
و يشير القرآن معقّبا في الآية إلى موهبة عظيمة أخرى من مواهب اللّه سبحانه فيقول: وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اَلْإِيمٰانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ اَلْكُفْرَ وَ اَلْفُسُوقَ وَ اَلْعِصْيٰانَ .
و في الحقيقة أنّ هذه التعابير إشارة لطيفة إلى قانون اللطف أي «اللطف التكويني».
و توضيح ذلك أنّه حين يريد الشخص الحكيم أن يحقّق أمرا فإنّه يوفّر له جميع ما يلائمه من كلّ جهة و يصدق هذا الأصل في شأن الناس تماما…
فاللّه يريد أن يطوي الناس جميعا طريق الحق دون أن يقعوا تحت تأثير الإجبار بل برغبتهم و إرادتهم، و لذا يرسل إليهم الرسل و الكتب السماوية من جهة، و يحبّب إليهم الإيمان من جهة أخرى، و يضري شعلة العشق نحو طلب الحق و البحث عنه في داخل النفوس و يكرّه إليها الكفر و الفسوق و العصيان…
و هكذا فإنّ كلّ إنسان مفطور على حبّ الإيمان و الطّهارة و التقوى، و البراءة من الكفر و الذنب.
إلا أنّه من الممكن أن يتلوّث ماء المعنويات المنصبّ في وجود الناس في المراحل المتتالية و ذلك نتيجة للاختلاط بالمحيطات الموبوءة فيفقد صفاءه و يكتسب رائحة الذنب و الكفر و العصيان…
و في أنّ المراد من «الفسوق» المذكور في الآية ما هو؟! قال بعض المفسّرين هو الكذب، إلا أنّه مع الالتفات إلى سعة مفهومه اللغوي فإنّه يشمل كلّ خروج على الطاعة، فعلى هذا يكون التعبير ب «العصيان» بعده تأكيدا عليه، كما أنّ جملة وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ تأكيد على الجملة السابقة لها: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اَلْإِيمٰانَ .
و قال بعضهم إنّ كلمة «الفسوق» إشارة إلى الذنوب الكبيرة في حين أنّ «العصيان» أعم منه… إلا أنّه لا دليل على ذلك…
و على كلّ حال، فإنّ القرآن يقرّر قاعدة كلية و عامة في نهاية هذه الآية لواجدي الصفات المذكورة [فيها] فتقول: أُولٰئِكَ هُمُ اَلرّٰاشِدُونَ .
أي لو حفظتم هذه الموهبة الإلهية «العشق للإيمان و التنفّر من الكفر و الفسوق» و لم تلوّثوا هذا النقاء و الصفات الفطرية فإنّ الرشد و الهداية دون أدنى شكّ في انتظاركم…
و ممّا يستجلب النظر أنّ الجمل السابقة في الآية كانت بصيغة الخطاب للمؤمنين لكنّ هذه الجملة: أُولٰئِكَ هُمُ اَلرّٰاشِدُونَ تتحدّث عنهم بصيغة «الغائب» و يبدو أنّ هذا التفاوت في التعبير جاء ليدلّ على أنّ هذا الحكم غير مختصّ بأصحاب النبي، بل هو قانون عام، فكلّ من حفظ صفاءه الفطري في أي عصر و زمان هو من أهل الرشد و الهداية و النجاة.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ج١٦ ص٥٢٩.
__
مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام
للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT



