مقالات

آية الولاية…

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ 1

آمنا بالله صدق الله العلي العظيم

عن ابي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه : رأيت بهاتين والا عميتا وسمعتين بهاتين والا صمتا رسول الله (صلي الله عليه واله) وهو يقول علي (عليه السلام) قائد البررة علي (عليه السلام) قاتل الفجره منصور من نصره مخذول من خذله وذلك ان سائلا اتى مسجد رسول الله(صلي الله عليه واله) فلم يعطه احد فمد له علي (عليه السلام) كفه وهو راكع فأخد السائل خاتمه من يده واشترى بثمنه طعاما له فلما سمع بذلك رسول الله (صلي الله عليه واله) رفع يديه بمحرابه قال اللهم ان اخي موسى سألك فقال ﴿ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي *وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴾ 2فأنزلت عليه ﴿ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا … ﴾ 3 .

وانا اسألك ربي اشرح لي صدري ويسر لي امري واجعل لي وزيرا من اهلي عليا أشدد به ازري فما استتم كلامه حتى نزل قوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ 1 .

وقد ذكر السيد المرتضى علم الهدى في كتابه الشافي في الإمامة والشيخ الطوسي في كتابه تلخيص الشافي ان اقوى الادلة على الإمام علي(عليه السلام) من القران هي آية الولاية . عندما نريد ان نتحدث عن ميثاق الإمامه في آية الولاية فإننا نتناول ثلاثة محاور :

المحور الاول في تحديد الولاية في الاية المباركة

تحديد الولاية في الاية المباركة ايضا يعتمد على ثلاثة عناصر نتعرض لها . .

العنصر الاول مناسبة النزول :

هناك بعض الباحثين من اخواننا اهل السنة من قال بأن ايه الولاية انما نزلت في عبادة ابن الصامت وبما انها في عبادة ابن الصامت اذن فلا يصح الاستدلال بها على امامة الامام علي(عليه السلام) نحن نقول بأن هذا الكلام لا ينطبق على الموازين العلميه . . لاحظو معي هنا امامنا روايتان رواية تقول ان هذه الاية نزلت في عبادة ابن الصامت ورواية تقول بأن الاية نزلت على علي امير المؤمنين (عليه السلام) فلنقارن بين الروايتين لنجد ايهما احق بالتفسير والاتباع الرواية التي ذكرت ان المناسبة هي نزلت في عبادة بن الصامت ليس لها الا ثلاثة طرق ولم يروها احد من الصحابه بل رواها التابعون وبعض تابعي التابعين ولم يصحح سندها ولا واحد من علماء الجرح والتعديل من اخواننا اهل السنة اصلا .

بينما نأتي للرواية الاخرى التي تقرر ان الاية نزلت في الامام علي (عليه السلام) إذ تصدق بخاتمه وهو راكع هذه الرواية متواترة . . شمعنى متواترة ؟ هناك مصطلح عند اخواننا اهل السنه ان الرواية التي يرويها عشرة من الصحابه تعتبر متواترة هذه الرواية رواها عشرة ابو ذر والمقداد وعمار وابن عباس وجابر وعمر بن العاص وانس بن مالك وابو رافع وسلمة بن كهيل وحسان بن ثابت وعبدالله بن سلام مضافا الى رواية الأمام علي والحسن (عليهما السلام) وحسان بن ثابت هو من انشد في علي (عليه السلام) عندما تصدق بخاتمه وهو راكع قال :

أبَا حَسَنٍ تفديكَ نفسي ومُهجَتي *** وكُلّ بطيءٍ في الهُدَى ومُسارِعِ

أيَذْهبُ مَدحي في المُحِبِّين ضَائعاً *** ومَا المَدحُ في ذاتِ الإلَهِ بِضائِعِ

فأنتَ الذي أعطيتَ إذْ كُنتَ رَاكِعاً *** فَدَتْكَ نفوسُ القَومِ يَا خَيرَ رَاكِعِ

 بِخَاتَمِكَ الميمون يَا خَيْرَ سَيّدٍ *** ويَا خير شارٍ ثمّ يَا خَير بَائِعِ

فأنزلَ فيك الله خَير وِلايَةٍ  *** وبيّنَها في مُحكَمَات الشّرائِعِ

فالرواية متواترة ثانيا الرواية التي ذكرت ان الاية نزلت في الامام علي (عليه السلام) مجمع عليها .

كيف مجمع عليها ؟ الايجي في كتاب المواقف التفتازاني في شرح المقاصد السيوطي في لباب النقول هؤلاء الثلاثة قالوا: نزول الاية في علي بن ابي طالب كرم الله وجهه مما اجمع عليه الاصحاب العلماء اجمعوا في نزولها على علي ابن ابي طالب (عليه السلام) والألوسي في روح المعاني قال غالب الاخبار ان الاية نزلت في علي ابن ابي طالب (عليه السلام) مضافا ان هذه الرواية متضافرة في كتب الحديث في كتب التفسير في كتب التاريخ رواها احمد ، النسائي ، ابو نعيم في حلية الاولياء ، الطبراني في معجمه ، الطبري في ذخائر العقبى ، ابن المغازلي ، الشافعي في مناقبه ، الخطيب الخوارزمي ، الحويني في فرائد السمطين .

نأتي الى كتب التفسير رواها الزمخشري في كشافه ، ابو حيان في تفسيره ، السيوطي في الدر المنثور ، الألوسي في روح المعاني ، ابن ابي حاتم الرازي في تفسيره وذكر في اول التفسير وقال لا اروي في كتابي الا الصحيح من الاخبار ، ابن تيميه في كتابه منهاج السنة عندما يتعرض للتفاسير المعتبره يذكر منها تفسير ابن ابي حاتم الرازي . لماذا ؟ لأنه لا يروي الموضوعات من الاخبار . . اذا كان ابن تيميه يشهد ان تفسير ابن ابي حاتم الرزاي لا يروي الا الصحيح من الاخبار وابن ابي حاتم الرازي التزم بأن لا يروي إِلّا الصحيح وابن ابي حاتم الرازي عندما وصل الى هذه لأية فسرها بنزولها في علي ابن ابي طالب (عليه السلام) عندما تصدق بخاتمه وهو راكع . هذا العنصر الاول وهو الرواية .

نأتي للعنصر الثاني : عندما نريد ان نحدد معنى الولي

ربما يقال ان هذا لفظ مشترك احيانا يطلق الولي ومعناه المحب كما ذكر في الاية قال تعالى ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ 4 ، الولي قد يطلق ويراد به الناصر كقوله تعالى : ﴿ … وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ … ﴾ 5 . . أي ينصر بعضهم بعضا ، وقوله تعالى : ﴿ … وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ … ﴾ 6 .

الولي قد تطلق ويراد بها من يقدم كما في قوله تعالى : ﴿ … وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ … ﴾ 7، يعني يقدم على البعض الاخر ، وقد يطلق الولي ويراد بها الأولى بالشؤون ”وليك الأولى بشؤونك“ الأولى بالتصرف في امورك كما في قوله تعالى : ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ … ﴾ 7. يعني هو الاولى بالتصرف في شؤونهم وأمورهم .

بما ان الولي يطلق على معاني لماذا الشيعه مصرون على ان الولي في الاية يراد به الإمامة ؟ يعني يراد بها الاولى في التصرف بشؤون المؤمنين ؟

لكثرة الاستعمال أي : في علم اللغة ان اللفظ له مصاديق متعددة . . اذا كثر استعماله في مصداق من المصاديق فأن كثره الاستعمال قرينه النوعيه على الانصراف الى ذلك المصداق او المعنى . .

اذن لفظ الولي جاء استعماله في أي معنى ؟ كما هو متداول الان ما المعنى من قول هذا ولي فلان ؟ أي الاولى بشؤونه والمسؤول عنه .

نأتي للقرآن الكريم اذا كنت تقرأ القرآن اكثر من 60 مورد استخدم القرآن لفظ ولي والقصد منه الاولى بالتصرف،الاولى بالشؤون منها قوله تعالى : ﴿ … وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ 8 نصير ذات معنى واضح إذن ولي بأي معنى تأتي ؟ ليست بمعنى النصير بل بمعنى الاولى بشؤونهم لأن العطف كما يقول علماء اللغة يدل على المغايرة فالولي هنا ليس بمعنى النصره بل الاولى بالتصرف . .

وفي قوله تعالى :﴿ … فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ … ﴾ 9 . ما معنى وليه ؟ الأولى به المسؤول عنه هو الذي يملل .

وقوله تعالى :﴿ … وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴾ 10 والولي هنا ايضا بمعنى المسؤول عنه المؤول عن شؤونه . اذن كثر استعمال الولي في القران بمعنى الاولى بشؤونكم والاولى بالتصرف في اموركم .

العنصر الثالث : دلالة انما على الحصر

انما باتفاق علماء اللغة اذا اطلقت انما تدل على الحصر مثلا انما ابوك فلان . . يعني ابوك فلان منحصر فيه .

انما فلان شاعر يعني ليس له صفة اخرى منحصر في الشعر .

انما فلان عالم يعني ليس له صفة اخرى منحصر في العلم .

انما تفيد الحصر بما ان انما تفيد الحصر اذن نفترض ان الولي له معاني متعددة نحن نستطيع ان نعين ان المراد بالولي في الاية هو الامام بدلالة انما على الحصر والسبب ان انما حصرت الولاية في ثلاثة . . انما وليكم الله ورسوله والذين امنوا الموصوفون بصفة معينة يقيمون الصلاة ويأتون الزكاة وهم راكعون . بما ان انما حصرت الولاية في هؤلاء الثلاثة اذن لا يمكن ان تفسر الولاية بمعنى المحبة لأن المحبة لا تنحصر في هؤلاء ولا يمكن ان تفسر الولاية بمعنى النصرة لان النصرة لا تنحصر في هؤلاء الثلاثة اذن معنى الولاية معنى اخر ينسجم مع الحصر . ما هو المعنى الذي ينسجم مع الحصر هو الاولى بالتصرف كأنه قال الاولى بشؤنكم والتصرف في اموركم هم ثلاثة الله ورسوله والذين امنو يقيمون الصلاة يأتون الزكاة وهم راكعون . فدلت الاية على الحصر ودلالتها على الحصر دل على ان المراد بالولاية الإمامة .

امامنا شبهه يطرحها بعض الباحثين من اخواننا اهل السنه وهي انه نتفق معكم ان انما تدل على الحصر ولكن دلالة انما على الحصر لا تعني ان المراد بالولاية الامامة ، نستطيع ان نقول ان الولاية معناها النصرة ومع ذلك انما تدل على الحصر لان الناصر للمؤمنين من هو ؟ وفعلا لو دققنا بعقولنا الاية تقول انما وليكم «كم »من هم ؟ المؤمنون ، انما وليكم ايها المؤمنون الله ورسوله والذين امنو لو فسرنا الولاية بالنصرة سيكون الحصر صحيح لأن من ينصر المؤمنين هو الله ورسوله والمؤمنين اذن نصرة المؤمنين تنحصر في ثلاثة الله والرسول والمؤمنين . . المؤمنين ينصر بعضهم بعضا كما جاء في قوله تعالى :  ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ … ﴾ 11 . ينصر بعضهم بعضا .

وقوله تعالى :  ﴿ … وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ … ﴾ 5. أي ينصر بعضهم بعضا ، فبما ان ناصر المؤمنين منحصر في الله والرسول والمؤمنين إذن انما و ان دلت على الحصر لكن يبقى معنى الولاية النصرة وليس الامامة لان النصرة منحصرة في الله والرسول والمؤمنين . هذه الشبهه!!

والجواب عليها : اننا عندما ندقق في الاية نجد ان الاية حصرت الولاية ليس في كل المؤمنين بل في فئه من المؤمنين لو ان الاية قالت انما وليكم الله ورسوله والذين امنوا ” وانتهت لقلنا المؤمنون ينصر بعضهم بعضا اذن الولاية بمعنى النصرة لكن الاية حصرت الولاية في الله ورسوله وفئة معينة من المؤمنين وهم الذين وصفتهم الاية بأنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون اذن بما ان الاية حصرت الولاية في فئه معينه لا في جميع المؤمنين فقد دلت على ان الولاية ليست بمعنى النصرة لان نصرت المؤمنين لا تنحصر بهذه الفئة ، كل المؤمنين ينصرون المؤمنين بينما الاية حصرت الاية حصرت الاية في فئة معينه من المؤمنين وهذا الحصر لا ينسجم إِلّا مع الإمام وإِلا فالنصرة والمحبة وجميع معاني الولاية لا تنحصر بفئة معينه فبما ان الاية حصرت الولاية في فئة معينه اذن المراد بالولاية هو الامامة والأولوية بالتصرف لأن المحصور فيهم فئة معينة وهم الذين يقيمون الصلاة ويأتون الزكاة وهم راكعون .

المحور الثاني : في دلالات السياق القرآني

ربما يقال بأن السياق القرآني يساعد على عدم دلاله الاية على امامه علي بن ابي طالب (عليه السلام) السياق القراني لا يلتقي مع تفسير الولاية بمعنى الإمامة وذلك لوجوه ثلاثة اذكرها واناقشها :

الوجه الاول : اذا لاحظنا القران الكريم عندما يعبر بالزكاة يراد بالزكاة الزكاة الواجبة وليست الصدقه هناك فرق بينهما والزكاة الواجبه هي الواجبه في إِلا نعام الثلاثة الابل والبقر والغنم والغلات الابر القمح والشعير والتمر والزبيب والنقدين المصكوكين الذهب والفضه متى ما عطف القران الزكاة على الصلاة أي اذا قال ”يقيمون الصلاة ويأتون الزكاة“ اذن المراد بالزكاة الزكاة الواجبه بينما الشيعه تفسر الزكاة في الاية بالصدقة يقولون تصدق علي بخاتمه وهو راكع ففسروا الزكاة على انها الصدقة وهذا يتنافى مع سياق القرآن الكريم هذا يعني ان تفسير الاية بإمامة علي ابن ابي طالب(عليه السلام) ليس في محلة لا ينسجم مع سياق القران الكريم .

الجواب على هذا الوجه : الزكاة حين نزول القران كان معناها الانفاق المالي كل انفاق مالي قربة الى الله يسمى زكاة ، الزكاة الواجبة هو معنى حادث كما يقول علماء الاصول اصطلاح حادث لم يكون موجود عند نزول الايات هذا الاصطلاح حصل بعد سنين طويلة على التشريع الاسلامي واما حين نزول الايات فكان المعنى الذي يفهمه العرف العربي من الزكاة هو كل انفاق مالي قصد به التقرب الى الله هو زكاة ، اذن تفسير الزكاة بالزكاة الاصطلاحية أي الواجبة لا ينسجم مع ظهور الايات وقت نزولها ففي وقت نزولها لم يكن هذا الاصطلاح موجود .

ولنأتي بأمثله من القران عطف الزكاة على الصلاة وهو يريد بالزكاة الانفاق المالي وليس الزكاة الواجبه .

عندما تحدث عن الانبياء وقال عز وجل : ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ … ﴾ 12 . ما هي الزكاة في زمن الانبياء ؟ كانت عبارة عن انفاق مالي من انفق من ماله فقد زكى .

وفي قوله تعالى في الحديث عن النبي اسماعيل :  ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ﴾ 13 . هل اسماعيل كان يأمر اهله بالأنفاق من اموالهم .

عندما نأتي للحديث عن قوله تعالى عن عيسى بن مريم :﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾ 14 . ما هي الزكاة التي اوصي بها عيسى ؟ الانفاق المالي ولم يوصى بالزكاة الاصطلاحية .

وإِيضًا من القران الكريم ما عطف الزكاة على الصلاة او بالعكس وأريد بالزكاة الانفاق المالي ، مثلا قوله تعالى : ﴿ … قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾ 15. المراد بالزكاة هنا ليس الزكاة الواجبة لان هذه السورة نزلت في مكة والزكاة الواجبه لم تشرع إلّا بعد سنين من الهجرة للمدينة اذا المراد بالزكاة هنا الزكاة بمعنى الانفاق المالي .

وايضا قوله تعالى :﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ ﴾ 16. المراد بالزكاة هنا الانفاق المالي .

هذه بعض الشواهد الزكاة بمعنى الانفاق المالي مع انها قرنت بالصلاة وليس المراد بها الزكاة الاصطلاحية الواجبة.

اذن تفسير الشيعه بالزكاة في ايه الولاية يقيمون الصلاة ويأتون الزكاة بالصدقة منسجم مع القران الكريم وليس منافيا للقران الكريم .

الوجه الثاني : ان الإماميه فسرو الركوع في الاية بالهيئة الصلاتيه قالو معنى قوله ﴿ … الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ 1يعني الركوع الصلاة بينما يراد الركوع الخضوع كَ قوله تعالى : ﴿ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ 17 . يعني اخضعي مع الخاضعين واقيموا لصلاة وَ اسجدوا واركعوا مع الراكعين يعني اخضعوا مع الخاضعين فالركوع لا ينحصر بأن يفسر بالركوع الصلاتي ربما يراد به الخضوع فلا ربط للاية حينئذ بما حدث لعلي بن ابي طالب (عليه السلام).

الجواب على هذا : تفسير الركوع بمعنى الخضوع خلاف الظاهر اللغوي ، الظاهر اللغوي لهذا اللفظ ركع فلان يعني ركع الركوع الصلاتي لان هذا الركوع موجود قبل الاسلام كانوا يركعون لملوكهم والهتهم هذه الهيئة موجودة قبل الاسلام هيئة الركوع كما هيئة السجود موجودة . الركوع عندما يطلق في اللغة العربية ينصرف لهذه الهيئة وليس بمعنى الخضوع وتفسيره بالخضوع هو من يحتاج الى قرينة .

ثانيا . يقول علماء اللغة عندما تعطف الجملة الفعلية على الفعلية يمكن ان نفسر الواو بواو العطف او واو الاستئناف او عندما تعطف الجملهة الاسمية على الجملة الاسمية يمكن ان نفسر الواو بالعطف او الاستئناف لكن عندما نعطف الجملة الاسمية على الفعلية فأن ظاهراه ان الواو واو الحال وليست واو الاستئناف مثلا حين نقول دخل فلان المأتم واشتبك مع فلان الاخر جملة معطوفة على جملة . . واذا قلنا دخل فلان المأتم وهو ”اصبحت جملة اسمية بمجرد صدرناها بكلمة وهو“ دخل فلان المأتم وهو يدخن ” هنا الواو : واو حاليه دخل المأتم في حالة معينة وهو يدخن اذا عطفت الجملة الاسمية على الفعلية صارت ظاهرة في الحال .

عندما نقرأ قوله تعالى : ﴿ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ 17. هذه كلها جمل فعلية فلا مانع ان نقول ان الواو هنا واو العطف لكن في اية الولاية قال : يقيمون الصلاة ”جملة فعلية“ ويأتون الزكاة ”جملة فعلية“ لكن لم يقل راكعون بل قال وهم راكعون ”جمله اسمية“ ولأنها جملة اسمية صارت ظاهرة في الحال أي انهم يأتون الزكاة وهم في حالة معينة وهي الركوع .

الوجه الثالث : أن يقال بأن سياق الايات السابقة على هذه الاية يتحدث عن النصرة فلماذا نفسر الاية بمعنى الإمامة ؟ فلنقرأ بعض الايات السابقة لتلك الاية قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ 18 ، حين نقرأ الايات يأتي بعض الباحثين من اخواننا اهل السنة يقول ان الايات تدل على النصرة . لماذا ؟

كان اهل المدينة قبيلتان قبيله بني عوف وبني قينقاع ، قبيلة بني عوف مسلمة وقبيلة بني قينقاع يهودية حصل بينهم حلف قبل الاسلام ان ينصر بعضهم بعضا ، قبيلة بني قينقاع خانت الرسول واصبحت تكيد للمجتمع الاسلامي وتدبر الخطط والمؤامرات للإطاحة بالكيان الاسلامي حاربهم الرسول عندما حارب الرسول بني قينقاع هنا تحيرت قبيله بني عوف لانهم متعاهدين على نصرة قبيله بني قينقاع والان الرسول بنفسه يصطدم مع قبيله بني قينقاع فهنا رجلان الأول هو عبدالله ابن أُبي قال انا لا اخذل من تحالفت معهم قبل الاسلام سأبقى انصرهم وان كان المحارب لهم الرسول ، والاخر عبادة ابن الصامت قال بما انهم حاربوا الرسول انا بريء منهم انا اتولى الله ورسوله والذين امنوا فنزلت هذه الايات :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ 19 . يعني لا تنصروهم اتركوا نصرتهم ومدحت واثنت على عبادة بن الصامت الذي تبرأ من نصرتهم فسياق الايات يتحدث عن النصرة مقتضى السياق ان المراد بِ أية الولاية النصرة لانى السياق يتحدث عن النصرة .

الجواب على هذه الشبهة : اولا السياق القراني لا يصح الاحتجاج به لان الايات لم تنزل دفعه واحده اذا تلاحظ ان الايات في السورة الواحدة بعضها مكية واخرى مدنية بعضها اول الهجرة وبعضها آخر الهجرة وهي في سورة واحدة بما ان الايات لم تنزل دفعة واحدة كيف يكون لها سياق واحد هذه الاية ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ 19 نحتمل انها نزلت قبل حجة الوداع لان الرسول حارب بني قينقاع قبل حجة الوداع بينما آية الولاية وما بعدها نزلت بعد حجة الوداع اذن بما ان الايات لا نحرز نزولها دفعة واحدة فكيف يكون لها مضمون واحد وكيف يكون لها سياق واحد .

ثانيا : السياق انما نأخذ به اذا لم يتغير المعنى والحال بأن معاني الايات تغيرت الاية الاولى تكلمت عن النهي تولي اليهود والنصارى بينما الايات التي بعدها تتكلم عن حكم الارتداد كقوله تعالى :  ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ 20 . اذن خرجت الى معنى اخر ومضمون ثاني ، الاية التي تليها :﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ 1.

فمع اختلاف الاحكام والمضامين لا يصح البناء على السياق لاختلاف الايات ومضامينها .

ثالثا : يقول علماء اللغة وعلماء الاصول السياق من القرائن العامة ومناسبه النزول من القرائن الخاصة والقرينة الخاصة حاكمة على القرينه العامه لنفترض ان سياق الايات يتحدث عن النصرة لكن لدينا رواية متواترة مجتمع عليها تقول بأن هذه الاية نزلت في الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)ومن الواضح ان النصرة لا تنحصر في علي ابن ابي طالب(عليه السلام) اذن معنى الولاية ليس النصرة فالرواية التي فسرت النزول بما صنعه علي ابن ابي طالب(عليه السلام) قرينة خاصة على ان المراد بالولاية الإمامة فيرفع بها اليد عن القرينة العامة إِلّا وهي قرينة السياق .

رابعا : سياق الايات يدل على ان المنظور اليه في الايات القرانية هو النصرة ولكن هذا السياق لا يتنافى ان المراد في الاية الامامة ، الاية عندما تقول :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ 19 ، معنى اولياء ”من يركن اليهم“ مثلا فلان ولي يعني يركن اليه ويستند اليه كما في قوله تعالى : ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ … ﴾ 21 ،  ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ … ﴾ 19. أي لا تركنوا اليهم ولا تتخذوهم اولياء ، لماذا ؟

لان الركون على قسمين الى شخص لا ولاية له فهذا ركون مذموم وركون الى شخص له ولاية حقيقية وهذا ركون مطلوب ، لماذا الله ينهانا عن الركون للظالم لان الظالم ليس له ولاية حقيقية الظالم مغتصب الركون أنمتتا يكون ممدوحا اذا كان ركونا إلى من له ولاية مثلا يا بني لا تتولى او يا اخي لا تتولى فلان ولا تركن اليه لماذا لأنه ليس له ولاية حقيقية عليك بل عليك ان تتولى اباك وتركن اليه لان الاب له ولاية حقيقة على الإنسان ما لم يبلغ الركون للأب ركون صحيح لان الاب له ولاية حقيقة بينما الركون للاجنبي غير صحيح لان الجنبي لا ولاية له فالسياق متلائم مع تفسير الولاية بمعنى الامامة فكان الايات القرائية هذه تقول يإِايها الذين امنوا لا تركنوا لليهود والنصارى فأنهم ليسو الاولياء الحقيقيون بل عليكم ان تركنوا الى الاولياء الحقيقيون وهم  ﴿ … اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ 1.

المحور الثالث : علي قطب الإمامة وقطب الولاية

عندما نركز على اية الولاية نجد ان ايه الولاية قرنت بين الله وبين الرسول(صلي الله عليه واله) وبين علي (عليه السلام) في معنى واحد وكما يقول العلماء القرن بين جميع في معنى واحد يفيد الاتحاد والسنخيه ، مثلا : عندما تقول ”فلان وفلان وفلان شعراء“ يعني متحدون في سنخ واحد من الشعر ، ”الله والرسول والذين امنو وليكم“ يعني ان الولاية التي ثبتت لهؤلاء الثلاثة في سنخ واحد القرن بين المتعددين في معنى واحد يفيد الاتحاد والسنخيه بما ان الله قرن في الاية بين الله والرسول(صلي الله عليه واله) والإمام علي (عليه السلام) في معنى واحد وهو الولاية فما هي تلك الولاية التي ثبتت لله وللرسول الولاية التي ثبتت لهم هي الولاية التكوينية ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ … ﴾ 22الولاية التي ثبتت لله وللرسول الولاية التشريعية ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ 23الولاية التي ثبتت لله وللرسول ولاية الأمر والحكم ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ 24.

النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم ، اذن ثبت للرسول (صلي الله عليه واله) ثلاث ولايات ”ولاية تكوينية ، ولاية تشريعية ، ولاية إدارية“ هذه الولايات الثلاث التي ثبتت للنبي (صلي الله عليه واله) ثبتت لعلي ابن ابي طالب (عليه السلام)، وهذا معنى قوله في يوم الغدير ”ألست اولى بكم من انفسكم“ أي ان لي ولاية عليكم ولاية تكوينية ، ولاية تشريعية وولاية ادراية ، قالو : بلى ، قال : فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم والي من والاه وعادي من عاداه وانصر من نصر واخذل من خذله . اذن مقتضى القرن بين الرسول (صلي الله عليه واله) والامام علي(عليه السلام) في هذه الاية ان الولاية الثابتة لهما سنخ واحد وبما ان النبي(صلي الله عليه واله) ثبتت له الولايات الثلاث فتثبت الولايات الثلاث للإمام علي (عليه السلام) .

نأتي الان لأسئلة ثلاثة نجيب عنها :

السؤال الأول : ان الاية عبرت بالجمع ﴿ … وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ 1لم تعبر باللفظ ، بعض الباحثين السنة يقول : لا يصح استعمال الجمع في واحد الاية لم تكن ”والذي آمن وأقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع“ كانت ﴿ … وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ 1فبما ان الاية تلفظت بلفظ الجمع لا يصح ان يراد بالجمع واحد فإن استعمال الجمع وإرادة الواحد خطأ في اللغة إذن تفسير الاية بالإمام علي (عليه السلام) خاطئ .

الجواب على ذلك : اولا ان هذا الباحث لم يفرق بين المراد الاستعمالي والمراد الجدي اذا رجعنا الى علم البيان وعلم الاصول نجد ان هناك فرق بين المراد الاستعمالي والمراد الجدي لم يستعمل الجمع في واحد لكي يكون خطأ أستعمل الجمع في معناه وانما المراد الواقعي من الجمع مصداق واحد وهو امير المؤمنين علي (عليه السلام) وهذا ليس خطأ بل هو موجود في القرآن .

ثانيا نأخذ عدة موارد في القرآن يعبر بالجمع وهو يريد واحد مثلا قوله تعالى :﴿ … لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ … ﴾ 25 رجعنا ضمير جمع والمتكلم كان واحد وهو عبدالله ابن ابي سلول .

وفي قوله تعالى : ﴿ … يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ … ﴾ 26هذا خطاب للجمع مع ان المخاطب واحد وهو خاطب ابن ابي بلتعة الذي تكلم مع قريش فعبر بالجمع والمراد واحد .

وفي قوله تعالى :  ﴿ … يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ … ﴾ 27الذي قال نخشى هنا واحد وهو عبدالله بن أُبي ، عبر بالجمع وأراد واحد .

وقوله عز وجل : ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ 28. هذه الاية تتحدث بصيغة الجمع من المراد بها ؟ ذكر بعض اخواننا من اهل السنة ان المراد بها ابو بكر وذكر البعض الاخر ان المراد بها علي (عليه السلام) سواء أريد بها ابو بكر او أريد بها علي (عليه السلام)فالمراد بها واحد وقد عبرت بالجمع والغريب ان بعض اخواننا اهل السنة حين يصل لهذه الاية يعتبرها من المناقب العظيمة لأبي بكر وهي قد عبرت بالجمع في حين يذهب لأيه الولاية يقول انه لا يصح اذن كيف صح في الاية السابقة ؟

هنا قيل :﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً … ﴾ 28 ” اليست جمع ؟ فكيف تفسرونها بأبي بكر ؟ كيف استعمل الجمع وأريد به واحد وهنا في ايه الولاية يستعمل الجمع واريد به واحد اذن اما ان يصح في الجميع أو لا يصح في الجميع . اذن بالنتيجة استعمال الجمع في معنى الجمع مع كون المراد الجدي به مصداقا واحد موجود في القرآن الكريم ولاريب فيه .

السؤال الثاني : إذا كانت الاية قد حصرت الإمامة والولاية في الله والرسول (صلي الله عليه واله) والامام علي (عليه السلام) فهذا معناه بطلان إمامة بقية الأئمة بينما الشيعة تقول الإمامة لا تختص بعلي(عليه السلام) بل تشمل اثنا عشر شخص بما ان شيعة الإماميه يقولون بإمامة الائمة الإثني عشر اذن الإمامة لم تنحصر في علي (عليه السلام) ، فكيف تفسرون ايه الولاية بالإمامة ومعنى اية الولاية محصورة في علي بعد النبي(صلي الله عليه واله) مع ان عقيدتكم على ان الإمامة لا تنحصر في علي(عليه السلام) بل تشمل اثني عشر شخص كيف تجمعون بين الامرين ؟

الجواب على ذلك : اولا نحن نقول بأن هناك رواية وردت عن الامام الصادق (عليه السلام) ”نرجع الى كتاب وسائل الشيعة الجزء التاسع ، في باب الزكاة ، باب جواز التصدق حال الركوع“ يذكر الرواية عن الامام الصادق (عليه السلام) احمد بن عيسى يقول ان هذه الاية ” : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ … ﴾ 1 نزلت فينا كلنا يعني كل الائمة إذ ما من احد من ذريته“ ذرية الامام علي(عليه السلام) ” بلغ مبلغ الإمامة الإ تصدق وهو راكع فشملته الاية . جميع الائمة (عليهم السلام) انطبقت عليهم الاية لان جميع الائمة (عليهم السلام)تصدقوا وهم ركوع فشملتهم الاية المباركة ولعل هذا السر في تعبير الاية بصيغة الجمع ولم تعبر بالمفرد حتى تشمل بقية الائمة الطاهرين .

رواية الإمام الصادق (عليه السلام) ”ما من احد من ذريته بلغ مبلغ الامامة الا وقد تصدق وهو راكع“ اذن لفظ الجمع في الاية يصلح ان يكون للتعظيم عبر بالجمع مع ان المراد واحد او للترغيب كما ذكر الزمخشري في كشافه او عبر بالجمع لأنه يريد مجموع الأئمة الاطهار (عليهم السلام). .

ثانيا : لنفترض ان الاية تعني عليا (عليه السلام) فقط ، الامامة لها درجات لأن الامامة تابعه للعلم فكلما كان العلم اوسع كانت درجة الامامة اقوى كل الائمة (عليهم السلام) حجج لله على خلقه معصومون لهم الولاية في عالم التكوين وعالم التشريع وعالم الحكم وإدارة الامور كل الائمة (عليهم السلام) يتساوون في هذه النقطة لكن درجة الامامة تختلف باختلاف درجة العلم . ابراهيم (عليه السلام) كان اماما لكن امامته لم تكن كإمامة النبي محمد (صلي الله عليه واله) فالإمامة ايضا لها درجات لذلك الدرجة من الامامة التي ثبتت لعلي بن ابي طالب (عليه السلام) لم تثبت لاحد من بعده من الائمة الاطهار صلوات الله عليهم وان كان جميعهم ائمة ولذلك ورد عن الصادق (عليه السلام) : كلنا في الفضل سواء وعلي (عليه السلام) له شأن ولا غرابة في ذلك فأن القرآن اعتبر علي (عليه السلام) نفس النبي (صلي الله عليه واله)، القرآن في ايه المباهلة ماذا قال ؟

قال تعالى : ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾ 29 .

ولم يخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) الا فاطمة (عليها السلام) والحسن والحسين (عليهما السلام) وعلي (عليه السلام) فعلي (عليه السلام) نفسه (صلى الله عليه وآله) .

السؤال الثالث : يقال كيف تصدق علي (عليه السلام) بخاتمه وهو راكع هذا معناه انه مشغول عن الصلاة بينما التاريخ يروي ان علي (عليه السلام) اذا دخل في الصلاة استغرق في ملكوت الله فلا يلتفت يمينا ولا شمالا ولقد كانت السهام تنفذ الى بدنه يوم صفين فلا يشعر بها وهو قائم يصلي فاذا كان علي (عليه السلام) مشغول بالصلاة فكيف التفت الى وجود سائل ومد خاتمه اليه وهو راكع اذن هذا يقدح في خشوع علي (عليه السلام) اثناء الصلاة ويقدح في عروج روح علي (عليه السلام) الى ربه جل وعلا اثناء الصلاة فإذا فسرنا الاية بعلي(عليه السلام) فإن هذا قدح في علي (عليه السلام) وليس مدحا له .

الجواب على ذلك : علي (عليه السلام) جمع بين عبادتين ليس بين عبادة وعمل دنيوي الانسان الذي يتحرك في الصلاة بحركة دنيوية مثلا في حين صلاته يضرب بيديه الارض في هذا الحال ان كان يجمع الصلاة مع حركة دنيوية يقال انها تتنافى مع خشوعه وخضوعه لربه،امام (عليه السلام) اذا جمع في صلاته بين عبادتين فالصدقة عبادة والصلاة عبادة فعلي(عليه السلام) جمع بين عبادتين ، فعلي (عليه السلام) جمع بين عروجين لله ، عروج صلاتي وعروج زكاتي ، علي (عليه السلام) جمع بين تعلقين لله ، تعلق صلاتي وتعلق زكاتي وهذا يكشف عن عظمته انه يستطيع ان يجمع بين عبادات متعددة في آن واحد ، علي (عليه السلام) تشغله صلاته عن الحركة الدنيوية ولا تشغله صلاته عن العبادات الاخرى التي تأتلف مع عبادة الصلاة في مضمون واحد وعروج واحد وتعلق واحد  ، ولذلك الألوسي وهو من علماء السنة في كتابه روح المعاني تفسير الاية اتى بهذه الشبهه ذاتها قال : هو كما قال الشاعر :

يسقي ويشربُ لا تلهيه سكرتهُ *** عن النديم ولا يلهو عن الناسِ

أطاعَهُ سُكرُهُ حتّى تمكّن من *** فعلِ الصحاةِ فهذا واحدُ الناسِ

اذن هذا الانسان الذي يقوى على ربط كل افكاره كل خيالاته كل انفعالاته هذا الذي يضبط كل شؤونه الداخلية والخارجية ويستطيع ان يجمع بين اعمال متعددة بهدف واحد في وقت واحد هذا دليل عظمته ودليل سيطرته على نفسه وليس دليلا على القدح في صلاته ابدا ، الائمة الاطهار صلوات الله عليهم اجميعن كانوا يجمعون بين العبادات وكانوا قد ينفصلون عن عبادة ليشرعوا في عبادة اخرى وكانوا ينفصلون عن قربة ليشتغلوا بقربة اخرى ، الامام الحسين(عليه السلام) دخل مكة أحرم أعتمر ثم انطلق الى عبادة اخرى ، عبادة الجهاد ، عبادة الدفاع عن المبدأ عبادى التقرب الى الله بقوله : ” إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً ” فمعناه أن ثورتي لم تكن للرياء والغرور وليست فيها ذرّة من الظلم والفساد ، بل ” إنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي أريد ان أمر بالمعروف وانهى عن المنكر  “

اللهم بالحسين وابيه وامه واخيه والتسعة من ذريته وبنيه (عليهم السلام) اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار اللهم اشفي مرضانا ومرضى المؤمنين والمؤمنات واقضي حوائجنا وحوائجهم 30 .

  • 1. a. b. c. d. e. f. g. h. القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 55، الصفحة: 117.
  • 2. القران الكريم: سورة طه (20)، الآيات: 25 – 32، الصفحة: 313.
  • 3. القران الكريم: سورة القصص (28)، الآية: 35، الصفحة: 389.
  • 4. القران الكريم: سورة فصلت (41)، الآية: 34، الصفحة: 480.
  • 5. a. b. القران الكريم: سورة الجاثية (45)، الآية: 19، الصفحة: 500.
  • 6. القران الكريم: سورة الأنفال (8)، الآية: 72، الصفحة: 186.
  • 7. a. b. القران الكريم: سورة الأحزاب (33)، الآية: 6، الصفحة: 418.
  • 8. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 107، الصفحة: 17.
  • 9. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 282، الصفحة: 48.
  • 10. القران الكريم: سورة الإسراء (17)، الآية: 33، الصفحة: 285.
  • 11. القران الكريم: سورة التوبة (9)، الآية: 71، الصفحة: 198.
  • 12. القران الكريم: سورة الأنبياء (21)، الآية: 73، الصفحة: 328.
  • 13. القران الكريم: سورة مريم (19)، الآية: 55، الصفحة: 309.
  • 14. القران الكريم: سورة مريم (19)، الآية: 30 و 31، الصفحة: 307.
  • 15. القران الكريم: سورة المؤمنون (23)، من بداية السورة إلى الآية 4، الصفحة: 342.
  • 16. القران الكريم: سورة الأعلى (87)، الآية: 14، الصفحة: 591.
  • 17. a. b. القران الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 43، الصفحة: 55.
  • 18. القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآيات: 51 – 56، الصفحة: 117.
  • 19. a. b. c. d. القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 51، الصفحة: 117.
  • 20. القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 54، الصفحة: 117.
  • 21. القران الكريم: سورة هود (11)، الآية: 113، الصفحة: 234.
  • 22. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 257، الصفحة: 43.
  • 23. القران الكريم: سورة الأحزاب (33)، الآية: 36، الصفحة: 423.
  • 24. القران الكريم: سورة النساء (4)، الآية: 65، الصفحة: 88.
  • 25. القران الكريم: سورة المنافقون (63)، الآية: 8، الصفحة: 555.
  • 26. القران الكريم: سورة الممتحنة (60)، من بداية السورة إلى الآية 1، الصفحة: 549.
  • 27. القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 52، الصفحة: 117.
  • 28. a. b. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 274، الصفحة: 46.
  • 29. القران الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 61، الصفحة: 57.
  • 30. نقلا عن الموقع الرسمي لسماحة السيد منير الخباز حفظه الله ، المحاضرات المكتوبة .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى