التعليممقالات

النفس ووسائط الفيض الالهي…

لَم تكُن لمُفردة النّفس لَدى أهل اللّغة والفِكر والفَلسفة تَعريفاً واحداً مُتّفقٌ عليه، بَل كانَت عندَ البعض مِنهم مِنَ المُعضلات والمسائل المَعَقّدة لأرتباط مَعناها بمعنى الروح، ولِتَرابُط الخصائص والوظائف لكلٍ مِنهُما، ولأن تَعريفَهُما قَد يَختَلف باختلاف الأديانِ والمَذاهبِ والآراء. فَقد يكونُ للنّفس تَعريفاً يَنطلق من البعد العقائدي يختلف عن تعريفها فلسفياً، فَللفلاسفة المَشّائين علی سبيل المثال تعريف يختلف عمّا لدی الإشراقيين، وقد تَختلف التّعريفات تبعاً للمدراس الفكريّة والمَذهبية، فالمُعتزلة لهم تَعريفٌ وللأشاعرة تعريف وللإمامية تعريف وللإسماعيلية تعريف،وهكذا لباقي الفرق المذاهب.
وفي هذا المَقال المُختصر، ومن أجل الغور في مَفهوم تَزكية النَّفس وبيان ارتباط هذا الأمر بالمَدَد والفَيض الالهي، لا بُد لنا أولاً مِن تبيان مُوجزٍ عن النّفس وماهيَتها وعلاقتها بالجّسد وأين دور الروح في هذه العلاقة.
النّفسُ تَتمَوضع داخل الجسم فتأخذ شكله وحجمه، أحاسيسه ومشاعره، وتتولى قيادة الجسم فتَستخدم أعضاءه من أجل التّعامل مع الواقع والتفاعل معه. ألإنسان إذاً هو ثُنائي التركيب، فالنّفس هِيَ جَوهره وحَقيقَته وأما الجّسد فَهُو ادواتٌ تُسَيطر النّفس على حَركتها وتُسييرها وَلَولا وجود النّفس في الجّسد لتَوقّـف الاخير عن الحَركة ولأصبحَ جامداً، وبعبارة أخرى فالجّسد هو عبارة عن وسيط بين النفس وبين العالم الخارجي.
وللملائكة أنفسٌ داخل أجسادها النورانية من طبيعة العالم النوراني الذي خُلِقوا منه، وحينما يَحين دَور النّفس البَشرية وَتَبدأ في عالم الدنيا يَبعثُ اللّه الروح الى ذلك الجسد المادي، بَعد أن مرّ بمراحله الثلاث، فَتنشأ للجنين في بَطن أمه إرادة مستقلة بسبب النفس (الروح) التي نُفِخَت فيه. فهذه الروح حينما تُنفَخ داخل الجّسد تُحَوّل الجّسد الى كيان يَسمع ويُبصر ويَحس، حينها لا تسمّى روحاً بل يكون إسمُها نَفساً. وعندما تكتمل بُنية الجسد ويُصبح الإنسان مهيأ لكي تَقُودُه نفسه لتكون سمعه وبصره ومشاعره وتفكيره وإدراكه، قال الله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ 1.
أنّ النّفس هي ذات الإنسان التي يقع عليها التكلّيف والتعذّيب والنعيم والشقاء، فقول الله جلي في هذا الشأن: ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ 2، وفي آية أخرى: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ 3، وفي آية أخرى: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ 4.
وللنّفس حَواسّها كالسّمع والبصر والشّم والتذوق واللّمس، ولكنها تَستخدم أدوات الجّسد للوصول الى تلك الحواس عبر جهاز المخ، فالنّفس تَسمع عن طريق أداة الجسد وهي الأُذن، وتُبصر بالعين، وتَشُم بالانف وتَتذوق باللّسان وتتَلمّس بالجلد.
فالنّفس أذاً تَستعين بالجّسد لكي تُبصر وتَسمع فَتعمل بما أمر الله من أجل نيل أعلى المراتب العبادية قبل أن يموت الجّسد فَتَخرُج النّفس لتعود الى المكان الذي جاءت منه لقوله نعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ 5، ثم لابُد لها منَ الرجوع ثانية للحساب الاخرَوي فَتَنال جَزاءَ ما قَدّمت يَديها في الحياة الدنيا، قال الله تعالى ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ 6.
فالنّفس هيَ المُوجّه الحقيقي للبدن والمُسيطر عليه وهي مَنشأ الأعمال والأفعال والأقوال وهي في الأصل جُبلت على الخَير والعمل الصالح والتوحيد لقول الله تعالى: ﴿ … فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ … ﴾ 7، فإن صَلُحَت هذه النّفس واستَقامَت صفاتها وأخلاقها كانَت هيَ الدَّليل والمُرشد نحو الخَير والصّلاح ومَنشأ الحَسَنات والنجاة في الدنيا والآخرة، وهنا لا بُد من الاشارة الى أن الإنسان في دارِ الدنيا إنّما هُو في دارِ امتحانٍ واختبار، والنّفس البَشرية التي خلقها الله قد تكون بَين مراتب ثلاث، تبعاً لعمل الإنسان، فالله جَلّ جلاله جعله مخيراً في عَمله وما يَصدُر منه وله انعكاسه واثره على النّفس، قال الله تعالى ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ 8، فَحُسن الخُلق والأعمال الصالحة تُزكّي النّفس وتَرفعها الى مَرتبة النّفس المُطمئنة، كما أشار القران بقوله: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ 9.
والمُؤمن عندما يُكثِر من عَمَل الخَير يُولّد في نَفسه مَرتَبه أخرى للنفس تكون لَه دليلاً ومُرشداً ومُحذراً وَواقياً من السقوط في المَعاصي وتلك هي النفس اللّوامة، أي التي تَلومُ الإنسان على الإتيان بالمعاصي والمُوبقات أو حين التباطيء في أداء الطاعات، قال الله تعالى: ﴿ … لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ 10.
وقَد تَميل النّفس نَحو الهوى والضّلال وتَجنح نَحو السوء والفحشاء والرذائل فَتَعمى عن طاعة الله وتلك هي النّفس الأمّارَة، فإنْها لا تَزيد الانسان الاّ طُغياناً وضلالاً وتيها، قال الله تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ 11.
وعَن أمير المؤمنين علي عليه السلام انّه قال: (إن النّفس لجوهرة ثمينة من صانَها رَفَعها وَمَن ابتَذَلها وضعها12)، فاختيار الإنسان بميوله نَحو الشهوات والملذّات الشيطانية الفانية يُمرّض النّفس ويُفقِدُها حَقيقة جَمالها المَلَكوتي الذي خلقه اللّه عليها فتصبح أمّارةً بالسوء، ضالة مُضله، تَختِم على سَمْعِ الانسان وَبَصره وتَضَع عليه غشاوة فَيتَردى ويسقط في ضلاله.
مِن هنا جاء الدَّورُ الرسالي للأنبياء والمُرسلين في تَوجيه وإرشاد النّاس الى ما فيه خَيرٌ لأنفسهم فَزَخارف الدنيا الفانية ومتاعها الزائل والشّهوات والأهواء لا تَنسجم مع حقيقة النّفس الملكوتية، والمؤمنُ التّقي الوَرِع هُو الذي يُميّز بين ما يَنفعه لآخرته وما يَضُرّه، وهو يَعلَم أنّ ثمرةَ نَهي النّفس عن كل ما يغضب الله ويُوجِب سَخطة فان عاقبة ذلك هي الجنة، وذلك هو الفوز العظيم، قال الله تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ﴾ 13.
أن تَزكيةُ النُفوس وتَقويمُها، وتَطهير القلوب وإصلاحها مَنهجٌ الأنبياء والأولياء والصالحين ومَن سار علی دَربهم من اهلِ الفِكر والعَقل والمَنطق منذ الأزل، على أختلاف أديانهم وَمُعتَقداتهم وثقافاتهم، فَطَرقوا ابواباً وسَلَكوا مآرب ومَسالك شتَّى، واتّبعوا مناهجَ وطرائقَ متنوعة من أجل بُلوغ مَرتَبة إصلاح النفس وتَزكيتها وتَهذيتها. والبعض الآخر قد سار على مناهج فَلسفية وتأمُّلاتٍ قائمةٍ على الظنون والخيال، لا تَستَند لأي دَليل شرعي أو عقدي او علمي فأغرقت النّفس بالتعذيب وأشغلتها بأمور مُضنِية لا يجدُ فيها الحصيف والبصير ضالَّتَه، ولا يبلغُ منها الحكيم بُغيتَه طالما لم يكن المنطلق في ذلك هو الإصلاح والتهذيب والتدريب الموجب للابتعاد عن كل ما يُفسِدها ويَحْرِمها من العمل الصالح وإدراك القرب الإلهي والنيل من فيوضاته.
أنّ الذي أدرك نَصيبًا من العَقل والفهم والبصيرة يُدرك بوضوح أنّ طَهارة القلوب وتَزكية النُفوس والذي هُوَ المَسلَك نحو النعيم والنجاةَ من الجّحيم، إنّما بَيّنَها وفَصّلَها وكشف عن مكنونها الحقيقي هو كتابُ الله الحكيم بآيات مُحكمات عَبّرت عَن مَنهَج سَماوي لا عَيب فيه ولا عِوج لأنه صادرٌ عن الكَّمال المُطلق، فلا بُد للسالك في دَرب تَربية النّفس أن ينهل من هذا النبع الصافي، فالله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ 14.
فاتِّباع المَنهج الإلهي مِن أوامر ونواهي وبرامِجَ، وضحته آيات القران الكريم، وجسدته ورَسَمَت أبعاده وشَرَحَت معانيه وبَيَّنَت فرائضه المنهج الحق للمصطفى وأهل بيته الأطهار صلوات الله عليهم اجمعين، وهذه التّزكية لَن تَبلُغ المُستوى المطلوب الا من خلال التَّسليم المُطلق للإرادة الإلهية، وتَخليص النفس من ربقة الشَهوات وظُلمة المَطامع وأدناس الهَوى، وتَحطيم أصنام الذّات والعَمل والمُثابرة على مُجاهدة الهوى وكَبح جماحها من أجل الوصول إلى أسمى مَراتب التّزكية النفسية لتكون مستعدة لتلقّي الفيوضات الإلهية.
ومما رواه ابن مسعود رضي الله عنه قال: (دخلت يوماً على رسول الله (ص) فقلت: يا رسول الله ارني الحق لأتصل به فقال: يا عبد الله لجّ المخدع قال فولجت المخدع وعلي بن أبي طالب يصلي وهو يقول في ركوعه وسجوده: اللهم بحق محمد عبدك ورسولك اغفر للخاطئين من شيعتي، فخرجت حتى أخبرتُ به رسول الله | فرأيته وهو يصلي ويقول: اللهم بحق علي ابن أبي طالب (ع) عبدك اغفر للخاطئين من أمتي قال فأخذني هلع حتى غشي عليّ فرفع النبي (ص) رأسه وقال يا ابن مسعود أكفر بعد إيمان؟ فقلت حاشا وكلا يا رسول الله (ص) ولكني رأيت علياً يسأل الله تعالى بك ورأيتك تسأل الله به فلم أعلم أيكم أفضل عند الله! فقال (ص): اجلس فقال ابن مسعود فجلست بين يديه فقال لي اعلم ان الله تعالى خلقني وخلق علياً من نور عظمته قبل ان يخلق الخلق بألفي عام إذ لا تقديس ولا تسبيح ففتق نوري فخلق منه السموات والارض وإنّا والله أجلّ من السموات والارض، وفتق نور علي بن أبي طالب (ع) فخلق منه العرش والكرسي وعلي بن أبي طالب أفضل من العرش والكرسي، وفتق نور الحسن فخلق منه اللوح والقلم والحسن أفضل من اللوح والقلم، وفتق نور الحسين فخلق منه الجنان والحور العين والحسين والله أجل من الجنان والحور العين، ثم أظلمت المشارق والمغارب فشكت الملائكة إلى الله تعالى ان يكشف عنهم تلك الظلمة فتكلم الله جل جلاله بكلمة فخلق منها روحاً ثم تكلم بكلمة فخلق من تلك الروح نوراً فأضاف النور إلى تلك الروح وأقامها أمام العرش فزهرت المشارق والمغارب فهي فاطمة الزهراء ولذلك سميت الزهراء لأن نورها زهرت به السموات15).
فهذه الرواية وغيرها الكثير إنّما تَدُل بوضوح علی أن الذَّوات المُقدسة الكاملة كالنبيّ والأئمّة هُم وسائطُ الفَيض الالهي، مُكَلّفون بين العباد ومَنبع الفَيض المطلق.
والسؤال هنا كَيف لمُجاهدة النّفس وتَهذيبها والسّير بها نَحو مراتب الكمال ان تَكون هي المَسلك الوحيد والطريق الرشيد نحو أدراك القُرب مِنَ الذّوات المُقدسة ثُم نَيل الفيوضات الالهية والنِعَم الرَبّانية؟
إن التّزكية لا تَكتَمل أبعادها ولا تُؤتى ثِمارها الّا بَعد السير نحو مَعرفة الذات الالهية، كمعرفة عَدْله وادراك حقيقية تَوحيده، ثم الاحاطة بجميع صفاته المقدسة. وأن تلك المَعارف لا يُمكن الوصول اليها الا من بابِ الامامة والذي هو رأسُ مال المُؤمن ودليله وصراطه ووسيلته إلى الله. ان الأئمة عليهم السلام هُم أبواب الله التي منه يُؤتى، فَلن يَبلغ القاصد مَرامه الّا بطاعتهم، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ … ﴾ 16.
أنّهم أصحاب الولاية العليا والبرزخية العظمی، أنّهم وُسطاءُ الفيض الالهي والصراط بين مَنبَع الفيض والعباد. ولولاهم ما سَطَع نُور معرفة الحق جل جلاله علی اي عالم من العوالم، فَعَن الامام علي عليه السلام أنه قال: (إن الله خلقنا فأحسن خلقنا، وصوّرنا فأحسن صورنا، وجعلنا عينه في عباده، ولسانه الناطق في خلقه، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة، ووجهه الذي يؤتى منه، وبابه الذي يدلّ عليه، وخزّانه في سمائه وأرضه، بنا أثمرت الأشجار وأينعت الثمار وجرت الأنهار، وبنا ينزل غيث السماء ونبت عشب الأرض، وبعبادتنا عُبد الله، ولولا نحن ما عُبد الله17).
إنّهم نِعَمُ اللّه صَلَواتُ اللّه عليهم على العِباد ولا يَنكُرُهم الا شَقي ولا يَبغضهم الا جاهل، قال الله تعالى: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ 18، وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ 19.
ولقد أمَرَنا الباري بأن نَبتَغي إليه الوسيلة في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ 20، فَعَن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث طويل: (نحن يمين الله ونحن امناء الله… من آمن بنا آمن بالله، ومن رد علينا رد على الله، ومن شك فينا شك في الله، ومن عرفنا عرف الله، ومن أطاعنا أطاع الله، ونحن الوسيلة إلى الله والوصلة إلى رضوان الله، ولنا العصمة والخلافة والهداية21)، وعن الإمام الصادق عليه السلام: نَحن السّبَب بينكم وبين الله عَزّ وَجل22).
وَتَزكية النّفس كما اشرنا سابقاً تعني تَطهيرها مِنَ الآثام والموبقات، وَلأنّ الإمام صاحبُ العصر والزمان (عج) هو طُهْرٌ طاهِرٌ مُطَهّر فَلَن يَبلُغ أحَدٌ مَرتبة مَعرِفَته ومنزلة القرب منه إلا مَن سَعى وأجتهد باخلاص وهمّة لتطهير نَفسه مادياً ومعنوياً، فالقرب منه سَلام عليه لا يَنالها اولئك الذين يَعيشون في الآثام والمُنكَرات فالماء والنار لا يَجتمعان. ولأن مَعرفتهم هي معرفة اللّه وطاعَتهم هي طاعة الله فأن أدراك الفيض الالهي يَتَطَلّب التزاماً عَينياً حقيقياً وَسَعياً حَثيثاً لتطهير القُلوب وتَزكية النُفوس من أجل الوصول لمرتبة معرفة هذه الذوات المُقدسة ونيل توفيق دعائهم والسير خَلفَهم نَحو منبع الفيوضات الالهية، فَهُم أنوارُ الله، وبِهم يَهتَدي الهادون ولجمال نُورهم المُقدس سَجَدت الملائكة، فَكُل من أراد بُلوغ اعلی المَقام المَعرفية عليه التَّمسك بِهم من أجل العُروج نَحو الهَدف والوصول الى المَقصَد، ففي الزيارة الجامعة الواردة عن الإمام عليّ الهادي عليه السلام قال: (بكم فتح الله، وبكم يختم، وبكم ينزل الغيث، وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه، وبكم ينفس الهم ويكشف الضرّ، وعندكم ما نزلت به رسله، وهبطت به ملائكته، وإلى جدّكم بعث الروح الأمين23)
وَعَن الإمام علي عليه السلام أنه قال: (نحن شجرة النبوة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم، ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة24).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى