محاسن الكلام

{وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَ قَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا(١١١)} طه

قوله تعالى: «وَ عَنَتِ اَلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ اَلْقَيُّومِ‌» العنوة هي الذلة قبال قهر القاهر و هي شأن كل شيء دون الله سبحانه يوم القيامة بظهور السلطنة الإلهية كما قال: «لِمَنِ‌ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلّٰهِ اَلْوٰاحِدِ اَلْقَهّٰارِ» المؤمن: ١٦، فلا يملك شيء شيئا بحقيقة معنى الكلمة و هو الذلة و المسكنة على الإطلاق و إنما نسبت العنوة إلى الوجوه لأنها أول ما تبدو و تظهر في الوجوه، و لازم هذه العنوة أن لا يمنع حكمه و لا نفوذه فيهم مانع و لا يحول بينه و بين ما أراد بهم حائل.

و اختير من أسمائه الحي القيوم لأن مورد الكلام الأموات أحيوا ثانيا و قد تقطعت عنهم الأسباب اليوم و المناسب لهذا الظرف من صفاته حياته المطلقة و قيامه بكل أمر. قوله تعالى: «وَ قَدْ خٰابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً `وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصّٰالِحٰاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ‌ فَلاٰ يَخٰافُ ظُلْماً وَ لاٰ هَضْماً» بيان لجزائهم أما قوله: «وَ قَدْ خٰابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً» فالمراد بهم المجرمون غير المؤمنين فلهم الخيبة بسوء الجزاء لا كل من حمل ظلما ما أي ظلم كان من مؤمن أو كافر فإن المؤمن لا يخيب يومئذ بالشفاعة.

و لو كان المراد العموم و أن كل من حمل ظلما ما فهو خائب فالمراد بالخيبة الخيبة من السعادة التي يضادها ذلك الظلم دون الخيبة من السعادة مطلقا.

و أما قوله: «وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصّٰالِحٰاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ‌» إلخ فهو بيان استطرادي لحال المؤمنين الصلحاء جيء به لاستيفاء الأقسام و تتميم القول في الفريقين الصلحاء و المجرمين، و قد قيد العمل الصالح بالإيمان لأن الكفر يحبط العمل الصالح بمقتضى آيات الحبط، و الهضم هو النقص، و معنى الآية ظاهر.

و قد تم باختتام هذه الآية بيان إجمال ما يجري عليهم يوم الجزاء من حين يبعثون إلى أن يجزوا بأعمالهم فقد ذكر إحضارهم بقوله:«يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ»
أولا ثم حشرهم و قرب ذلك منهم حتى أنه يرى أمثلهم طريقة أنهم لبثوا في الأرض يوما واحدا بقوله: «يَتَخٰافَتُونَ بَيْنَهُمْ‌» إلخ ثانيا. ثم تسطيح الأرض لاجتماعهم عليها بقوله:«وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْجِبٰالِ‌» إلخ، ثالثا. ثم طاعتهم و اتباعهم الداعي للحضور بقوله: «يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ اَلدّٰاعِيَ لاٰ عِوَجَ لَهُ‌» إلخ، رابعا. ثم عدم تأثير الشفاعة لإسقاط الجزاء بقوله: «يَوْمَئِذٍ لاٰ تَنْفَعُ اَلشَّفٰاعَةُ‌» إلخ خامسا. ثم إحاطة علمهم بحالهم من غير عكس و هي مقدمة للحساب و الجزاء بقوله: «يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ‌ » إلخ سادسا.

ثم سلطانه عليهم و ذلتهم عنده و نفوذ حكمه فيهم بقوله:«وَ عَنَتِ اَلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ‌ اَلْقَيُّومِ‌» سابعا. ثم الجزاء بقوله:«وَ قَدْ خٰابَ‌» إلخ ثامنا، و بهذا يظهر وجه ترتب الآيات و ذكر ما ذكر فيها.

الميزان في تفسير القرآن ج١٤ ص٢١٢.
__

مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى