباته .
    و عندما يبطل القول بالكلام النفسي يتعين القول الآخر، و هو المطلوب .
    غير أن السلفيين تفردوا من بين الفرق الإسلامية المذكورة بالقول بان الكلام اللفظي قديم قائم بذاته تعالى ( خلاصة علم الكلام : 117 ـ 119 ) .
  • 21. الملل و النحل : 1 / 92 .
  • 22. القران الكريم : سورة البقرة ( 2 ) ، الآية : 75 ، الصفحة : 11 .
  • 23. القران الكريم : سورة التوبة ( 9 ) ، الآية : 6 ، الصفحة : 187 .
  • 24. المختصر في أصول الدين : 379 .
  • 25. النكت الإعتقادية : 394 .
  • 26. القران الكريم : سورة القصص ( 28 ) ، الآية : 30 ، الصفحة : 389 .
  • 27. أصول العدل و التوحيد : 264 .
  • 28. خلاصة علم الكلام : 120 ـ 123 .
  • 29. الكافي : 1 / 82 .
  • 30. a. b. بحار الأنوار : 5 / 32 .
  • 31. بحار الأنوار : 54 / 84 .
  • 32. أي الإمام موسى بن جعفر الكاظم ( عليه السَّلام ) سابع أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .
  • 33. بحار الأنوار : 89 / 118 .
  • 34. التوحيد : 224 ، و أمالي الصدوق : 546 ، و بحار الأنوار : 89 / 118 .
  • 35. أي الإمام الحسن بن علي العسكري ( عليه السَّلام ) ، و هو الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .
  • 36. بحار الأنوار : 50 / 258 .
  • 37. القران الكريم : سورة الأنبياء ( 21 ) ، الآية : 2 ، الصفحة : 322 .
  • 38. القران الكريم : سورة الزخرف ( 43 ) ، الآية : 3 ، الصفحة : 489 .
  • 39. القران الكريم : سورة الشعراء ( 26 ) ، الآية : 195 ، الصفحة : 375 .
  • 40. القران الكريم : سورة الحجر ( 15 ) ، الآية : 9 ، الصفحة : 262 .
  • 41. القران الكريم : سورة النحل ( 16 ) ، الآية : 44 ، الصفحة : 272 .
  • 42. الخلاف : 6 / 121 ، راجع أيضا : الهداية : 148 ، للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن حسين بن بابويه القمي المعروف بالصدوق ، المولود سنة : 305 هجرية بقم ، و المتوفى سنة : 381 هجرية .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى