نور العترة

الخوف من الله …

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ﴾ 1.

إن الخوفَ من اللهِ سبحانه وتعالى صفةٌ من صفاتِ عبادِ اللهِ المؤمنين، وخلقٌ رفيعٌ من أخلاقِ أولياءِ اللهِ الصالحين، وهو دليلٌ على عمقِ الإيمانِ وبلوغِ صاحبهِ مرتبةً من مراتبِ اليقين.. ووعدَ اللهُ سبحانه وتعالى عبادَهُ الذين يخافونَه في الدنيا ويخشون عذابَه ويعيشونُ دائماً حالةَ التذكرِ لموقفِهِم بين يديهِ يومَ الحسابِ، فيحرصون على طاعتِهِ ومرضاتِهِ ويبتعدونَ عن كلِّ ما يوجبُ سخطهُ سبحانه عليهم، وعدهم بقوله: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ 2 جزاءً لهم على صالحِ أعمالهِم وزيادةً وتفضلاً منه سبحانه لهم، فهو سبحانه وتعالى القائلُ: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ … ﴾ 3، وقال النبيُّ الأكرمُ صلى الله عليه وآله وسلّم فيما يرويه عن ربهِ جلَّ وعلا أنهُ قال: (وعزّتي وجلالي لا أجمعُ على عبدي خوفين ولا أجمعُ له أمنين، إذا أمنني في الدنيا أخفتَهُ يومَ القيامة، وإذا خافني في الدنيا أمنتَهُ يومَ القيامةِ).
فما يعانيه الناسُ في هذا الزمانِ من تدهورٍ في الأخلاقِ وانكبابٍ على الرذائلِ وانتشارِ للجرائمِ إنما هو بسببِ غفلةِ الإنسانِ عن خالقِهِ وعن استحضارِ واستشعارِ عظمتِهِ وعظيمِ سلطنتِهِ وسطوتِهِ وقوةِ بطشِهِ وشدّةِ عقابهِ وعذابِهِ، والتي تحولُ بينَ الإنسانِ وميلِهِ إلى فعلِ الشرِ.
إن الوصولَ إلى معرفةِ اللهِ سبحانه وتعالى من خلالِ التدبرِ في الآياتِ القرآنيةِ بالمقدارِ الذي عرّف اللهُ سبحانه وتعالى من خلالِها عن ذاتِهِ المقدّسةِ كفيلٌ بأن يقوي عندَ الإنسانِ حالةَ الشعورِ بالرقابةِ الإلهيةِ التي لها الأثرُ الكبيرُ في حصولِ حالةِ الخوفِ عندَ الإنسانِ منه سبحانه وتعالى، والتي بدروها لها الدورُ الكبيرُ في الحدِّ من جنوحِ الإنسانِ إلى ممارسةِ الذنب، فإذا استشعر الإنسانُ حالةَ الرقابةِ الإلهيةِ والتفتَ إلى أنَّ هناك من يراقبُهُ ويُحصي عليه أخطاءَهُ فإنه سوفَ يتقي الوقوعَ في الذنوبِ والجرائمِ والمخالفاتِ الشرعيةِ خوفاً من الحقِّ سبحانه وتعالى.
إنَّ مما يعينُ على حصولِ حالةِ الخوفِ من اللهِ سبحانه وتعالى لدى الإنسانِ هو التفكرُ في الآخرةِ ومنازلِها، والموتِ وما بعدهُ والأهوالِ التي سيواجِهُها من ساعةِ خروجِ روحِهِ وحتى اكتمالِ حسابِهِ، والتفكرُ والتذكرُ لما أعدّه اللهُ سبحانه وتعالى للعاصينَ من العذابِ في نارِ جهنم، ذلك العذابُ الذي لا يضاهيه عذاب، فلو أن الإنسانَ خصصَ جزءاً قليلاً من وقتِهِ في اليومِ والليلةِ للتفكر في هذه الأمورِ فإنّه مما لا شك فيه أن ذلك سيشعِرُهُ بالرهبةِ والخوفِ من اللهِ سبحانه وتعالى.
وفي الحديث عن النبيِّ الأكرمِ صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: (مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ)، فمن خافَ اللهَ سبحانه وتعالى ألزمَهُ هذا الخوفُ السلوكَ إلى الآخرةِ والمبادرَةَ بالأعمالِ الصالحةِ قبل انقطاعِ العمرِ، وفواتِ الوقتِ، ومن رغبَ في الجنةِ فعليه أن يؤدي ثمنَ ذلك، وثمنُ الدخولِ إلى جنةِ اللهِ سبحانه وتعالى غالٍ، فلا يدخلها إلاّ المتقون الصالحون.
إن نبينا الأكرمَ محمداً صلى الله عليه وآله وسلّم هو خيرُ خلقِ اللهِ سبحانه وتعالى، ووصل إلى الكمالاتِ الروحيةِ والقمةِ في الصفاتِ والسماتِ الخُلقية التي جعلته عند الله سبحانه وتعالى أفضلَ المخلوقين وأشرفَهم، ومع ذلك نجدُهُ يقف بين يدي اللهِ سبحانه وتعالى خائفاً، خشيةً منه سبحانه، يتعبدُ اللهَ سبحانه وتعالى بمختلفِ العباداتِ، فكان يمارِسُ عبادةَ الصلاةِ حتّى تورّمت قدماه فأنزل اللهُ سبحانه وتعالى عليه: ﴿ … طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ 4.
إنّ القرآنَ الكريمَ الذي يدعو إلى الخوفِ والخشيةِ من اللهِ سبحانه وتعالى يَقْرُنُهُما بالرجاءِ وذلك لأن المذنبَ الذي لا يرجو ربّه يتحوّلُ إلى قوّةٍ يائسةٍ خطيرةٍ لا يرجى لها صلاحٌ ولا ينتظر منها نفعٌ، وانقطاعُ الصلةِ بين الإنسانِ وربِّهِ هو أقصى غاياتِ الانحرافِ والفسادِ، فخوفُ الإنسانِ من ربّه له حدودٌ فلا ينبغي أن يصلَ إلى حدِّ اليأسِ من عفوِ اللهِ سبحانه وتعالى وغفرانِهِ ورحمتِهِ، فإن التربيةَ التي تقومُ على أساسِ الخوفِ المطلقِ تربيةٌ فاسدةٌ لأنها تصلُ بصاحبِها إلى حالةِ اليأسِ فتطمسُ في نفسِهِ كلَّ نزعةٍ إلى الخيرِ وتنتهي به إلى الانغماسِ في الجرائمِ وارتكابِ القبائحِ والفواحشِ والمنكراتِ بشكلٍ واسعٍ وكبيرٍ، أما إذا عاشَ الإنسانُ الرجاءَ مع الخوفِ فإن اليأسَ من عفوِ اللهِ ورحمتِهِ لن يتطرقَ إلى نفسِهِ، فإنه برجاءِ أن يغفرَ اللهُ له ما سلف من سيئاتِهِ ومعاصيهِ ونتيجةً لخوفِهِ من اللهِ وعقابِهِ وسخطِهِ ونقمتِهِ سيكونُ كلُّ ذلك سبباً في عودتِهِ إلى خطِّ الاستقامةِ، بالتوبةِ والإنابةِ إلى اللهِ سبحانه وتعالى، والسيرِ في طريقِ الصالحين وأولياءِ اللهِ المتقين5.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى