احاديث أهل البيت (ع)

المجاهد الذي وَحَّدَ بعلمه وفقهه بين (الثورة الزيدية المباركة) و (الإمامة الصادقية الشريفة)

بسم الله الرحمن الرحيم

المجاهد الذي وَحَّدَ بعلمه وفقهه بين (الثورة الزيدية المباركة) و (الإمامة الصادقية الشريفة)

بقلم: الشيخ زكريا بركات

كان “سليمان بن خالد” (رض) من العُلماء الثِّقات الذين تفقَّهوا على يَدَي الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، وبلغ مرتبة الاجتهاد والفقاهة، وأصبح من الشخصيات ذات الوجاهة، وكان من المُتخصِّصين في علوم القرآن الكريم، ومن أصحاب المؤلَّفات التي اعتمد عليها عُلماء الإمامية في رواية أحاديث أهل البيت عليهم السلام.

وحين ثار زيد بن علي (عليهما السلام) في وجه الظالمين؛ مُطالباً بإعادة الحُكم إلى موقعه الصحيح وتسليم السلطة إلى أهل البيت عليهم السلام، كان “سليمان بن خالد” من الذين نالوا شرف المشاركة في الجهاد مع الإمام زيد (ع) ، وقد قُطعت يدُ هذا الفقيه الجليل في سبيل الله، وكان يُسمَّى بعد ذلك بـ “سليمان بن خالد الأقطع”.

وتُوفِّي “سليمانُ بن خالد الأقطع” في حياة الإمام الصادق (ع) ، فحزن الإمام الصادق وتوجَّع لفقده، ودعا لولده وأوصى أصحابه بهم.

وكان سليمان معتقداً بإمامة زيد بن علي (ع) في مجال الجهاد؛ ولذلك خرج معه وجاهد.. ولكنه ـ في الوقت نفسه ـ كان معتقداً بأنَّ الإمام جعفر الصادق (ع) هو الإمام المعصوم من الله تعالى، جاعلاً مرتبة الإمام جعفر الصادق (ع) فوق مرتبة الإمام زيد الشهيد (ع) . ولكن بعض الذين جاهدوا مع الإمام زيد لم يكونوا بهذا المستوى الثقافي الذي يسمح لهم بفهم مستويات الأئمة والفوارق التي بينهم، وأنَّ هناك مراتب ومنازل متفاوتة، ولا ينبغي الخلط بين الأئمَّة المعصومين وأئمَّة الجهاد.. ولذلك اضطر الإمام زيد (ع) ـ في بعض الأحيان ـ أن يتصدَّى بنفسه لتصحيح الفكرة لهذا النوع من الناس.

فمن ذلك ما رُوي من أنَّ الفقيه الجليل المجاهد سليمان بن خالد كان واقفاً بجانب أحد المجاهدين في ناحية من المعسكر، والإمام زيد (ع) واقف في ناحية أخرى، فوجَّه المجاهد هذا السؤال إلى سليمان بن خالد: “ما تقول في زيد؛ هو خيرٌ أم جعفر؟”.

كانت الأجواء الجهادية تلقي بظلالها على كل شيء، ومع ذلك يهتم هذا المجاهد بهذا السؤال المعرفي.. فما هو السبب؟

ربما يكون السبب في ذلك أنَّ بعض الشيعة ـ بالمعنى العام ـ كان يتصوَّر أنَّ هناك اختلافاً بين وجهات النظر عند الإمام الصادق وعند الإمام زيد..! كانوا يتصوَّرون أنَّ الإمام الصادق لم يخرج للجهاد مع الإمام زيد بسبب اختلاف وجهة النظر الجهادية؛ ولذلك كان هؤلاء يتساءلون عن الأفضل والأعلم لكي يتَّبعوه..! ولم يكن الأمر كما يتصوَّرون، فلم تكن هناك وجهات نظر مختلفة، بل كان لكل إمام دورٌ جهادي عليه أن يقوم به، وكان على الإمام الصادق (ع) أن يتولى أمر التثقيف وزرع الوعي المقاوم والجهادي وحماية الجبهة الداخلية، بينما كان على الإمام زيد (ع) أن يقود المعركة ويقدِّم الفداء ليوجد الزلزال الثقافي والعاطفي في وعي الأُمَّة وضميرها.

فقد كان المساران منسجمين، على خلاف ما كان يتصور بعض الشيعة والمجاهدين، ولذلك لم يقل سليمان بن خالد للرجل الذي سأله: ليس هذا أوان هذه المسألة وإنما هو أوان الجهاد..

بل رأى سليمان ضرورة أن يجيب الرجل بكل صراحة؛ لأنَّ المسألة مسألة ثقافة ووعي، والمجاهد الذي عنده خلل معرفي وضعف ثقافي، فقد يؤثِّر هذا الخلل في ثباته الجهادي، أو يؤثِّر على منزلته عند الله وقبول جهاده في سبيل الله..

فقال الفقيه المجاهد سليمان بن خالد: “والله لَيومٌ من جعفر خيرٌ من زيد أيام الدنيا”.

وهذه العبارة تعني أنه لا وجه للمقارنة بين الإمام المعصوم وبين إمام الجهاد.

لم يتقبَّل ذلك المجاهد كلام سليمان بن خالد، وقرَّر أن يعرض الموضوع على الإمام زيد (ع) نفسه؛ ليأخذ منه الجواب النهائي، فانطلق الرجُل إلى حيث يقف الإمام زيد (ع) ، وقرر سليمان بن خالد أن يلحق بالرجل بعد هنيئة..

وحين استمع الإمام زيد إلى مسألة الرجل، أجابه بجواب يتَّسم بالصراحة والدقة والبلاغة، فقال له: “جعفرٌ إمامنا في الحلال و الحرام”.

كان التعبير بـ “إمامنا” صريحاً في أفضلية الإمام الصادق (ع) على الإمام زيد (ع) .

وكان التعبير بـ “في الحلال والحرام” ذا دلالة على أنَّ (الثورة الزيدية المباركة) تستقي شرعيتها من (الإمامة الصادقية الشريفة) ؛ لأنَّ (الحلال والحرام) هو العنوان العريض الذي يعبِّر عن الشريعة المقدَّسة، والثورة ضد الظالمين لا تكون ذات قيمة شرعية إلاّ إذا استقت مضمونها وإذنها وقيمتها من الشريعة المقدَّسة.

وهكذا بيَّن الإمامُ زيد (ع) أنَّه لا يوجد تنافٍ ولا اختلاف، فالخطُّ واحدٌ، والمسار واحدٌ، ويلزم أن يصحِّح الناس تصوُّراتهم، وأن يفهموا أنَّ الإمامتين ـ الجهادية والعلمية ـ تنبعان من بيت واحد وتصدران من معدن واحد.. ولكن التنفيذ ـ ثورةً وقياماً ـ زيديٌّ، والمرجعية ـ تنظيراً وتشريعاً ـ إماميَّةٌ، والله ـ تعالى ـ من وراء القصد، وهو وليُّ التوفيق.

والحمدُ لله ربِّ العالمين.

ـــــــــــــــ

المصادر:

رجال النجاشي، ص183

رجال الكشي، ص361

بحار الأنوار للعلامة المجلسي، ج46 ، ص196

معجم رجال الحديث للسيِّد الخوئي، ج8 ، ص245 ، برقم 5430

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق