إسئلنا

فتنة نبي الله سليمان(ع)…

نص الشبهة: 

فإن قيل: فما معنى قوله تعالى:﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ﴾ أو ليس قد روي في تفسير هذه الآية أن جنيا كان اسمه صخرا تمثل على صورته وجلس على سريره، وأنه أخذ خاتمه الذي فيه النبوة فألقاه في البحر، فذهبت نبوته وأنكره قومه حتى عاد إليه من بطن السمكة.

الجواب: 

قلنا: أما ما رواه الجهال في القصص في هذا الباب فليس مما يذهب على عاقل بطلانه، وأن مثله لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام، وأن النبوة لا تكون في خاتم ولا يسلبها النبي (ع) ولا ينزع عنه، وأن الله تعالى لا يمكن الجني من التمثيل بصورة النبي (ع) ولا غير ذلك مما افتروا به على النبي (ع).

وإنما الكلام على ما يقتضيه ظاهر القرآن، وليس في الظاهر أكثر من أن جسدا القي على كرسيه على سبيل الفتنة له وهي الاختبار والامتحان، مثل قوله تعالى:﴿ … الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ 1والكلام في ذلك الجسد ما هو إنما يرجع فيه إلى الرواية الصحيحة التي لا تقتضي إضافة قبيح إليه تعالى، وقد قيل في ذلك أشياء.
(منها): أن سليمان عليه السلام قال يوما في مجلسه وفيه جمع كثير: ” لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله ” وكان له فيما روي عدد كثير من السراري، فأخرج كلامه على سبيل المحبة بهذا الحال، فنزهه الله تعالى عن الكلام الذي ظاهره الحرص على الدنيا والتثبت بها لئلا يقتدى به في ذلك، فلم تحمل من نسائه إلا امرأة واحدة فألقت ولدا ميتا، فحمل حتى وضع على كرسيه جسدا بلا روح تنبيها له على أنه ما كان يجب بأن يظهر منه ما ظهر، فاستغفر ربه وفزع إلى الصلاة والدعاء.
وهذا الوجه إذا صح ليس يقتضي معصية صغيرة على ما ظنه بعضهم حتى نسب الاستغفار والإنابة إلى ذلك، وذلك لأن محبة الدنيا على الوجه المباح ليس بذنب وإن كان غيره أولى منه، والاستغفار عقيب هذه الحال لا يدل على وقوع ذنب في الحال ولا قبلها، بل يكون محمولا على ما ذكرناه آنفا في قصة داود عليه السلام من الانقطاع إلى الله تعالى وطلب ثوابه.
فأما قول بعضهم: إن ذنبه من حيث لم يستثن بمشيئة الله تعالى لما قال: تلد كل امرأة واحدة منهن غلاما. وهذا غلط لأنه (ع) وإن لم يستثن ذلك لفظا قد استثناه ضميرا أو اعتقادا. إذ لو كان قاطعا مطلقا للقول لكان كاذبا أو مطلقا لما لا يأمن أن يكون كذبا، وذلك لا يجوز عند من جوز الصغائر على الأنبياء عليهم السلام.
وأما قول بعضهم: إنه (ع) إنما عوتب واستغفر لأجل أن فريقين اختصما إليه، أحدهما من أهل جرادة امرأة له كان يحبها، فأحب أن يقع القضاء لأهلها فحكم بين الفريقين بالحق، وعوتب على محبة موافقة الحكم لأهل امرأته، فليس هذا أيضا بشئ لأن هذا المقدار الذي ذكروه ليس بذنب يقتضي عتابا إذا كان لم يرد القضاء بما يوافق امرأته على كل حال، بل مال طبعه إلى أن يكون الحق موافقا لقول فريقها، وأن يتفق أن يكون في جهتها من غير أن يقتضي ذلك ميلا منه إلى الحكم أو عدولا عن الواجب.
(ومنها): أنه روي عن الجن لما ولد لسليمان عليه السلام ولد قالوا لنلقين من ولده مثل ما لقينا من أبيه، فلما ولد له غلام أشفق عليه منهم فاسترضعه في المزن وهو السحاب فلم يشعر إلا وقد وضع على كرسيه ميتا تنبيها له على أن الحذر لا ينقطع مع القدر.
(ومنها): أنهم ذكروا أنه كان لسليمان (ع) ولد شاب ذكي وكان يحبه حبا شديدا فأماته الله تعالى على بساطه فجأة بلا مرض اختبارا من الله تعالى لسليمان (ع) وابتلاء لصبره في إماتة ولده، وألقى جسده على كرسيه، وقيل إن الله جل ثنائه أماته في حجره وهو على كرسيه فوضعه من حجره عليه.
ومنها: ما ذكره أبو مسلم، فإنه قال جايز أن يكون الجسد المذكور هو جسد سليمان (ع)، وأن يكون ذلك لمرض امتحنه تعالى به. وتلخيص الكلام: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا … ﴾ 2وذلك لشدة المرض.
والعرب تقول في الإنسان إذا كان ضعيفا ” إنه لحم على وضم “. كما يقولون: ” إنه جسد بلا روح ” تغليظا للعلة ومبالغة في فرط الضعف.
﴿ … ثُمَّ أَنَابَ ﴾ 2أي رجع إلى حال الصحة واستشهد على الاختصار والحذف في الآية بقوله تعالى:﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ 3 ولو أتي بالكلام على شرحه لقول الذين كفروا منهم أي من المجادلين.
كما قال تعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ … ﴾ 4إلى قوله: ﴿ … وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ 4.
وقال الأعشى في معنى الاختصار والحذف: وكأن السموط علقها السلك * بعطفي جيداء أم غزال ولو أتي بالشرح لقال علقها السلك منها.
وقال كعب بن زهير: زالوا فما زال انعكاس ولا كشف *** عند اللقاء ولا ميل معازيل
وإنما أراد فما زال منهم انعكاس ولا كشف وشواهد هذا المعنى كثيرة 5.

  • 1. القران الكريم: سورة العنكبوت (29)، من بداية السورة إلى الآية 3، الصفحة: 396.
  • 2. a. b. القران الكريم: سورة ص (38)، الآية: 34، الصفحة: 455.
  • 3. القران الكريم: سورة الأنعام (6)، الآية: 25، الصفحة: 130.
  • 4. a. b. القران الكريم: سورة الفتح (48)، الآية: 29، الصفحة: 515.
  • 5. تنزيه الأنبياء عليهم السلام للسيد مرتضى علم الهدى، دار الأضواء: 136 ـ 139.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى