التعليمالقرآن الكريمالقرآن الكريممقالات

ما هو تاويل قول الله تعالى {ولقد همت به و هم بها} في قصة يوسف النبي؟

نص الشبهة: 

فإن قيل: فما تأويل قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام وامرأة العزيز ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ .

الجواب: 

إن الهم في اللغة ينقسم إلى وجوه: منها العزم على الفعل كقوله تعالى: ﴿ … إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ …﴾ 1أي أرادوا ذلك وعزموا عليه.

قال الشاعر: هممت ولم أفعل وكدت وليتني *** تركت على عثمان تبكي حلائله
ومثله قول الخنساء: وفضل مرداسا على الناس حلمه *** وإن كل هم همه فهو فاعله
ومثله قول حاتم الطائي: ولله صلعوك يساور همه *** ويمضي على الأيام والدهر مقدما ومن وجوه الهم، خطور الشئ بالبال وإن لم يقع العزم عليه.
قال الله تعالى: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا … ﴾ 2وإنما أراد تعالى أن الفشل خطر ببالهم، ولو كان الهم في هذا المكان عزما، لما كان الله تعالى ولا هما لأنه تعالى يقول: ﴿ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ 3وإرادة المعصية، والعزم عليها معصية.
وقد تجاوز ذلك قوم حتى قالوا إن العزم على الكبيرة كبيرة وعلى الصغيرة صغيرة وعلى الكفر كفر.
ولا يجوز أن يكون الله تعالى ولي من عزم على الفرار عن نصرة نبيه صلى الله عليه وآله وإسلامه إلى السوء، ومما يشهد أيضا بذلك قول كعب بن زهير:

فكم فيهم من سيد متوسع *** ومن فاعل للخير إن هم أو عزم

ففرق كما ترى بين الهم والعزم.
وظاهر التفرقة قد يقتضي اختلاف المعنى.
ومن وجوه الهم أن يستعمل بمعنى المقاربة، فيقولون هم بكذا وكذا أي كاد أن يفعله.
قال ذو الرمة: أقول لمسعود بجرعاء مالك *** وقد هم دمعي أن يلج أوائله
والدمع لا يجوز عليه العزم، وإنما أراد أنه كاد وقرب.
وقال أبو الأسود الدؤلي: وكنت متى تهمم يمينك مرة *** لتفعل خيرا تقتفيها شمالكا
وعلى هذا خرج قوله تعالى جدارا يريد أن ينقض أي يكاد.
قال الحارثي: يريد الرمح صدر أبي براء *** ويرغب عن دماء بني عقيل
ومن وجوه الهم الشهوة وميل الطباع، لأن الانسان قد يقول فيما يشتهيه ويميل طبعه إليه: ليس هذا من همي وهذا أهم الأشياء إلي. والتجوز باستعمال الهمة مكان الشهوة ظاهر في اللغة.
وقد روي هذا التأويل عن الحسن البصري قال: أما همها فكان أخبث الهم، وأما همه (ع) فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء. فإذا كانت وجوه هذه اللفظة مختلفة متسعة على ما ذكرناه نفينا عن نبي الله ما لا يليق به وهو العزم على القبيح، وأجزنا باقي الوجوه لأن كل واحد منها يليق بحاله.
فإن قيل: فهل يسوغ حمل الهم في الآية على العزم والإرادة ؟ ويكون مع ذلك لها وجه صحيح يليق بالنبي (ع) ؟.
قلنا: نعم، متى حملنا الهم ههنا على العزم، جاز أن نعلقه بغير القبيح ويجعله متناولا لضربها أو دفعها عن نفسه، كما يقول القائل: قد كنت هممت بفلان، أي بأن أوقع به ضربا أو مكروها.
فإن قيل: فأي فائدة على هذا التأويل في قوله تعالى: ﴿ … لَوْلَا أَنْ رَأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ … ﴾ 4والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها ؟.
قلنا: يجوز أن يكون لما هم بدفعها وضربها، أراه الله تعالى برهانا على أنه إن أقدم على من هم به أهلكه أهلها وقتلوه، أو أنها تدعي عليه المراودة على القبيح، وتقذفه بأنه دعاها إليه وضربها لامتناعها منه، فأخبر الله تعالى أنه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء اللذين هما القتل والمكروه، أو ظن القبيح به أو اعتقاده فيه.
فإن قيل: هذا الجواب يقضي لفظة (لولا) يتقدمها في ترتيب الكلام، ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهم بضربها، وتقدم جواب (لولا) قبيح، أو يقتضي أن يكون (لولا) بغير جواب.
قلنا: أما جواب (لولا) فجائز مستعمل، وسنذكر ذلك فيما نستأنفه من الكلام عند الجواب المختص بذلك، ونحن غير مفتقرين إليه في جوابنا هذا، لأن العزم على الضرب والهم به قد وقع، إلا أنه انصرف عنه بالبرهان الذي رآه، ويكون تقدير الكلام وتلخيصه: ” ولقد همت به وهم بدفعها لولا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك “.
فالجواب المتعلق بلولا محذوف في الكلام، كما يحذف الجواب في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ 5، معناها: ولولا فضل الله عليكم ورحمته، وأن الله رؤوف رحيم لهلكتم، ومثله ﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾ 6معناها لو تعلمون علم اليقين لم تتنافسوا في الدنيا ولم تحرصوا على حطامها.
وقال امرؤ القيس: فلو أنها نفس تموت سوية *** ولكنها نفس تساقط أنفسا
أراد فلو أنها نفس تموت سوية لتقضت وفنيت، فحذف الجواب تعويلا على أن الكلام يقتضيه ويتعلق به. على أن من حمل هذه الآية على الوجه الذي لا يليق بنبي الله، وأضاف العزم على المعصية إليه، لا بد له من تقدير جواب محذوف.
ويكون التقدير على تأويله: ولقد همت بالزنى وهم بمثله، لولا أن رأى برهان ربه لفعله.
فإن قيل: متى علقتم العزم في الآية والهم بالضرب أو الدفع كان ذلك مخالفا للظاهر.
قلنا: ليس الأمر على ما ظنه هذا السائل، لأن الهم في هذه الآية متعلق بما لا يصح أن يتعلق به العزم والإرادة على الحقيقة، لأنه تعالى قال: 7فتعلق الهم في ظاهر الكلام بذواتهما، والذات الموجودة الباقية لا يصح أن تراد ويعزم عليها، فلا بد من تقدير أمر محذوف يتعلق العزم به مما يرجع إليهما ويختصان به ورجوع الضرب والدفع إليهما كرجوع ركوب الفاحشة فلا ظاهر للكلام يقتضي خلاف ما ذكرناه، ألا ترى أن القائل إذا قال: قد هممت بفلان فظاهر الكلام يقتضي تعلق عزمه وهمه إلى أمر يرجع إلى فلان، وليس بعض الأفعال بذلك أولى من بعض، فقد يجوز أن يريد أنه هم بقصده أو بإكرامه أو بإهانته أو غير ذلك من ضروب الأفعال، على أنه لو كان للكلام ظاهر يقتضي خلاف ما ذكرناه، وإن كنا قد بينا أن الأمر بخلاف ذلك لجاز أن نعدل عنه ونحمله على خلاف الظاهر، للدليل العقلي الدال على تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن القبائح.
فإن قيل: الكلام في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا … ﴾ 4خرج مخرجا واحدا. فلم جعلتم همها به متعلقا بالقبح ؟ وهمه بها متعلقا بالضرب والدفع على ما ذكرتم ؟
قلنا: أما الظاهر، فلا يدل الأمر الذي تعلق به الهم والعزم منهما جميعا، وإنما أثبتنا همها به متعلقا بالقبيح لشهادة الكتاب، والآثار بذلك.
وهى ممن يجوز عليها فعل القبيح، ولم يؤمن دليل ذلك من جوازه عليها كما أمن ذلك فيه (ع)، والموضع إلى يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ 8وقوله تعالى: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ … ﴾ 9وقوله تعالى حاكيا عنها ﴿ … الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ 10وفي موضع آخر: ﴿ قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ … ﴾ 11. والآثار واردة بإطباق مفسري القرآن ومتأوليه، على أنها همت بالمعصية والفاحشة، وأما هو عليه السلام فقد تقدم من الأدلة العقلية ما يدل على أنه لا يجوز أن يفعل القبيح ولا يعزم عليه.
وقد استقصينا ذلك في صدر هذا الكتاب.
فأما ما يدل من القرآن، على أنه عليه السلام ما هم بالفاحشة ولا عزم عليها فمواضع كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ … كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ … ﴾ 4وقوله تعالى ﴿ ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ … ﴾ 12ولو كان الأمر كما قال الجهال من جلوسه منها مجلس الخائن وانتهائه إلى حل السراويل وحوشي من ذلك، لم يكن السوء والفحشاء منصرفين عنه، ولكان خائنا بالغيب، وقوله تعالى حاكيا عنها: ﴿ … وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ … ﴾ 11.
وفي موضع آخر: ﴿ … أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ 10وقول العزيز لما رأى القميص قد من دبر ﴿ … إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ 13فنسب الكيد إلى المرأة دونه، وقوله تعالى حاكيا عن زوجها لما وقف على أن الذنب منها وبراءة يوسف (ع) منه: ﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾ 14وعلى مذهبهم الفاسد أن كل واحد منهما مخطئ فيجب أن يستغفر فلم اختصت بالاستغفار دونه، وقوله تعالى حاكيا عنه: ﴿ … رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ 15 ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾16فالاستجابة تؤذن ببراءته من كل سوء، وتنبئ أنه لو فعل ما ذكروه لكان قد يصرف عنه كيدهن.
وقوله تعالى:﴿ … قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ … ﴾ 10والعزم على المعصية من أكبر السوء، وقوله تعالى حاكيا عن الملك:﴿ … ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ 17ولا يقال ذلك فيمن فعل ما أدعوه عليه.
فإن قيل: فأي معنى لقول يوسف: ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ 18.
قلنا: إنما أراد الدعاء والمنازعة والشهوة ولم يرد العزم على المعصية، وهو لا يبرئ نفسه مما لا تعرى منه طباع البشر. وفي ذلك جواب آخر اعتمده أبو علي الجبائي واختاره، وإن كان قد سبق إليه جماعة من أهل التأويل وذكروه، وهو أن هذا الكلام الذي هو ” وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ” إنما هو من كلام المرأة لا من كلام يوسف عليه السلام.
واستشهدوا على صحة هذا التأويل بأنه منسوق على الكلام المحكي عن المرأة بلا شك. ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿ … قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ 10حصحص الحق: بأن بعد كتمانه.﴿ ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾ 12﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ … ﴾ 18فنسق الكلام على كلام المرأة وعلى هذا التأويل يكون التبرؤ من الخيانة الذي هو ﴿ ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ … ﴾12من كلام المرأة لا من كلام يوسف (ع) ويكون المكنى عنه في قولها ﴿ … أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ … ﴾ 12هو يوسف (ع) دون زوجها، لأن زوجها قد خانته في الحقيقة بالغيب، وإنما أرادت أني لم أخن يوسف (ع) وهو غائب في السجن، ولم أقل فيه لما سئلت عنه وعن قصتي معه إلا الحق، ومن جعل ذلك من كلام يوسف (ع) جعله محمولا على إني لم أخن العزيز في زوجته بالغيب، وهذا الجواب كأنه أشبه بالظاهر، لأن الكلام معه لا ينقطع عن اتساقه وانتظامه.
فإن قيل: فأي معنى لسجنه إذا كان عند القوم متبرئا من المعصية متنزها عن الخيانة.
قلنا: قد قيل إن العلة في ذلك الستر على المرأة والتمويه والكتمان لأمرها حتى لا تفتضح وينكشف أمرها لكل أحد، والذي يشهد بذلك قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ 19.
وجواب آخر في الآية على أن الهم فيها هو العزم، وهو أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير، ويكون تلخيصه ” ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها ” ويجري ذلك مجرى قولهم: قد كنت هلكت لولا أن تداركتك، وقتلت لولا أني قد خلصتك.
والمعنى لولا تداركي لهلكت ولولا تخليصي لقتلت، وإن لم يكن وقع في هلاك ولا قتل.
قال الشاعر: ولا يدعنى قومي صريخا لحرة *** لئن كنت مقتولا ويسلم عامر
وقال الآخر: فلا يدعنى قومي ليوم كريهة *** لئن لم اعجل طعنه أو اعجل
فقدم جواب لئن في البيتين جميعا.
وقد استبعد قوم تقديم جواب لولا عليها، وقالوا لو جاز ذلك لجاز قولهم، قام زيد لولا عمرو، وقصدتك لولا بكر.
وقد بينا بما أوردناه من الأمثلة والشواهد جواز تقديم جواب لولا، وأن القائل قد يقول قد كنت قمت لولا كذا وكذا، وقد كنت قصدتك لولا أن صدني فلان، وإن لم يقع قيام ولا قصد. وهذا هو الذي يشبه الآية دون ما ذكروه من المثال. وبعد، فإن في الكلام شرطا وهو قوله تعالى: ﴿ … لَوْلَا أَنْ رَأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ … ﴾ 4، فكيف يحمل على الإطلاق مع حصول الشرط ؟ فليس لهم أن يجعلوا جواب لولا محذوفا، لأن جعل جوابها موجودا أولى. وليس تقديم جواب لولا بأبعد من حذفه جملة من الكلام. وإذا جاز عندهم الحذف لئلا يلزم تقديم الجواب جاز لغيرهم تقديم الجواب حتى لئن لا يلزم الحذف.
فإن قيل: فما البرهان الذي رآه يوسف عليه السلام حتى انصرف لأجله عن المعصية، وهل يصح أن يكون البرهان ما روي من أن الله تعالى أراه صورة أبيه يعقوب (ع) عاضا على إصبعه متوعدا له على مقاربة المعصية، أو يكون ما روي من أن الملائكة نادته بالنهي والزجر في الحال فانزجر.
قلنا: ليس يجوز أن يكون البرهان الذي رآه فانزجر به عن المعصية ما ظنه العامة من الأمرين اللذين ذكرناهما، لأن ذلك يفضي إلى الإلجاء وينافي التكليف ويضاد المحنة، ولو كان الأمر على ما ظنوه لما كان يوسف عليه السلام يستحق بتنزيهه عما دعته إليه المرأة من المعصية مدحا ولا ثوابا، وهذا من أقبح القول فيه (ع)، لأن الله تعالى قد مدحه بالامتناع عن المعصية وأثنى عليه بذلك فقال تعالى: ﴿ … كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ 4، فأما البرهان، فيحتمل أن يكون لطفا لطف الله تعالى به في تلك الحال أو قبلها، فاختار عنده الامتناع من المعاصي والتنزه عنها، وهو الذي يقتضي كونه معصوما لأن العصمة هي ما اختير (ما اختار) عنده من الألطاف، التنزه عن القيح والامتناع من فعله.
ويجوز أن يكون معنى الرؤية ههنا بمعنى العلم، كما يجوز أن يكون بمعنى الادراك، لأن كلا الوجهين يحتمله القول.
وذكر آخرون: إن البرهان ههنا إنما هو دلالة الله تعالى ليوسف (ع) على تحريم ذلك الفعل، وعلى أن من فعله استحق العقاب لأن ذلك أيضا صارف عن الفعل ومقو لدواعي الامتناع منه وهذا أيضا جايز 20.

  • 1. القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 11، الصفحة: 109.
  • 2. القران الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 122، الصفحة: 66.
  • 3. القران الكريم: سورة الأنفال (8)، الآية: 16، الصفحة: 178.
  • 4. a. b. c. d. e. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 24، الصفحة: 238.
  • 5. القران الكريم: سورة النور (24)، الآية: 20، الصفحة: 351.
  • 6. القران الكريم: سورة التكاثر (102)، الآية: 5 و 6، الصفحة: 600.
  • 7. القران الكريم: سورة (12)، الآيات: 24 – 4، الصفحة: -1.
  • 8. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 30، الصفحة: 238.
  • 9. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 23، الصفحة: 238.
  • 10. a. b. c. d. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 51، الصفحة: 241.
  • 11. a. b. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 32، الصفحة: 239.
  • 12. a. b. c. d. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 52، الصفحة: 241.
  • 13. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 28، الصفحة: 238.
  • 14. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 29، الصفحة: 238.
  • 15. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 33، الصفحة: 239.
  • 16. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 34، الصفحة: 239.
  • 17. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 54، الصفحة: 242.
  • 18. a. b. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 53، الصفحة: 242.
  • 19. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 35، الصفحة: 239.
  • 20. تنزيه الأنبياء عليهم السلام للسيد مرتضى علم الهدى، دار الأضواء: 72 ـ 82.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى