مقالات

التشكيك في قدسية القرآن…

نص الشبهة: 

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ورد في أحد الكتب تفسيراً لقوله تعالى : ﴿ لَٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ . أن كلمة﴿ … وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ … ﴾ من الأخطاء النحوية في القرآن وأن الالتزام بكونها خطأ من الكتّاب أولى من الالتزام بما لا ينسجم مع بلاغة القرآن. فهل يجوز ورود خطأ في القرآن؟ ولو كان خطأ نحوياً! وما هو موقع قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ ؟

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الجواب: 

بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين..
وبعد..
فإن القرآن الكريم قد بهر العرب ببلاغته وقهرهم بعجيب مزاياه، حتى اعترفوا بعجزهم عن مجاراته، ولم يتمكنوا من العثور على أي خلل أو خطأ فيه، وصاروا يعرضون كلامهم عليه ويسترشدون به، حيث اعتبروه حاكماً ومعياراً لكلامهم حين رأوا أنه في أعلى درجات الصحة والسلامة..
ولكننا في الوقت الحاضر نسمع ونرى الكثير من المحاولات الشاذة والمشبوهة للمساس بقدسية القرآن في شتى الجهات. وهي وإن كانت قد باءت كلها بالفشل الذريع، ولكن ذلك لا يعني أن لا يتم التصدي لها بقوة وصرامة، ما دام أن من الجائز أن تترك بعض الأثر على ضعفاء النفوس، الذين لا يملكون حظاً من الثقافة أو قسطاً من المعرفة يؤهلهم لاتخاذ الموقف الصحيح، والحازم والقوي منها. وقد أثار دهشتنا دعوى البعض، وجود خطأ نحوي في قوله تعالى : ﴿ … وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ … ﴾ 1. حيث كان لا بد حسب نظره أن يكون المورد هنا على الرفع لا على النصب أو الجر. والصحيح : «والمقيمون الصلاة» مدّعياً: أن الالتزام بالخطأ من قبل الكاتبين أولى من الالتزام بما لا ينسجم مع بلاغة القرآن..
وادعى أيضاً: أن الجيل الأول لم يلتفتوا إلى هذا الخطأ، والأجيال التالية، وإن كانت قد تنبهت له، لكنها لم ترد أن تفتح باب التصرف في القرآن، لأن ذلك في غير مصلحة الدين والقرآن.
ونقول : إنه يمكن الرد عليه بأمور كثيرة نذكر منها:
1 ـ دعواه أن الناس في البداية لم يلتفتوا إلى هذا الخطأ لعدم التفاتهم إلى كثير من الأمور التي لم يشعروا بأهميتها.
لا تصح، إذ أننا نعرف من خلال الروايات والنصوص التي لا مجال لعدها وحصرها أن القرآن لم يكن مهجوراً بين الناس بل كانوا يهتمون اهتماماً عظيماً جداً بقراءته وحفظه طلباً للثواب والتماساً لفهم معانيه والاستفادة منها.
وقد تواترت النصوص عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) التي تأمرهم وتحثهم على قراءة القرآن نظراً.. وقد كثر حفاظ القرآن الكريم، بنحو لا نظير له..
وقد ذكروا : أنه قد قتل في حرب اليمامة أربع مائة من حفاظ القرآن الكريم.
وقد ورد أيضاً : أنه حضر في معركة صفين ثلاثون ألفاً من قراء القرآن 2.
كما أنهم كانوا يسمون ثورة ابن الأشعث على الحجاج بثورة القراء، لأن أكثر من حضرها كانوا من قراء القرآن.
وبعد هذا، كيف يمكننا أن نتصور أن يكون الجيل الأول بأكمله قد غفل عن هذا الخطأ وتنبه إليه الجيل الآخر.
وفوق ذلك كله نقول: أين كان علي (عليه السلام) والحسنان عن هذا الأمر، ولماذا لم ينبهوا الناس إلى هذا الخطأ؟ أم يعقل أن يكونوا أيضاً قد غفلوا عن هذا الخطأ؟! حسب منطق هذا البعض؟ أم سكتوا عنه خوفاً وتقية؟ مع العلم أن هذا ليس من موارد التقية.
بل إن هذا البعض نفسه ينقل عن عائشة: أنها قالت لعروة بن الزبير: إن الكتبة قد أخطأوا في الكتابة.. أفلم تكن عائشة من الجيل الأول؟!، فكيف يدّعي غفلة الجيل الأول عن هذا الخطأ؟!
إن الحقيقة هي أن الجيل الأول قد تنبه إلى هذه المسألة، ولكنه لم يتعامل معها على أساس كونها خطأ كما تعامل معها هذا البعض، إلا أمثال عائشة، ومن له غرض بالمساس بقداسة القرآن..
واللافت: أن هذا البعض قد ادعى غفلة الجيل الأول عن هذا الأمر، دون أن يأتي بدليل يثبت مدعاه، ونحن نطالبه بالدليل على ذلك؛ لأنه لم يزل يردد: «أن الإثبات يحتاج إلى دليل كما النفي يحتاج إلى دليل».
بالإضافة إلى أن الله قد تعهد بحفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ 3، وحيث أن هذه الآية تفيد أن الحفظ للقرآن إنما هو لجميع الأجيال، فلا يغفل عنه جيل ويلتفت إليه جيل آخر، لأن الحفظ لا بد أن يكون للجميع على حد سواء.
2 ـ على أن قوله: إن الجيل الذي يلي الجيل الأول قد التفت إلى هذا الخطأ ولكنه آثر عدم التصدي لإصلاحه حذراً من الإساءة إلى طريقة الكتابة في القرآن لكيلا يتجرأ الناس على التغيير والتبديل فيما قد يسيء إلى أصل القرآن.
إن هذا القول يصطدم بحقيقة: أن السعي للطعن في القرآن الكريم من قبل أعداء الإسلام، لم ينته عند جيل، بل كانوا على مر العصور وكر الدهور، لا يألون جهداً ولا يدخرون وسعاً في هذا السبيل، فلو أنهم في أيام الجيل الثاني والأجيال التي تلته وجدوا أي مغمز في القرآن الكريم، لبادروا إلى التشهير، ولأقاموا الأعراس، وأعلنوا بالأفراح.. لأنهم استطاعوا أن يكتشفوا ما يسقط القرآن عن درجة الإعجاز، وأن يبطلوا نبوة محمد (صلى الله عليه وآله)، وما جاء به..
وما بالهم جعلوا القرآن معياراً، يعرضون كل الكلام عليه، فما وافقه أخذوه، وما خالفه في إعرابه، وفي أي شيء آخر رفضوه، ولماذا لم يثر أعداؤهم هذا الإشكال عليهم، وإذا كانوا أثاروه، فلماذا لم يعتذروا لهم عنه بما يقنعهم، ويسقط ذريعتهم..
3 ـ وعلى من يلزم نفسه بوجود هذا الخطأ، أن يتوقع دعاوى مسمومة وحاقدة تثار بين الفينة والفينة عن أن هناك عشرات أو مئات الأخطاء الأخرى التي غفل عنها الجيل الأول والذي بعده وإلى يومنا هذا، ومنها ما يتغير به المعنى للآيات بصورة أو بأخرى.
4 ـ أما القول بأن هذا الخطأ لا يوجب تغييراً في المعنى فهو نظير كلمة الصلاة والزكاة التي تكتب خطأ بصورة الصلوة والزكوة.
فنقول في جوابه: إن ما ادعاه من خطأ في كلمة الصلاة والزكاة، إنما هو مجرد اصطلاح في التصوير والشكل، ولا يؤثر على النطق بالآية ولا على معناها، ولكن ادعاءه الخطأ في كلمة ﴿ … وَالْمُقِيمِينَ … ﴾ 1 يوجب ضرراً في المعنى، وتضييعاً لبعض خصوصياته.
إذ أن نصب كلمة المقيمين إنما يكون على المدح والاختصاص، والقول بخطأ قراءة النصب يعني تضييع خصوصية المدح والتخصيص والاهتمام بالمقيمين للصلاة دون سواهم من الراسخين في العلم.
5 ـ ثم إن ورود كلمة الصلاة والزكاة بهذا الشكل في القرآن الكريم، لا يؤثر في لفظها والنطق بها، فلم ينطق بها أحد من القراء بالواو بل كان لفظها بالألف دائماً، بخلاف قوله تعالى: ﴿ … وَالْمُقِيمِينَ … ﴾ 1 فإنه ليس مجرد اختلاف في الكتابة والرسم والتصوير. بل إن الكتابة على هذا النحو تعني لزوم التلفظ بالياء وأن لا تقلب الياء واواً في النطق، فهي ليست كلفظ الصلاة والزكاة كما صوّره البعض لنا.
6 ـ إن الالتزام بالخطأ يعني الالتزام بنفي إعجاز القرآن كما ذكرنا، فإعجاز القرآن يكمن في فصاحته وبلاغته، ودلالاته وإخباراته وإعرابه، وكل خصوصياته ومفرداته، لا في معانيه ودلالاته فقط.
إنه لا بد من الحفاظ على قدسية القرآن في جميع جهاته، لأنه هو المعجزة الكبرى والخالدة لأعظم نبوة وأقدس رسول، وهي نبوة محمد (صلى الله عليه وآله)، وهي الخاتمة لجميع النبوات، وهي تستلزم الكمال في كل متعلقاتها، وخصوصاً في المعجزة المثبتة لها على وجه منفرد ومتفرد.
إنها المعجزة الأولى والأقوى والأعظم التي قدمها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لمن واجهه بالتكذيب والجحود، ولم يستطع أحد منهم أن يرفضها أو يتخلص من الاعتراف بإعجازها.
فالطعن في القرآن الكريم، وادعاء وجود الخطأ فيه، وإثارة الشبهات حوله، ما هو إلا تضييع للنبوة وإسقاط القرآن عن المعيارية، وحرماننا من الثقة بمعانيه.
والحمد لله رب العالمين 4.

  • 1. a. b. c. القران الكريم: سورة النساء (4)، الآية: 162، الصفحة: 103.
  • 2. كتاب صفين للمنقري ص 188.
  • 3. القران الكريم: سورة الحجر (15)، الآية: 9، الصفحة: 262.
  • 4. مختصر مفيد (أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة)، السيد جعفر مرتضى العاملي، « المجموعة الثالثة »، المركز الإسلامي للدراسات، الطبعة الأولى، 1423 ـ 2002، السؤال (156).
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى