سادة القافلةسيرة أهل البيت (ع)في رحاب نهج البلاغةمناسباتمنوعات

العدالة السياسية عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام – الثالث

الدكتور حامد العبد الله

والدكتور عبد الله سهر

* علي واصحابه:

دعونا الآن ننتقل إلى اصحاب علي (عليه السلام)، الذين قاتلوا معه في حرب الجمل، وقاتلوا معه في صفين، لنرهل ادوا حق امامهم؟

اولا لابد ان نتذكر ان بعض كبار الصحابة والتابعين كانت لهم مواقف مشرفة مع علي على طول الخط، ونخص بالذكر عمار بن ياسر، ابن ابي التيهان، خزيمة بن ثابت ذوالشهادتين…من الصحابة، محمد بن ابي بكر، ومالك الاشتر…من التابعين، وغيرهم.

لكن هؤلاء تساقط الواحد منهم بعد الآخر، قبل ان يفرغ عليا من حروبه. مضافا إلى هذا، لم يكن يمثل هؤلاء سوى اقلية واعية من اكثرية جاهلة، لا تعرف عليا حق المعرفة، بايعته بوصفه اكفا المرشحين للخلافة، ولم تكن تتصور الآمال والطموحات التي كان يحملها علي (عليه السلام)، والتي كان تتطلب نفسا طويلا، وموقفا صلبا، وروحا رسالية.

لقد بدات متاعب علي الحقيقية، مع اصحابه، بعد ان انتصر في حرب الجمل، وشرع في حرب صفين. فالذهنية العامة للمسلمين كانت تفسر الخلاف بين علي ومعاوية، على انه خلاف بين خط خلافة راشدة، وبين شخص يحاول الخروج على هذه الخلافة. كانوا ينظرون إلى علي – بشكل عام – على انه هو الخليفة الراشد، الذي يحاول ان يحافظ على الاسلام، في حين ان معاوية يحاول ان يتآمر على هذا الخط واستطاع علي (ع) ان يثبت هذا الانطباع – بالرغم من كل الظروف الموضوعية التي كانت لصالح معاوية – في ذهن القاعدة الشعبية الواسعة، في كل ارجاء العالم الاسلامي، عدا القطر الذي كان يرتبط بمعاوية.

الا ان الامر تطور إلى الاسوأ حين بدا المسلمون يشكون شكا واسع النطاق، بان المعركة بين علي وبين معاوية معركة رسالية ! [١] فالعراقيون – من اصحاب علي – قدموا من التضحيات شيئا كثيرا، بذلوا اموالهم ونفوسهم ودماءهم، آلاف من العراقيين ماتوا وقتلوا، عشرات من الاطفال يتموا، آلاف من النساء اصبحن ارامل، آلاف من البيوت والعوائل تهدمت، كثير من المدن والقرى غارت عليها جيوش معاوية، كثير من هذه المآسي والويلات حلت بهؤلاء المسلمين، نتيجة ماذا؟ ولاجل ماذا؟ [٢] … حتى ينتهي الامر لاحد القريشيين، علي اومعاوية…هكذا كانوا يفكرون.

لقد كان اقتراح عمرو بن العاص التحكيم، في وقت ملائم تماما لتفجير الصراع داخل جيش علي; فالخسارة البشرية الفادحة التي الحقتها الحرب بجيش علي – رغم ان خسائر جيش معاوية كانت اكثر – كانت عاملا نفسيا مهما لقبول التحكيم. وهكذا وجد في جيش علي فريقان: فريق يطلب ايقاف الحرب وتحكيم كتاب الله، تحت مبرر حقن دماء المسلمين، وفريق يصرعلى مواصلة الحرب، لمعرفتهم ان الدعوة إلى التحكيم لم تكن سوى خديعة من معاوية وعمرو.

الفريق الذي كان يطالب بايقاف الحرب، وتحكيم كتاب الله، كان فريقا ضاغطا، ويتوسع باستمرار، والفريق الآخر كان يقل انتصاره بالتدريج .

لقد ساء الامر إلى ان اتهم علي (عليه السلام) بالكذب! الامر الذي جعله يقوم ويخطب قائلا: «اما بعد يااهل العراق، فانما انتم كالمراة الحامل، حملت، فلما اتمت، املصت، ومات قيّمها، وطال تايمها، وورثها ابعدها (كناية عن ترك القتال في لحظة كانوا اقرب ما يكونوا للنصر) . اما والله ما اتيتكم اختيارا، ولكن جئت إليكم سوقا، ولقد بلغني انكم تقولون: علي يكذب! قاتلكم الله تعالى، فعلى من اكذب؟ اعلى الله؟ فانا اول من آمن به! ام على نبيه؟ فانا اول من صدقه » ! [٣]

بدا اصحابه بالتثاقل عن الحرب، وعلي لا يترك طريقا لحملهم على القتال الا وسلكه، فقال لهم ذات مرة: «منيت بمن لا يطيع اذا امرت، ولا يجيب اذا دعوت، لا ابالكم! ما تنتظرون بنصركم ربكم؟ اما دين يجمعكم؟ ولا حمية تحشمكم؟ اقوم فيكم مستصرخا، واناديكم متغوثا، فلا تسمعون لي قولا، ولا تطيعون لي امرا..» [٤].

وفي خطبة مليئة بالشكوى والالم يقول: «الا واني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا واعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل ان يغزوكم، فوالله ما غزى قوم قط في عقر دارهم الا ذلوا. فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات…فيا عجبا – عجبا والله يميت القلب ويجلب الهم – من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، فقبحا وترحا…اذا امرتكم بالسير اليهم ايام الحر، قلتم: هذه حمارة القيظ، امهلنا حتى يسبح عنا الحر. واذا امرتكم بالسير اليهم في الشتاء، قلتم: هذه صبارة القر، امهلنا حتى ينسلخ عنا البرد…فان كنتم من الحر والقر تفرون، فانتم من السيف افر! يا اشباه الرجال، ولا رجال! حلوم الاطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت اني لم اركم، ولم اعرفكم، معرفة – والله – جرت ندما، واعقبت سدما. قاتلكم الله! لقد ملاتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظا، وجرعتموني نغب التهمام انفاسا، وافسدتم عليّ راي بالعصيان والخذلان..» . [٥] .

وفي خطبة ثالثة يقول لهم: «اما والذي نفسي بيده، ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، ليس لانهم اولى بالحق منكم، ولكن لاسراعهم إلى باطل صاحبهم، وابطائكم عن حقي، ولقد اصبحت الامم تخاف ظلم رعاتها، واصبحت اخاف ظلم رعيتي…ايها القوم الشاهدة ابدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة اهواؤهم، المبتلى بهم امراؤهم، صاحبكم يطيع الله وانتم تعصونه، وصاحب اهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه، لوددت والله ان معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فاخذ مني عشرة منكم، واعطاني رجلا منهم…يا اشباه الابل غاب عنها رعاتها، كلما جمعت من جانب تفرقت من آخر..» . [٦] .

واستمر الامر بين شد وجذب، حتى قام الفريق المطالب بوقف الحرب بتهديد علي بالقتل كما قتلوا عثمان قبله! فاضظر علي إلى تجرع السم بقبول التحكيم، لمعرفته بان الحرب لا يمكن ان تستمر طالما بدا الشك في رسالتها يدب في نفوس اصحابه، ولحفظ جيشه من خطر التفكك. خطب قائلا: «ايها الناس، انه لم يزل امري معكم على ما احب، حتى نهكتكم الحرب، وقد والله، اخذت منكم وتركت، وهي لعدوكم انهك. لقد كنت امس اميرا، فاصبحت اليوم مامورا، وكنت امس ناهيا، فاصبحت اليوم منهيا. وقد احببتم البقاء، وليس لي ان احملكم على ما تكرهون » ! [٧]

هل انتهت المشكلة؟ ابدا…لقد بدات سللة جديدة من المعضلات، اولها الاعتراض على قبوله التحكيم، وعندما قام اليه رجل من اصحابه، فقال: نهيتنا عن الحكومة، ثم امرتنا بها، فلم ندر اي الامرين ارشد؟ حينها صفق على احدى يديه على الاخرى، وقال والحسرة تملا قلبه: «هذا جزاء من ترك العقدة…اريد ان اداوي بكم وانتم دائي، كناقش الشوكة بالشوكة، وهو يعلم ان ضعلها معها. اللهم قد ملت اطباء هذا الداء الدوي، وكلت النزعة باشطان الركي. اين القوم الذين دعوا إلى الاسلام فقبلوه، وقرؤوا القرآن فاحكموه، وهيجوا إلى الجهاد فولهوا وله اللقاح إلى اولادها..» . [٨]

لقد كان جيش علي (عليه السلام) في حال تفكك، كلما حاول ان يجمعهم تفرقوا، وكلما حاول ان يوحد كلمتهم تشتتوا، وهو يعرف ان بامكانه – بطريقة ما – ان يعيد للجيش وحدته، لكن الضريبة التي سيدفعها لا يمكن لعلي ان يدفعها…انه الانحراف عن الجادة، والسير في السبل الملتوية، وهذا ما اكده قائلا: «كم اداريكم كما تدارى البكار العمدة، والثياب المتداعية، كلما حيصت من جانب، تهتكت من آخر…واني لعالم بما يصلحكم، ويقيم اودكم، ولكني لا ارى اصلاحكم بافساد نفسي، اضرع الله خدودكم، واتعس حدودكم، لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل، ولا تبطلون الباطل، كابطالكم الحق » [٩] .

على اي حال، بدات مرحلة التحكيم وانتهى الامر إلى اختيار الحكم من الجانبين. من جانب معاوية الامر محسوم، فالحكم من طرفه الماكرعمروبن العاص. فحاول علي (عليه السلام) بدوره ان يختار حكما فطنا لا ينطلي عليه مكر عمرو، فاختار عبدالله بن عباس. الا ان اصحابه عصوه ثانية، وارغموه على اختيار ابي موسى الاشعري، بحجة ان ابن عباس قريب القرابة منك، ضنين في امرك، اما ابوموسى فهو رجل يثق اهل العراق واهل الشام بتقيته. [١٠]

ولابي موسى الاشعري تاريخ سيئ مع علي (عليه السلام) ; فقد كان له دور بارز في تثبيط الناس في الكوفة، عن نصرة علي يوم الجمل، بدعوى ان النائم في هذه الفتنة خير من اليقظان، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الساعي، والساعي خير من الراكب. [١١]

 فارسل اليه علي (عليه السلام) يومها رسالة، يؤنبه على هذا الموقف، ويحذره من الاقصاء ان استمر على تثبيط الناس، كتب علي: «…اذ قدم رسولي عليك، فارفع ذيلك، واشدد مئزرك، واخرج من جحرك، واندب من معك، فان حققت فانفذ، وان تفشلت فابعد…اعقل عقلك، واملك امرك، وخذ نصيبك وحظك، فان كرهت، فتنح إلى غير رحب ولا نجاة..» . [١٢]

اتفق طرفا التحكيم – الاشعري وابن العاص – على كتابة الصلح، وايقاف الحرب إلى ان يحكم الحكمان، واخذت المواثيق على هذا الصلح، وامهل المسلمون الحكمان من ستة إلى ثمانية اشهر.

حينها جاء عليا زرعة بن برج الطائي وحرقوص بن زهير – وهما من قادة الجمهور الثائر على عثمان – وقالا له: لا حكم الا لله، فقال علي: لا حكم الا لله، فقال له حرقوص: تب من خطيئتك، وارجع عن قضيتك، واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نقلي ربنا، فقال لهم علي: قد اردتكم على ذلك فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبينهم كتابا، وشرطنا واعطينا عهودنا ومواثيقنا، فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي ان تتوب منه، فقال علي: ما هو ذنب، ولكنه عجز من الراي، وضعف من الفعل، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه، فقال له زرعة: اما والله يا علي، لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله، قاتلتك بذلك اطلب وجه الله ورضوانه.عند تلك اللحظة ظهرت جماعة الخوارج، الذين رفضوا التحكيم بعد ان فرضوه على علي (عليه السلام)، وطالبوه بمواصلة القتال، قبل ان تظهر نتيجة التحكيم، في وقت كان ملتزما فيه بعهود ومواثيق، لا يمكنه التخلي عنها.

وذكروا ان ابا موسى وعمرا لما اجتمعا بدوامة الجندل، استقبل عمرو ابا موسى، فاعطاه يده، وضم عمرو ابا موسى إلى صدره، فقال: يا اخي قبح الله امرا فرق بيننا، ثم اقعد ابا موسى على صدر الفراش، واقبل عليه بوجهه…ومكثا اياما يلتقيان في امرهما سرا وجهرا. [١٣] وكان التخلص من انصار علي – امثال سعيد بن قيس، وعدي بن حاتم – يحذرون ابا موسى من ان ينخدع بحيل عمرو.

فغدا عليه ذات يوم وقال له: يا ابا موسى، ان قال قائل ان معاوية من الطلقاء، وابوه راس الاحزاب، لم يبايعه المهاجرون والانصار، فقد صدق. واذا قال ان عليا آوى قتلة عثمان، وقتل انصاره يوم الجمل، وبرز على اهل الشام بصفين فقد صدق. وفينا وفيكم فقية، وان عادت الحرب ذهب ما بقي، فهل لك ان تخلعهما جميعا، وتجعل الامر لعبدالله بن عمر، فقد صحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله) لم يبسط في هذه الحرب يدا ولا لسانا. [١٤]

ومن الواضح ان هذا العرض ينسجم تماما مع التوجهات المسبقة لابي موسى الاشعري، الذي اجابه: جزاك الله بنصيحتك خيرا. واستمرت المفاوضات التي كان الاشعري يقدم فيها التنازلات، خطوة بعد خطوة. حتى جاء اليوم الذي اعلن فيه انه يخلع عليا ومعاوية، ليجعلها لعبدالله بن عمر، حينها اعلن عمرو قائلا: ايها الناس، هذا ابوموسى شيخ المسلمين، وحكم اهل العراق، ومن لا يبيع الدين بالدنيا، وقد خلع عليا، وانا اثبت معاوية. [١٥]

هنا بدات مرحلة جديدة من الصراع، فقد عتب علي – في خطبة له – على اصحابه قائلا: «الحمد لله، وان اتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجليل…اما بعد، فان معصية الناصح الشفيق، العالم المجرب، تورث الحسرة، وتعقب الندامة، وقد امرتكم في هذه الحكومة امري، ونخلت لكم مخزون رايي، لو كان يطاع لقصير امر. فابيتم على اباء المخالفين الجفاة، والمنابذين العصاة، حتى ارتاب الناصح بنصحه، وضن الزند بقدحه » [١٦] .

بعد ذلك اعلن علي (عليه السلام) ان الحكمين تجاوزا الحق، وخلفا القرآن وراء ظهورهما، مع علمهما ان التحكيم كان مشروطا، بان يكون اساسه القرآن، لان الحرب توقفت بمبرر تحكيم كتاب الله. اذن هو غير ملتزم بنتيجة الحكمين، طالما لم يلتزما بالشرط، حيث قال: «اجمع راي ملئكم على ان اختاروا رجلين، فاخذنا عليهما ان يجتمعا عند القرآن، ولا يجاوزاه، وتكون السنتهما معه، وقلوبهما تبعه، فتاها عنه، وتركا الحق وهما يبصرانه، وكان الجور والاعوجاج رايهما، وقد سبق استثناؤنا عليهما في الحكم بالعدل، والعمل بالحق، سوء رايهما وجور حكمهما..» . [١٧] .

عندئذ قرر علي (عليه السلام) استئناف القتال ضد معاوية، الا انه بعد توجهه إلى الكوفة، امتنعت الخوارج من الدخول إليها، وذهبوا إلى قرية حروراء، كما ذهب قسم منهم إلى معسكر نخيلة اعتراضا على علي ( عليه السلام.)

واجتمع الخوارج في منزل عبدالله بن وهب الراسبي، واختاروه خليفة للمسلمين! وكان الطلاق النهائي بينهم وبين علي في معركة النهروان، حينما وصلت الاخبار عن فعالهم السيئة في ارعاب الناس، مثل قتلهم عبدالله بن خباب صحابي رسول الله، وبقر بطن زوجته الحامل. وحال علي – بشتى الطرق – ان ينبههم بانهم هم الذين اضطروه للتحكيم، وامر اصحابه ان لا يبدؤوهم بقتال، الا ان الخوارج بادروا إلى ذلك منادين: الرواح الرواح إلى الجنة!

لقد لخص لنا علي (عليه السلام) ما جرى عليه في الخطبة الشقشقية حينما قال: «فلما نهضت بالامر نكثت طائفة، ومرقت اخرى، وقسط آخرون. كانهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين » ، بلى والله! لقد سمعوها ووعوها، ولكنهم حليت الدنيا في اعينهم، وراقهم زبرجها. اما والذي فلق الحبة، وبرا النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما اخذ الله على العلماء على ان لا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، القيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكاس اولها، ولالفيتم دنياكم هذه ازهد عندي من عفطة عنز» [١٨] .

لقد ظلم اصحاب علي عليا (عليه السلام)، حينما تثاقلوا عن نصرته اولا، وحينما اضطروه إلى وقف الحرب وقبول التحكيم ثانيا، وظلموه حينما اضطروه لقبول الاشعري حكما ثالثا، وظلموه حينما طالبوه باستئناف القتال قبل ظهور حكم الحكمين رابعا، وظلموه بخروجهم عليه، او عدم استجابتهم لدعوته لمواصلة القتال خامسا.

هذا الظلم جعله في اواخر عمره يشعر بغربة شديدة، فبدا يستذكر اصحابه الخلص، الذين بداوا معه الطريق، وتساقطوا اثناء المسيرة، بدا بلهجة جديدة، يستشعر منها ان دوره  قد انتهي، وانه قد ادى ما عليه، فقال قبل استشهاده باسبوع: «ايها الناس، اني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الانبياء بها اممهم، اديت إليكم ما ادت الاوصياء إلى من بعدهم، وادبتكم بسوطي فلم تستقيموا، وحدوتكم بالزواجر فلم تستوسقوا، لله انتم. اتتوقعون اماما غيري يطأ بكم الطريق، ويرشدكم السبيل؟ …اين اخواني الذين ركبوا الطريق، ومضوا على الحق؟ اين عمار؟ واين ابن التيهان؟ واين ذوالشهادتين؟ واين نظراؤهم من اخوانهم الذين تعاقدوا على المنية، وابرد برؤوسهم إلى الفجرة » . ثم ضرب بيده على لحيته الكريمة، فاطال البكاء، ثم قال (ع) : «اوه على اخواني الذين تلوا القرآن فاحكموه، وتدبروا الفرض فاقاموه، احيوا السنة، واماتوا البدعة، دعوا للجهاد فاجابوا، ووثقوا بالقائد فاتبعوه » . ثم نادى باعلى صوته: «الجهاد الجهاد عباد الله، الا واني معسكر في يومي هذا، فمن اراد الرواح إلى الله فليخرج » [١٩] .

٢. النصيحة:

اذا تساءلنا: هل قام المسلمون بواجب النصيحة؟ لكان على الارجح سؤالا سخيفا; لان المارقين عبروا عن نصيحتهم – في الاقتصاص لدم عثمان – بالانشقاق في الشام، والدخول في معركة مع علي. وعبر الناكثون عن نصائحهم بتحريض الناس للحرب، والدخول في معركة مع علي. وعبر المعتزلون عن نصيحتهم في التحرز عن دماء المسلمين، بتثبيط الناس، وخذلان علي، وعبر المارقون عن نصيحتهم في مواصلة الحرب – قبل ظهور نتيجة التحكيم – بالخروج على علي وتكفيره. وعبر الانتهازيون عن نصيحتهم لعلي بالالتحاق بركب معاوية.

حقا قد يتصور المرء ان على الحاكم الشرعي الانصياع لكل نصيحة، وتنفيذ كل راي. لكن هذا التصور خاطئ للغاية. اولا لان علي (عليه السلام) اشترط في بيعته، ان لا يعتب عليه عاتب، ان لم ينفذ رغبة هذا او ذاك، والمسلمون بايعوا عليا على هذا الشرط. وثانيا على علي (عليه السلام) يستمع للنصيحة، ويشجع اصحابه عليها – كما سنرى – لكنه كان ينبه ايضا، علي ان استماعه للنصيحة لا يعني تنفيذه لها بالضرورة، وهذا واضح تماما من موقفه من ابن عباس، هذا الرجل الصادق الذي كان يشير عليه في اشياء، لم تكن توافق راي علي، ومبادئ علي في الغالب، حيث قال له: «لك ان تشير علي وارى، فان عصيتك فاطعني » [٢٠].

——————————————————————————
[١] . محمد باقر الصدر، اهل البيت تنوع ادوار ووحدة هدف، ص ١٠٨- ١٠٩.
[٢] . المصدر السابق، ص ١١١- ١١٢.
[٣] . نهج البلاغة، رقم (٧١)، ص ١٠٠.
[٤] . المصدر السابق، رقم (٣٩)، ص ٨١- ٨٢.
[٥] . المصدر السابق، رقم (٢٧)، ص ٦٩- ٧٠.
[٦] . المصدر السابق، رقم (٩٧)، ص ١٤١- ١٤٢.
[٧] . المصدر السابق، رقم (٢٠٨)، ص ٣٢٣- ٣٢٤.
[٨] . المصدر السابق، رقم (١٢١)، ص ١٧٧.
[٩] . المصدر السابق، رقم (٦٩)، ص ٩٨- ٩٩.
[١٠] . المصدر السابق، ص ٨٥.
[١١] . المصدر السابق، ص ٨٥.
[١٢] . نهج البلاغة، رقم (٦٣)، ص ٤٥٣.
[١٣] . ابن قتيبة، الامامة والسياسة، ص ١٥٥.
[١٤] . المصدر السابق، ص ١٥٦.
[١٥] . المصدر السابق، ص ١٥٧.
[١٦] . نهج البلاغة، رقم (٣٥)، ص ٧٩- ٨٠.
[١٧] . المصدر السابق، رقم (١٧٧)، ص ٢٥٦.
[١٨] . المصدر السابق، رقم (٣٠)، ص ٤٩- ٥٠.
[١٩] . المصدر السابق، رقم (١٨٢)، ص ٢٦٣- ٢٦٤.
[٢٠] . المصدر السابق، ص ٥٣١.

يتبع ……

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق