محاسن الكلام

(٢){وَ لَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَ لَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لَا نَصِيرٍ(١٢٠)} البقرة

أعداء الدين و المبدأ: أخبر اللّه جل و عز نبيه الكريم بأن اليهود و النصارى لن يرضوا عنه، حتى يتبع ملّتهم، و مع علمه سبحانه بعصمة نبيه محمد (ص)، و أنه لن يتبع أهواءهم بحال فقد وجه إليه هذا التحذير: (وَ لَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْوٰاءَهُمْ بَعْدَ اَلَّذِي جٰاءَكَ مِنَ‌ اَلْعِلْمِ مٰا لَكَ مِنَ اَللّٰهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاٰ نَصِيرٍ ) .

و ذكر المفسرون لصحة هذا النهي و التحذير وجهين: الأول أن المعصية ممكنة الصدور من النبي ذاتا، ممتنعة عرضا، أي أنه يترك المعصية مع قدرته على فعلها، و إلا لم يكن له فضل في تركها، و جاء النهي و التحذير بالنظر إلى ما هو ممكن بالذات، بغض النظر عما هو ممتنع بالعرض، أي بلحاظ العصمة.

الوجه الثاني: أن الخطاب هنا من باب «إياك أعني و اسمعي يا جارة».

أي هو موجه للنبي في الظاهر، و للناس في الواقع.

و قد تصورت وجها ثالثا: و هو أن النبي ربما دار في خلده أن يتقرب من اليهود إلى حد ما.. عسى أن يهتدوا، أو يستعين بهم على ما يبتغيه من الخير، أو يخفف من غلوائهم، و يكفّ بعض شرورهم.. فبين اللّه له ان أعداء الدين و المبدأ لا يرضيهم منك شيئا إلا أن تترك ما أنت عليه من الحق، و تتبع ما هم عليه من ضلال.. ثم نهاه عن مهادنتهم و التقرب منهم، لأن ذلك يساعدهم، و يشد من عضدهم من حيث لا يريد، و هذه التقوية و المساندة محرمة عليك يا محمد، و على غيرك، تماما كما يحرم اتّباع دينهم.. هذا.

إلا أن اليهود قد جبلوا على الشر و الفساد، و معاندة الحق و أهله، و الإساءة إلى من أحسن إليهم، و لا تجدي معهم أية محاولة للسلم، و كيف الأذى.. و خير الأجوبة أن للّه أن يأمر و ينهى المعصوم كما يأمر و ينهى غير المعصوم، بالنظر لجلاله سبحانه، و إذا كان من فرق بين المعصوم و غيره فهو بالنسبة إلى غيره تعالى لا بالنسبة إليه.

ثم إن هذا النهي و التحذير يدمغ من يتملق لأعداء الدين و الوطن متذرعا أنه يريد استغلالهم لمصلحة المؤمنين.. و لكن العكس هو الصحيح فإن عدو الدين و المبدأ و الوطن لا يسالم إلا على أساس التجارة و المساومة، و أن يكون هو الرابح دائما و شعاره الوحيد خذ و لا تعط، فإن لم تستطع فخذ أكثر مما تعطي.. و لقد بين اللّه جل و عز حقيقة هؤلاء التجار بأوضح بيان و أبلغه، حيث قال: «وَ لَتَجِدَنَّهُمْ‌ أَحْرَصَ اَلنّٰاسِ عَلىٰ حَيٰاةٍ – ٩٦ البقرة».

التفسير الكاشف (محمد جواد مغنية) ج١ ص١٩١.
__

مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى