محاسن الكلام

(٤)﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(٦٧)﴾سورة المائدة

محاورات وشبهات:

ليس ثمّة شك في أنّ هذه الآية، لو لم تكن قد نزلت في خلافة علي (ع)، لأكتُفي فيها – كما قلنا – بأقل ممّا ورد فيها من روايات ومن قرائن موجودة في الآية نفسها، فكثير من كبار المفسّرين المسلمين يكتفون في تفسير سائر الآيات القرآنية حتى بعُشر الرّوايات الموجودة بشأن هذه الآية، أو أقل من ذلك.

ولكن ممّا يؤسف له أنّ حجاب التعصب قد حال دون قبول كثير من الحقائق.

إِنّ الذين يحملون لواء المخالفة تجاه تفسير هذه الآية والرّوايات الكثيرة الواردة بشأن نزولها، والرّوايات المتواترة بخصوص أصل حادثة الغدير، ينقسمون إِلى قسمين:

قسم حمل منذ البداية روح العناد والتعنت، وحمل بشدّة على الشيعة بالإِهانة والسب والشتم.

وآخرون حافظوا – إِلى حد ما – على الروح العلمية في البحث والتحقيق، وتابعوا القضية عن طريق الإِستدلال، ولذلك فهم يعترفون بجانب من الحقائق، ولكنّهم بعد إِيرادهم بعض الإِشكالات – التي ربّما كانت نتيجة لظروفهم الفكرية الخاصّة يتركون الوقوف عند الآية والرّوايات المرتبطة بها.

والنموذج البارز الذي يمثل القسم الأوّل هو ابن تيمية في كتابه “منهاج السنة” حيث يبدو فيه كمن يغمض عينيه في رابعة النهار ويضع أصابعه في أذنيه بشدّة، ثمّ ينادي: أين الشمس؟ فلا هو مستعد أن يفتح طرفاً من عينه ليرى بعض الحقائق، ولا هو يرضى برفع أصابعه عن أُذنيه كي يستمع الى ضجيج المحدثين والمفسّرين المسلمين، بل يستمر في سبه وشتمه وإِهاناته.

إِنّ دافع هؤلاء هو الجهل وعدم الإِطلاع والتعصب المقرون بالعناد، ممّا دفع بهم إِلى إِنكار البديهيات والواضحات التي لا تخفى على أحد.

لذلك فنحن لا نجشم أنفسنا عناء نقل أقوالهم، ولا نحمل القراء عناء سماع إِجاباتهم، فماذا يمكن أن يقال لمن ينبري بكل وقاحة لتجاهل هذا الحشد الكبير من كبار علماء الإِسلام والمفسّرين – ومعظمهم من أهل السنة – من الذين أعلنوا أن تلك الآية قد نزلت بشأن علي (ع) فيدعي – متعامياً عن الحقّ – أن أحداً من العلماء لم يقل شيئاً كهذا في كتابه!! وما قيمة قوله هذا ليستحق البحث فيه؟!

من الجدير بالذكر أنّ ابن تيمية، في محاولته تبرئة نفسه قبال كل هذه الكتب المعتبرة التي تقول بنزول هذه الآية بحق علي (ع)، يلجأ إِلى تعبير مضحك، ويكتفي بقوله: “إِن العلماء الذين يعرفون ما يقولون لا يرون أن هذه الآية قد نزلت في علي”!!… فالظاهر “أنّ العلماء الذين يعرفون ما يقولون” هم أُولئك الذين يضمون أصواتهم إِلى أصوات ابن تيمية وعناده المفرط.

أمّا من لا يضمّ صوته إِليه فإنّه عالم لا يدرك ما يقول.

وهذا منطق من ألقى العناد وحبّ الذات على عقله ظلالا مشؤومة، فلندَعْ هؤلاء.

أمّا الشبهات التي أوردها القسم الثّاني من العلماء، فمنها ما يجدر بالبحث، وسوف نتناولها فيما يلي:

هل معنى “المولى” هو “الأولى بالتصرف”؟

إِنّ أهم اعتراض يورد على حادثة الغدير هو أنّ من معاني “مولى” الصديق والنصير والمحب، ومن الممكن أن تكون الكلمة هنا بهذا المعنى أيضاً.

ليس رد هذا الإِعتراض بصعب، لأنّ كل ناظر منصف يدرك أن تذكير الناس بمحبّة علي (ع) لا يقتضي كل تلك المقدمات، لا إِلقاء خطبة في تلك الصحراء القاحلة وتحت ذلك الحر المحرق، وايقاف تلك الجموع وانتزاع الإِعترافات المتوالية منهم.

إِنّ حب المسلم لأخيه المسلم من المفاهيم الإِسلامية الواضحة التي تقررت منذ بداية الدعوة.

ثمّ إِنّ هذا الأمر لم يكن من الأُمور التي لم يبلغها رسول الله (ص) حتى ذلك الوقت، بل ثبّته وأعلنه مراراً.

كما إِنّه لم يكن من الأُمور التي تثير قلق رسول الله (ص) وتخوفه حتى يطمئنه الله تعالى بشأنه.

ولا كان أمراً على هذا القدر من الأهمية بحيث تتخذ الآية هذا الأُسلوب الشديد في مخاطبة رسول الله (ص) : (وإِن لم تفعل فما بلغت رسالته).

كل هذه تدل على أنّ الأمر كان أكثر من مجرّد محبّة عادية تلك المحبّة التي كانت من أوليات الأُخوة الإِسلامية منذ بزوغ فجر الدعوة الإِسلامية.

ثم، إِذا كان القصد هو تبيان مثل هذه المحبة العادية، فلماذا يعمد رسول الله (ص) إِلى استخلاص الإِعترافات من الحاضرين قبل بيان قصده، فيسألهم: “ألست أولى بكم من أنفسكم” ؟ أيتناسب هذا مع بيان محبّة عادية؟

ثمّ إِنّ المحبّة العادية لا تستدعي من الناس، وحتى من عمر نفسه، أن يهنىء علياً (ع) بقوله: “أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة”.

حبّ المسلم واجب، وعليّ كسائر المسلمين، ويجب حبّه، وليس في ذلك شيء جديد يستوجب التهنئة في ذلك اليوم وفي آخر سنة من حياة رسول الله (ص).

ثمّ إِنّ هناك ارتباطاً بين حديث “الثقلين” وعبارات وداع رسول الله (ص) وموالاة علي (ع)، وإِلاّ فإنّ حبّ علي (ع) حبّاً عادياً لا يستدعي أن يجعله رسول الله (ص) في مصافّ القرآن!

أفلا يرى المنصف المحايد في التعبير الوارد في حديث الثقلين أنّ المسألة تتعلق بالقيادة، لأنّ القرآن هو القائد الأوّل للمسلمين بعد رحيل رسول الله (ص) وأهل البيت (عليهم السلام) هو القائد الثّاني؟

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج٤ ص٨٢.
__

يوم الولاية

#عيدالغدير

مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى