نور العترة

قبسات من حياة الزهراء…

حين نريد أن نتكلم عن الزهراء (عليها السلام)، فالكلام لن يكون عن امرأةٍ عادية أبداً، لأنّ اتّصاف الزهراء (عليها السلام) بوصف القدوة والنموذج يجعل للحديث عنها معنى يختلف في حيثيّاته وتفاصيله عن الحديث عن أيّ أنثى أخرى، خاصة إذا راجعنا سيرة حياتها الشريفة والأحاديث الواردة في فضلها وعظمتها، ولتوضيح ذلك نذكر في المقدمة حديثاً قدسياً عن الله عزّ وجلّ لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث ورد فيه: (يا محمد، لولا علي لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما)، هذا الحديث الذي قد يبدو وللوهلة الأولى صعب القبول والتصديق، لكن عندما نحلّله نرى أنّه ليس بعيداً عن واقع القضية التي ينظر إليها إذ أنّها ابنة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وزوج أمير المؤمنين (عليه السلام)وهي بالتالي أم الأئمة المعصومين (عليهم السلام) فهي إذن الرابط والواسطة بين الأصل والفرع، وبعبارةٍ أخرى إنّ سلسلة الأنوار المعصومة تتوسّطها الزهراء (عليها السلام) ولهذا فإنّ مثل هذا الحديث لا غرابة فيه ولا تعجّب منه، ولتوضيح المسألة أكثر نذكر الحديث التالي الذي يكشف بعض الجوانب التي تزيد الحديث المذكور وضوحاً وهو حديث قدسي أيضاً: (يا محمد إنّ الله عزّ وجلّ جلاله يقول: لو لم أخلق علياً لما كان لفاطمة ابنتك كفو على وجه الأرض آدم فمن دونه).
من هنا فبما أنّ الحديث عن سيدة نساء العالمين الطاهرة المطهّرة حديث ذو شجون، سوف نقتصر في البحث عن الناحية الجهادية والسياسية من حياتها الشريفة المباركة، وهو الجانب الذي يهمّنا الكشف عنه للردّ على الكثير من الشبهات والتشويش حول دور المرأة الجهادي والسياسي، خاصة في هذا الظرف العصيب الذي تمرّ به الحالة الإسلامية عموماً، من أجل أن تتمكن المرأة أن تأخذ مكانها الطبيعي في مسيرة الجهاد في سبيل الرسالة والهدف.
وسوف نحاول توضيح صورة الجهاد الذي مارسته الزهراء (عليها السلام) في حياتها، كونها النموذج الأكمل الذي يجب على كلّ النساء الإقتداء به وذلك من خلال تبيان النقاط التالية:
أولا ً_ أنّ الزهراء (عليها السلام) كانت منطلقة في حركتها وعملها من خلال كونها إنساناً لا من خلال كونها أنثى، والفرق بين الأمرين ينبغي توضيحه وذلك لأنّ الجهاد في سبيل الإسلام والرسالة ليس حكراًَ على الرجل وحده بل هو واجب على كلّ المسلمين رجالا ً ونساء، ولهذا فعندما تنطلق المرأة في حركتها من خلال كونها إنساناً لا أنثى سوف تشعر بالمسؤولية تجاه الرسالة في كلّ عملٍ تقوم به، لأنّ شعورها الإنساني سوف يحدّ من توجّه المرأة نحو أنوثتها، لأنّ الأنوثة عند المرأة لها وظيفة محدودة جداً كوظيفة الذكورية عند الرجل تماماً في المحافظة على استمرار النسل لضمان بقاء المسيرة الإنسانية فاعلة على كافّة الصعد ونواحي الحياة. لكن دور المرأة في الإسلام أوسع وأكبر من هذا الإطار الضيّق الذي ما زال مجتمعنا محارباً له نتيجة التخلّف الذي طرأ على حياة مجتمع المسلمين ما أدّى إلى تقليص الدور الكبير، حتى صار الخروج عنه ومحاولة الرجوع إلى الواقع الصحيح أشبه بالبدعة والضلال بنظر البعض من المسلمين، ولهذا نجد أنّ مجتمعاتنا الحالية ما زالت تنظر إلى المرأة وتتعامل معها انطلاقاً من كونها أنثى فقط، وقليلا ً ما تقيم لها وزناً واعتباراً من حيث كونها إنساناً في غير جانب الأنوثية المحضة.
من هنا نحن بحاجة ماسّة، خاصة في زمن الصحوة الإسلامية المباركة أن نعيد النظر في كثيرٍ من القضايا التي نمارسها عملياً، خاصة في الجوانب المهمة والرئيسية كالقضية التي نتكلّم عنها، وبالأخص في الجانب الذي نبحث عنه من حياة الزهراء (عليها السلام) وهو الجانب السياسي من حياتها وشخصيّتها الرسالية الرائدة.
هنا عندما نرجع إلى نصوصنا الشريفة، نجد قسماً بارزاً يركّز على الزهراء (عليها السلام) على أنّها معلمٌ من معالم الحق، ونورٌ من أنوار الهداية والرشاد، وأنّها مقياس من مقاييس الإلتزام بالنهج الصحيح للإسلام كما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: (إنّ الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها)، وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (فاطمة بضعة مني، من سرّها فقد سرّني، ومن ساءها فقد ساءني فاطمة أعزّ الناس عليّ).
فمثل هذين الحديثين وما يقربهما من المعنى والمضمون، لا ربط لها بقضية قرابة الزهراء (عليها السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهذا ممّا ينبغي أن نجل نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) عنه الذي ورد عنه بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).
بل تلك الأحاديث ناظرة إلى ما قلناه، حتى تكون نوراً للناس لئلاّ يضيّعوا ولا يشتوا عن الصراط المستقيم باتّباع من ليس أهلا ً لقيادة المسلمين وتولّي شؤونهم وأمورهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
من هذا المنطلق، فنحن ننظر إلى الزهراء (عليها السلام) من هذه الزاوية كزعيمة سياسية للمسلمين، كانت تسعى من خلال حركتها وعملها إلى كشف الزيف الذي انحرف إليه المسلمون بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ربّه راضياً مرضياً، ولتعمل على تصحيح المسيرة التي جاهد من أجلها المسلمون وضحّوا بدمائهم.
ومن هنا يمكن لنا أن نستوعب فكرة أن تكون المرأة المسلمة ساعية لتحصيل الوعي السياسي عبر نظرها إلى نفسها على أنّها إنسان لا أنثى، لأنّ هذه النظرة الإسلامية الصحيحة في تقييم المرأة لنفسها هو الذي يجعلها تفرض وجودها على الساحة بشكلٍ جيد، لتتجاوز حالة الحصار الإجتماعي المفروض عليها وهو أنّها أنثى فقط.
ولهذا عندما نرجع إلى حياتها (عليها السلام) بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة نجد العديد من الأحداث والقضايا التي كان للزهراء (عليها السلام) دورٌ بارز فيها على هذا الصعيد، من أجل أن تكون عاملا ً مساعداً على توضيح الصورة وكشف الملابسات التي حصلت في قضية الخلافة واستلامها من جانب الأشخاص الذين ما كان يحق لهم أن يستلموها بدلا ً عن صاحبها الشرعي والقانوني.

اولاً: رفض ما جرى بعد رحيل النبي (ص).

ثانياً: قضية فدك، ومطالبتها لأبي بكر بها.

ثالثاً: رفضها السماح للإمام (عليه السلام) بمبايعة أبي بكر بالخلافة.

رابعاً: غضبها وسخطها على الشيخين بسبب الهجوم على بيتها وإسقاط جنينها.

خامساً: موتها وطلبها من الإمام (عليه السلام) في وصيّتها أن تدفن سراً بدون إعلام الشيخين لتفويت الفرصة عليهما.

أمّا بالنسبة إلى فدك فالمطالبة بها وإن كانت حسب ظاهرها مطالبة بإرث ورّثه لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّها كانت تخفي ما هو وراء ذلك وهو إعادة الخلافة إلى صاحبها الحقيقي فيما لو تمّت عملية إرجاع فدك للزهراء (عليها السلام) لأنّ ذلك الإرجاع كان حجّة على عدم أحقية الذي تولّى الخلافة بذلك المنصب، ولهذا نرى أنّ المعارضين لعودة فدك احتجوا بأنّها تطالب اليوم بفدك وغداً تطالب بالخلافة ممّا سيجعل موقعية الخليفة المعين صعباًَ للغاية من دون أن يكون له مبرّر بالبقاء على سدّة زعامة المسلمين، ولهذا لم يرجعوا فدكاً لفاطمة بعد مطالبتها لأبي بكر بموعظة بليغة أثّرت في نفوس الحضور الذين أجهشوا بالبكاء عندما بدأت الزهراء (عليها السلام) الحديث في دار الخلافة في حضور أبي بكر وعمر، ولعلّ القضية التي حدثت مع الإمام الكاظم (عليه السلام) عندما عرضوا عليه إرجاع فدك إلى أهل البيت (عليهم السلام) قال: “أقبل لكن بحدودها”، وكان المعنى أنّ حدود فدك هي آخر نقطة يصل إليها حكم الإسلام وخلافة المسلمين، من هنا نفهم أنّ المطالبة بفدك كانت مدخلا ً لقضايا سياسية كبيرة وليست مجرّد دعوى على قطعة أرض لا قيمة لها بنظر الزهراء البتول (عليها السلام) إلاّ بمقدار ما كانت ترمز إليه من معنى كبير كانت تريد تحقيقه من خلال ذلك ولهذا نرى أنّها أطلقت كلمتها عندما لم يقبل الآخرون بالتسليم بحجّتها في فدك قالت: (يابن أبي قفاحة، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئاً فرياً، أفعلى عمد ٍ تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم، إذ يقول ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ … ﴾ 1).

وأمّا بالنسبة إلى منع الزهراء (عليها السلام) الإمام (عليه السلام) من مبايعة الخليفة لأنّها كانت ترى أنّ ذلك يمكن أن يصبح سنّة لدى كلّ طامعٍ بالخلافة ليجبر أهل الحقّ على التسليم له والرضوخ لأمره فإن لم يكن بالترغيب فبأسلوب الترهيب لتضليل الأمّة والرأي العام ولهذا نرى أنّها (عليها السلام) لم ترض بذلك، خاصة بعد أن رأت الآخرون يجبرون الإمام مُكرهاً للمبايعة، بعد أن هجموا على بيتها الشريف وحصل ما حصل من أوجاع وآلام نتيجة عصرها بين الباب والحائط حفاظاً على سترها وحجابها من أولئك القوم الظلمة الذين لم يراعوا حرمات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيت ابنته الذي كان أعزّ البيوت إليه وكان آخر بيت ينظر إليه عندما يخرج وأول بيت ينظر إليه عند رجوعه من سفرٍ بعيد عن المدينة أو قريب، خرجت الزهراء (عليها السلام) تجرّ ولديها وفلذتي كبديها من أجل تجييش الناس لينظروا ما يحصل ضدّ البيت النبوي الذي أخرجهم من ظلمات الجاهلية والموت إلى أنوار الإيمان والحياة. ولهذا إلى هنا، نجد أنّ الزهراء (عليها السلام) أيقنت أنّ القوم لن يرتدّوا عن غيبهم ولن يعودوا إلى جادة الحق فإذا بها تعلن براءتها من أولئك القوم الظالمين وتطلق صرختها المدوّية بأنّها ساخطة عليهما وغاضبة منهما وأنّ الله عزّ وجلّ هو يحكم وهو الفصل يوم القيامة، تلك البراءة منهما لعبت دورها بين المسلمين وصارت موضع أخذٍ ورد، ولهذا نجد أنّ أبا بكر وعمر حاولا جاهدين أن يتسامحا منها لا من أجل أن ترضى عنهما بل من أجل قطع الطريق على استمرارية هذا الطرح بين المسلمين ولهذا عملا على توسيط أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك، لكنّها أصرّت على الموقف، ولم تتنازل عنه وماتت سلام الله عليها وهي على ذلك، من دون أن تتأثر بكلّ ما حصل لها من جرّاء ذلك.
واستعملت الزهراء (ع) اسلوب البكاء لأنّه يحمل مع دموعه مصائب أهل البيت بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولهذا فإنّها (عليها السلام) كوسيلةٍ لنشر مؤامرات الآخرين وفضحهم أمام الرأي العام.
ولهذه الأسباب أيضاً أوصت قبل موتها أن لا يعرف أبو بكر وعمر بذلك، فيصليا عليها وينالا البراءة عمّا قاما به ضدّها وضدّ أهل البيت عامة والإمام (عليه السلام) خاصة، ومع هذا عمل أبي بكر وعمر على أن ينبشا قبرها الشريف للصلاة عليه، لكن الإمام (عليه السلام) وقف ها هنا موقفاً رائعاً جداً ومهدّداً بأنّ من يسعى إلى ذلك لن يكون نصيبه مني إلاّ السيف والقتال، ولولا هذا التهديد لكان من المحتمل أن ينفّذ أولئك فعلتهم الشنيعة في نبش قبرها (عليها السلام).
هذا ما يسمح به المجال للحديث عن الجهاد السياسي للزهراء (عليها السلام) التي عاشت مقهورة وماتت مقهورة وتبعث مقهورة، وهناك عند الجبار المتعال، يكون الحساب وتظهر النتائج جلية عند المليك المقتدر مالك السموات والأرض. والحمد لله ربّ العالمين2.

  • 1. القران الكريم: سورة النمل (27)، الآية: 16، الصفحة: 378.
  • 2. نقلا عن الموقع الرسمي لسماحة الشيخ محمد توفيق المقداد حفظه الله.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى