نور العترة

هل خرجت زينب بعد مصرع الحسين عصرا او انها خرجت في الليل فقط كما يرى ذلك بعض خطباء المنبر ؟

نص الشبهة: 

هل خرجت زينب عليها السلام بعد مصرع الحسين عليه السلام عصرا ، أو أنها خرجت في الليل فقط كما يرى ذلك بعض خطباء المنبر ؟ فإننا نجد من يقول بالأول ومنهم بالثاني ؟

الجواب: 

سوف ننقل ما ذكره المؤرخون من خروج زينب بشكل عام ، ومن خلاله سيتم الاجابة :
فقد ذكر المؤرخون أن زينب عليها السلام خرجت في المواضع التالية خارج 1 المخيم :
1 ـ خروج زينب عندما قتل علي الأكبر عليه السلام ، فقد ذكر الطبري في تأريخه نقلا عن أبي مخنف ينهيه إلى حميد بن مسلم قال سماع أذني يومئذ من الحسين يقول قتل الله قوما قتلوك يا بني ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفاء قال وكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادى يا أخياه ويا ابن أخاه قال فسألت عنها فقيل هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت حتى أكبت عليه فجاءها الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط وأقبل الحسين إلى ابنه وأقبل فتيانه إليه فقال احملوا أخاكم فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه 2 .<img alt="2 ـ خروج زينب عندما أرادت أن ترجع الغلام عن عمه : وهذه الحادثة قد رويت في كلمات المؤرخين بأكثر من نحو ، فمن بعضها يستفاد أن الحسين عليه السلام كان يقاتل وخرج في هذه الأثناء عبد الله بن الحسن المجتبى عليه السلام ، بينما يستفاد من بعضها الآخر أن الحسين كان قد وقع صريعا على الأرض ولا يستطيع القتال ، وقد أحاط به القوم لكنهم كانوا يتهيبون قتله فانفلت في هذا الحال عبد الله ، منطلقا إلى عمه للدفاع عنه ، فنادى الحسين عليه السلام أخته زينب أن تمسكه وتحبسه ، فلم يقبل ، وتخلص منها وجاء إلى عمه ، فدفع عن عمه ضربة سيف قام بها بحر بن كعب ، واتقاها الغلام بيده فإذا يده معلقة بجلدة !! فضمه الحسين إلى صدره .
3 ـ خروجها عليه السلام ومخاطبتها لعمر بن سعد ، ولعل هذا الخروج هو نفس السابق ولكن في مشهدين ، نُقلا مقطعين .. فقد ذكر الطبري عمن حضر المعركة قوله : فوالله ما رأيت مكثورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا ولا أمضى جنانا منه ولا أجرأ مقدما والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله إن كانت الرجالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب قال فوالله إنه لكذلك إذ خرجت زينب ابنة فاطمة أخته …وهي تقول ليت السماء تطابقت على الارض وقد دنا عمر بن سعد من حسين فقالت يا عمر بن سعد أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه قال فكأني أنظر إلى دموع عمر وهى تسيل على خديه ولحيته قال وصرف بوجهه عنها 3 !! . ثم نادى شمر ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل .. الخ .
وهذه الموارد الثلاثة يظهر منها أن خروج العقيلة زينب عليها السلام كان قبل مقتله سلام الله عليه .
4 ـ ما يستفاد من زيارة الناحية المقدسة ( …حتى نكسوك عن جوادك ، فهويت إلى الأرض جريحا ، تطؤوك الخيول بحوافرها ، و تعلوك الطغاة ببواترها ، قد رشح للموت جبينك ، واختلفت بالانقباض والانبساط شمالك ويمينك ، تدير طرفا خفيا إلى رحلك وبيتك ، وقد شغلت بنفسك عن ولدك واهلك ، وأسرع فرسك شاردا ، والى خيامك قاصدا ، محمحما باكيا . فلما رأين النساء جوادك مخزيا ، ونظرن سرجك عليه ملويا ، برزن من الخدور ، ناشرات الشعور على الخدود لاطمات و بالعويل داعيات ، وبعد العز مذللات ، وإلى مصرعك مبادرات والشمر جالس على صدرك ، مولع سيفه على نحرك ، قابض على شيبتك بيده ، ذابح لك بمهنده ، قد سكنت حواسك ، وخفيت أنفاسك ، ورفع على القنا رأسك .. ) فإن فيه تصريحا بخروج النساء ولا شك في كون زينب معهن ..
لكن لا صراحة في هذه الكلمات بأن الخروج كان بعد المصرع ، فقد يمكن فهم هذا النص 4 على أنهن خرجن حالة كون الشمر جالسا على صدر الحسين عليه السلام ، وذبحه له واستمر ذلك إلى ما بعد الذبح .. فيكون الخروج مترافقا مع الذبح ومستمرا إلى ما بعده .
وقد يفهم على أن النص ينقل صورا مختلفة من الواقعة فيكون ذبح الشمر للحسين ، وما ذكر في النص معطوفا على الصورة الأولى وهي صورة خروج النساء ، كما أن الخروج بتلك الصورة لم يكن حالة ذبح الحسين عليه السلام .. والشاهد عليه أنه بعد ذلك قال ( .. وسبي اهلك كالعبيد ، وصفدوا في الحديد ، فوق أقتاب المطيات ، تلفح وجوههم حر الهاجرات ، يساقون في البراري و الفلوات ، أيديهم مغلولة الى الأعناق ، يطاف بهم في الأسواق .. ) .
وعلى أي حال فإن فُهم من النص السابق أن خروج النساء كان في حالة ذبح الحسين واستمر لما بعده ، فإنه شاهد على خروجهن بعيد المصرع وعدم انتظارهن إلى الليل .
5 ـ ما ينقل عن كتاب الطراز المذهب ( و لا يوجد عندي ) ، من أن زينب عليها السلام خرجت إلى حيث صرع أخوها الحسين فقالت : اللهم تقبل هذا القليل من القربان . وقد نقل تلك العبارة عنه الحجة الشيخ فرج العمران رحمه الله في كتابه وفاة السيدة زينب ، قال : فمن عجيب صبرها وإخلاصها وثباتها ما نقله في الطراز المذهب أنها سلام الله عليها وعلى أبيها وأمها وأخويها لما وقفت على جسد أخيها الحسين ( ع ) قالت : اللهم تقبل منا هذا القليل من القربان قال : فقارنت أمها في الكرامات والصبر في النوائب بحيث حرقت العادات ولحقت بالمعجزات . قال المؤلف النقدي 5 أعلا الله مقامه : فهذه الكلمات من هذه الحرة الطاهرة ، في تلك الوقفة التي رأت بها أخاها العزيز بتلك الحالة المفجعة ، التي كانت فيها تكشف لنا قوة إيمانها ورسوخ عقيدتها وفنائها في جنب الله تعالى ، وغير ذلك مما لا يخفى على المتأمل .
ولا يُعلم بدقة هل كان هذا الوقوف عند الجسد بعد المقتل مباشرة أو أنه كان في الليل . بل ذهب بعضهم إلى أن هذا الكلام إنما تم في اليوم الحادي عشر كما يرى الشيخ الحائري في كتابه شجرة طوبى وكما يظهر من صاحب كتاب قصة كربلاء 6 .
فلم يظهر أن هناك دليلا وثيقا يعتمد عليه في تحديد وقت الخروج وأنه كان الليل أو النهار ، لكن لو أريد التقريب ببعض الاعتبارات فإنه يستقرب أن الخروج كان ليلا . وذلك باعتبار أن الواقعة قد انتهت بحسب الأخبار في وقت العصر ، ولما ذبح الحسين عليه السلام ، غارت الخيل على مخيم الحسين وبدأ السلب والنهب ، ثم تم حرق المخيم ، وانتشرت النساء والأطفال في الصحراء خوفا من النار ، ومن هجمة الخيل ، وبدأت زينب تجمع النساء والأطفال ، وتدافع عنهن من السلب والتعدي ، ويفترض أن هذه الحالة قد امتدت إلى زمن ليس بالقصير ، فيبعد والحال هذه أن تترك زينب هذا الجمع من المذعورات والثكالى لكي تذهب إلى جسد الحسين مناجية له !!
وأكثر بعدا من ذلك أن تكون قد ذهبت بالنساء والأطفال إليه ، مع كثرة العدد وتفرقهم وحالة الرعب والخوف الحادثة على أثر الهجوم العسكري .
نعم يمكن ذلك بعد استقرار الأمور ، وإرخاء الليل سدوله الساترة ، أن تخرج زينب وربما معها غيرها ، إلى جسد الحسين عليه السلام . خصوصا مع ملاحظة انستارها في ذهابها ومجيئها ليلا دون النهار الفاضح والكاشف !
لكن يبقى كل هذا في مستوى الاستقراب ، ولا يرقى إلى كونه دليلا . خصوصا لو قرئ نص الزيارة بنحو يفهم منه أنهن خرجن في حال ذبح الحسين واستمرار ذلك إلى ما بعد المقتل . وأيضا مع فرض أن الزيارة نص صادر عن المعصوم 7 .

  • 1. من خلال هذا أيضا سوف يتأيد ما سبق أن ذكر في القسم الأول من هذا الكتاب في إجابة على سؤال ( ناشرات الشعور ) ، وأن أحد الاحتمالات فيه هو أنهن لم يخرجن خارج المخيم ، وإنما خرجن من خدورهن في داخل حدود المخيم .
  • 2. الطبري 4 ـ 340 .
  • 3. الطبري 4 ـ 345 .
  • 4. قد سبق الحديث عن القيمة التاريخية لزيارة الناحية من حيث كونها كلام المعصوم أو لا .
  • 5. ذكر المرحوم الشيخ فرج بأنه انتخب ( وفاة ) العقيلة زينب من كتاب زينب الكبرى للمحقق الشيخ جعفر النقدي رحمه الله .
  • 6. ذكر ه ناقلا إياه عن كتاب المناقب لابن شهرآشوب ، والكتاب المطبوع ليس عندي ، ولكن الكتاب الموجود في شريط ( المعجم الفقهي ) لا يحتوي على تلك الجملة كما ان صياغة النص في قصة كربلاء ( ثم وقفت على جسده الشريف بخشوع وتأمل وبسطت يديها تحت الجثمان المقدس ..) لا ينسجم مع طريقة التعبير السائدة في زمان ابن شهرآشوب ويظهر أن هناك اشتباها في الارجاع كما هو متعدد في الكتاب لمن يلاحظ .
  • 7. من قضايا النهضة الحسينية ، ( أسئلة و حوارات ) : الجزء الثاني .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى