محاسن الكلام

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(٢١٤)} البقرة

المعنى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمّٰا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ‌ «المثل و المثل كالشبه،و الشبه و المراد به ما يمثّل الشىء و يحضره و يشخصه عند السامع،و منه المثل،و هو الجملة أو القصّة التى تفيد استحضار معنى مطلوب فى ذهن السامع.» و فى قوله تعالى: وَ لَمّٰا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ‌ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ‌ إشارة إلى أنّ سنّة اللّه فى اختبار المؤمنين و ابتلائهم كانت متشابهة فى الأمم الماضية و الحالية.لأنّ الإيمان باللّه وحده لا شريك له و بملائكته و كتبه و رسله و إن كان هو الشرف الأعظم و النسب الأكرم و نجاة من الهلاك و خروج من الظلمات إلى النّور؛إلاّ أنّ فيه ابتلائات و امتحانات ليعلم من له حسن الإيمان و ثبات القدم و علوّ الهمّة،فلا يدخل الجنّة إلاّ من نجح و أفلح و سعى مشكورا و حجّ مبرورا،روى عن أبى جعفر عليه السّلام قال: «الجنّة محفوفة بالمكاره و الصبر،فمن صبر على المكاره فى الدنيا دخل الجنّة.» مَسَّتْهُمُ اَلْبَأْسٰاءُ وَ اَلضَّرّٰاءُ وَ زُلْزِلُوا بيان لما وقع فى الذين خلوا من قبلهم لا يبقى لهم أمن و لا عيش و لا سكن حَتّٰى يَقُولَ اَلرَّسُولُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتىٰ نَصْرُ اَللّٰهِ‌ بيان لشدة المصائب و البلايا الواقعة بهم و أنّهم مقطّعو الرجاء عن كلّ طريق مأيوسو اللّجوء إلى كلّ حصين لا ناصر لهم و لا غوث إلاّ اللّه،فلا يحكى قولهم مَتىٰ نَصْرُ اَللّٰهِ‌ عن فزعهم و قلّة إيمانهم،كيف و رسولهم مصحوب بهم،بل هذا نحو دعاء من المضطرّ كما يقال فى دعاء الندبة: مخاطبا للموعود المنتظر عجل اللّه تعالى فرجه الشريف«متى نرد مناهلك الرويّة فنروى،متى ننتقع من عذب ماءك فقد طال الصّدى،متى نغاديك و نراوحك فنقرّ عينا،متى ترانا و نراك و قد نشرت لواء النصر ترى.» أَلاٰ إِنَّ نَصْرَ اَللّٰهِ قَرِيبٌ‌ إعلان عامّ لسنة إلهيّة و هى قرابة نصر اللّه لرسله و للذين آمنوا كما قال تعالى: إِنّٰا لَنَنْصُرُ رُسُلَنٰا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْأَشْهٰادُ و قرب كلّ شىء بحسبه؛ فإن كان الشىء من المكانيّات فقربه و بعده بحسب المكان،و إن كان من الزمانيّات فقربه و بعده بحسب الزمان،و إن كان الشخص من الأرحام فقربه بحسب النسب كما يقال فى الميراث:الأقرب يمنع الأبعد و إن كان الأمر من مباحث العلوم فالأقرب بحسب قربه إلى الحقّ أو إلى البديهيّات و هكذا إن كان من المعنوّيات فالأقرب هو ما بينه و بين فطرة الانسان قرابة،و أمّا إن كان من الأفعال المتعلّقة باللّه تعالى كنصرة اللّه و رحمته سبحانه فهو قريب بحسب قربه المطلق من كلّ شىء كما قال تعالى: وَ إِذٰا سَأَلَكَ عِبٰادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ‌ فليس قرابة نصر اللّه زمانيّة و إن ظهر فى زمان قريب بحسب حال المنصور،و روى أنّ عليّا أمير المؤمنين عليه السّلام طاف على أصحابه فى وقعة الجمل و هو يقرأ هذه الآية ثم قال:«أفرغ اللّه علينا و عليكم الصبر و أعزّ لنا و لكم النصر و كان لنا و لكم ظهيرا.» و روى عن أبى عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال:«فما تمدّون أعينكم‌؟فما تستعجلون‌؟ألستم آمنين‌؟أليس رجل منكم يخرج من بيته فيقضى حوائجه ثم يرجع لم يختطف‌؟إن كان من قبلكم من هو على ما أنتم عليه ليؤخذ الرجل منهم فتقطع يداه و رجلاه و يصلب على جذوع النخل و ينشر بالمنشار ثمّ لا يعدو ذنب نفسه،ثمّ تلا هذه الآية: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ‌ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ‌.. . .

البشرى في معاني القرآن (شهاب الدين ذوفقاري، الجزء ٢ الصفحة ٢٨٣)
__

الصبر
مدرسةأهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى