مقالات

شبهة وردها…

نص الشبهة: 

فإن قيل : فما وجه قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : { … وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أو ليس ظاهر هذه الآية يدل على أن هرون عليه السلام أحدث ما أوجب إيقاع ذلك الفعل منه ؟ و بعد فما الاعتذار لموسى ( عليه السلام ) من ذلك وهو فعل السخفاء والمتسرعين وليس من عادة الحكماء المتماسكين ؟ .

الجواب: 

قلنا : ليس فيما حكاه الله تعالى من فعل موسى وأخيه عليهما السلام ما يقتضي وقوع معصية ولا قبيح من واحد منهما ، وذلك أن موسى ( ع ) أقبل وهو غضبان على قومه لما أحدثوا بعده مستعظما لفعلهم مفكرا منكرا ما كان منهم ، فأخذ برأس أخيه وجره إليه كما يفعل الانسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب وشدة الفكر .

ألا ترى أن المفكر الغضبان قد يعض على شفيته ويفتل أصابعه ويقبض على لحيته ؟ فأجرى موسى ( ع ) أخاه هارون مجرى نفسه ، لأنه كان أخاه وشريكه وحريمه ، ومن يمسه من الخير والشر ما يمسه ، فصنع به ما يصنعه الرجل بنفسه في أحوال الفكر والغضب ، وهذه الأمور تختل أحكامها بالعادات ، فيكون ما هو إكرام في بعضها استخافا في غيرها ، ويكون ما هو استخفاف في موضع إكراما في آخر .
وأما قوله : لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ، فليس يدل على أنه وقع على سبيل الاستخفاف ، بل لا يمتنع أن يكون هارون ( ع ) خاف من أن يتوهم بنو إسرائيل لسوء ظنهم أنه منكر عليه معاتب له ، ثم ابتدأ بشرح قصته فقال في موضع آخر : ﴿ … إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ 1 .
وفي موضع آخر : ﴿ … ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي … ﴾ 2 إلى آخر الآية ، ويمكن أن يكون قوله : ﴿ … لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي … ﴾ 1 ليس على سبيل الامتعاظ والأنفة ( أي الغيرة ) ، لكن معنى كلامه : ( لا تغضب ولا يشتد جزعك وأسفك ) لأنا إذا كنا قد جعلنا فعله ذلك دلالة الغضب والجزع فالنهي عنه في المعنى نهي عنهما .
وقال قوم إن موسى عليه السلام لما جرى من قومه من بعده ما جرى اشتد حزنه وجزعه ، ورأى من أخيه هارون عليه السلام مثل ما كان عليه من الجزع والقلق ، أخذ برأسه إليه متوجعا له مسكنا له ، كما يفعل أحدنا بمن تناله المصيبة العظيمة فيجزع لها ويقلق منها .
وعلى هذا الجواب يكون قوله ﴿ … فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء … ﴾ 2 لا يتعلق بهذا الفعل ، بل يكون كلاما مستأنفا .
وأما قوله على هذا الجواب ﴿ … لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي … ﴾ 1 ، فيحتمل أن يريد أن لا تفعل ذلك وغرضك التسكين مني فيظن القوم أنك منكر علي .
وقال قوم في هذه الآية إن بني إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى عليه السلام ، حتى أن هارون ( ع ) كان غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى أنت قتلته ، فلما وعد الله تعالى موسى ثلاثين ليلة وأتمها له بعشر وكتب له في الألواح كل شئ وخصه بأمور شريفة جليلة الخطر بما أراه من الآية في الجبل ومن كلام الله تعالى له وغير ذلك من شريف الأمور ، ثم رجع إلى أخيه ، أخذ برأسه ليدنيه إليه ويعلمه ما جدده الله تعالى له من ذلك ويبشره به ، فخاف هارون ( ع ) أن يسبق إلى قلوبهم ما لا أصل له ، فقال إشفاقا على موسى عليه السلام : لا تأخذ بلحيتي ، ولا برأسي لتبشرني بما تريده بين أيدي هؤلاء فيظنوا بك ما لا يجوز عليك ولا يليق بك والله تعالى أعلم بمراده من كلامه 3 .

  • 1. a. b. c. القران الكريم : سورة طه ( 20 ) ، الآية : 94 ، الصفحة : 318 .
  • 2. a. b. القران الكريم : سورة الأعراف ( 7 ) ، الآية : 150 ، الصفحة : 169 .
  • 3. تنزيه الأنبياء عليهم السلام: 116 ـ 118 ، للسيد المرتضى علم الهدى ، طبعة دار الأضواء، بيروت / لبنان.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى