مقالات

مواكب العزاء…

انتهيت في مقالي السابق إلى أن الأماكن المقدسة، والمناسبات المقدسة ليست خطاً أحمر عند الشيطان، لأن ساحته هي النفس الإنسانية في أية حالة كانت، من هنا كان التأكيد على ضرورة أن تكون الضوابط مرعية لو كان هناك داعٍ لحضور المرأة في مواكب عزاء الرجال.

وهنا لابد من التنبيه لأمور مرتكزة في إفهام الناس, وقد أشار إليها الفقهاء بخصوص مواكب العزاء.

الأول: رعاية الستر والعفة

فالمرأة التي تحضر العزاء عليها استحضار القيم والمبادئ التي من أجلها بذل صاحب المناسبة حياته رخيصة، ومن أجلها ضحى بكل غالٍ ونفيس، ومن تلك القضايا المهمة تمسك المرأة بدينها وحجابها وعفتها.
إن حضور النساء في صورة متسيّبة – لا سمح الله – قد تؤدي إلى الوقوع في الحرام، ولو بالنظر إلى ما حرم الله النظر إليه منهن, وقد يتمادى الأمر فتتكون بعض العلاقات المحرمة.
من زاوية أخرى فإن من العفة أن تكون رقابة الإنسان لعينه شديدة ومحكمة في مثل هذه الأماكن، فلا ينبغي للرجل المعزي أن يرمي بنظره حيث شاء مع وجود نساء مشاهدات أو مشاركات في مواكب العزاء، وكذلك لا ينبغي للمرأة أن تجول بنظرها في صفوف الرجال بتمعن وتفحص، فقد ورد عن النبي  أنه قال: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن تركها خوفاً من الله أعطاه إيماناً يجد حلاوته في قلبه».
ومثله في الكافي، عن أبي عبدالله الصادق أنه قال: «النظر سهم من سهام إبليس مسموم».

لباس المرأة

من المهم أن تستحضر المرأة وهي ذاهبة للمشاركة في مناسبة دينية حزينة أهداف تلك المناسبة وقيمها، كما أن من المهم أن تتفهم أنها حسب فرضنا تشارك في موكب أو عزاء يحضره الرجال كما في العراق والبحرين ولبنان مثلاً، ولذلك عليها أن تختار لباساً يكشف عن حزنها للمناسبة، وأن تنتقي لباساً يمثل جهة من القيم التي استشهد من أجلها صاحب المناسبة بمعنى أن يكون لباساً محتشماً، وليس فيه من الزينة والألوان ما يلفت نظر الرجال.

فمن الواضح تماماً عدم معقولية أن تخرج امرأة للعزاء وهي في لباس يقرب للتزين والفرح، أو أن تكون في لباسها غير محتشمة، وهي تتحرك لمناسبة دينية وقيمية الدافع لإقامتها هو تأكيد روح الفضيلة والصلاح في المجتمع.

الندب واللطم

هناك بعض الندبيات أو (الردَّاديَّات) كما يصطلح عليها فيها نوعٌ من التأوُّه، أو الكلمات العاطفية التي صاغها شعراء العزاء مليئة بعاطفة جياشة مليئة بالحزن والحسرة، لقد صيغت على شكل خطابات تطلب فيها ليلى من ابنها أن تضمّه وتقبله، أو تتحدث عن الرباب وهي تطلب من طفلها الرضيع أن يشرب من لبنها بعد أن شربت الماء وذرّ صدرها كما يتحدث به بعض الشعراء والرواديد، إلى غير ذلك من المقولات والمقاطع المسموعة في المواكب والمليئة بما يشبه هذه العبارات التي تستدر الدمع والحزن، ومع ذلك فهي غير صالحة لأن ترددها المرأة بمحضر الرجال، إذ ربما توجد بعض الأحاسيس غير الحميدة.

كما أن للرجال طرق عديدة للطم على صدورهم، بعضها هادئ ومناسب للمرأة لأنه لا يخرجها عن وقارها وحشمتها، وبعضها الآخر لا تناسب النساء بمحضر الرجال خوفاً من خروج المرأة بتفاعلها مع العزاء عن حالة الوقار والسكينة.
وفي استفتاء لسماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني يمكن ملاحظته على موقعه يقول: «ومن العفة أن لا يبدو صوت المرأة في حالة مثيرة للرجال كما يحصل في بعض اللطميات العاطفية الحزينة, ومن العفة أن تحافظ المرأة على وقارها لو أرادت اللطم فلا تلطم بطريقة الرجال, ومن العفة أن لا تمعن النظر في الرجال, وأخيراً من العفة حشمة اللباس»1.
ختاماً أرجو أن تسعفني الأيام لإكمال هذا المقال…

1. الموقع الرسمي لسماحة الشيخ حسن الصفار (حفظه الله)، نقلا عن صحيفة الوسط البحرينية 24 / 1 / 2011م – 2:10 ص.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى