إعرف عدوكالتاريخ الإسلاميالجهاد و الشهادةزاد عاشوراءسادة القافلةسيرة أهل البيت (ع)مقالاتمناسباتمنوعات

في مقتله (عليه السلام) ومالحقه بعد ذلك

قال الشيخ المفيد طاب ثراه: و كان خروج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثلاث مضين من ذي الحجّة سنة ستّين، و قتله يوم الأربعاء لتسع خلون من يوم عرفة و كان توجّه الحسين (عليه السّلام) من مكّة إلى العراق يوم التروية بعد أن أقام بمكّة بقيّة شعبان و رمضان و شوّال و ذي القعدة و ثمان من ذي الحجّة، و كان قد اجتمع عليه بمقامه بمكّة جماعة من أهل الأمصار فطاف بالبيت و سعى و أحلّ و جعلها عمرة لأنّه لم يتمكّن من تمام الحجّ، لأنّه خاف أن يقبض عليه فينفذ إلى يزيد بن معاوية .
و عن الواقدي و زرارة بن صالح قالا: لقينا الحسين قبل خروجه إلى العراق بثلاثة أيّام، فأخبرناه أنّ أهل الكوفة قلوبهم معه و سيوفهم عليه فأومى بيده نحو السماء ففتحت أبواب السماء و نزلت الملائكة فقال: لولا حبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء و لكن اعلم أنّ هناك مصرعي و مصرع أصحابي و لا ينجو منهم إلّا ولدي عليّ‏ .
و روى أنّه لحقه عبد اللّه بن العبّاس فأشار عليه بالإمساك عن السير إلى العراق فقال له:
إنّ رسول اللّه أمرني بأمر و أنا ماض فيه فخرج ابن عبّاس يقول: وا حسيناه ثمّ جاء عبد اللّه بن عمر فأشار عليه بصلح أهل الضلال و حذّره من القتل و القتال فقال: يا أبا عبد اللّه أما علمت أنّ من هوان الدّنيا على اللّه تعالى أنّ رأس يحيى بن زكريا اهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، أما تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيّا ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون و يشترون كأن لم يصنعوا شيئا، فلم يعجّل اللّه عليهم بل أخذهم‏
بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام، اتّق اللّه يا أبا عبد الرحمن و لا تدع نصرتي‏ .
و روي أنّه صلوات اللّه عليه لمّا عزم على الخروج إلى العراق قام خطيبا فقال؛ الحمد للّه و ما شاء اللّه و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه و صلّى اللّه على رسوله و سلّم؛ خطّ الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، و ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف و خير لي مصرع أنا لاقيه كأنّي بأوصالي يقطعها ذئاب الفلوات بين النواويس و كربلا فيملأن مني أكراشا، لا محيص عن يوم خط بالقدم رضاء اللّه رضانا أهل البيت نصبر على بلائه و يوفينا اجور الصابرين من كان فينا باذلا مهجته موطنا على لقاء اللّه نفسه فليرحل معنا فإنّي راحل غدا إن شاء اللّه تعالى، ثمّ سار حتّى بلغ التنعيم فلقى هناك عيرا تحمل هدية من عامل اليمن إلى يزيد بن معاوية و عليها الورس و الحلل فأخذها صلوات اللّه عليه، لأنّ حكم امور المسلمين إليه فسار حتّى بلغ ذات عرق فسأله عن أهلها فقال: خلّفت القلوب معك و السيوف مع بني أميّة فقال: صدقت إنّ اللّه يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، ثمّ سار حتّى نزل الثعلبية وقت الظهيرة فوضع رأسه فرقد ثمّ استيقظ فقال: قد رأيت هاتفا يقول: أنتم تسرعون و المنايا تسرع بكم إلى الجنّة فقال له ابنه عليّ: يا أبه فلسنا على الحقّ؟
فقال: بلى يا بني فقال: يا أبه إذا لا نبالي بالموت، فقال: جزاك اللّه يا بني خير ما جزا ولدا عن والد.
و اتّصل الخبر بالوليد بن عتبة أنّ الحسين قصد العراق فكتب إلى ابن زياد: أمّا بعد، فإنّ الحسين قد توجّه إلى العراق و هو ابن فاطمة بنت رسول اللّه فاحذر يابن زياد أن تأتي إليه بسوء فتهيج على نفسك و قومك أمرا في هذه الدّنيا لا تنساه الخاصّة و العامّة أبدا ما دامت الدّنيا، فلم يلتفت ابن زياد إلى كتابه‏ .
و عن الطرماح بن حكم قال: لقيت الحسين (عليه السّلام) في الطريق فقلت: لا يغرّنك أهل الكوفة فو اللّه إن دخلتها لتقتلن، فإن كنت مجمعا على الحرب فانزل آجا فإنّه جبل منيع و قومي ينصرونك ما أقمت بينهم، فقال: إنّ بيني و بين القوم موعدا أكره أن أخلفهم فإن يدفع اللّه عنّا
فقديما ما أنعم علينا و كفى، و إن يكن ما لا بدّ منه ففوز و شهادة إن شاء اللّه. ثمّ حملت الطعام إلى أهلي و أوصيتهم بامورهم و خرجت اريد الحسين، فلقيني سماعة بن يزيد فأخبرني بقتله و رجعت‏ .
و حدّث جماعة من فزارة قالوا: كنّا مع زهير بن القين حين أقبلنا من مكّة و نحن نساير الحسين فإذا نزل في جانب نزلنا في جانب آخر فبينا نحن نتغدّى من طعام إذ أقبل رسول الحسين (عليه السّلام) فقال: يا زهير بن القين إنّ أبا عبد اللّه الحسين بعثني إليك لتأتيه، فطرح كلّ إنسان منّا ما في يده فقالت له امرأته: سبحان اللّه يبعث إليك ابن رسول اللّه ثمّ لا تأتيه، فأتاه زهير بن القين فما لبث أن جاء مستبشرا قد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه و رحله فحوّل إلى الحسين ثمّ قال لامرأته: أنت طالق و الحقي بأهلك فإنّي لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلّا خيرا و قد عزمت على صحبة الحسين لأفديه بروحي. ثمّ سلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إلى أهلها، فقامت إليه و بكت و ودّعته و قالت: خار اللّه لك أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين (عليه السّلام).
و قال المفيد: ثمّ قال زهير لأصحابه: من أحبّ منكم من يتبعني و إلّا فهو آخر العهد، إنّي سأحدّثكم حديثا؛ غزونا البحر ثمّ فتح اللّه علينا و أصبنا غنائم، فقال لنا سلمان: أفرحتم بما فتح اللّه عليكم؟
قلنا: نعم، فقال: إذا أدركتم سيّد شباب آل محمّد فكونوا أشدّ فرحا بقتالكم معه ممّا أصبتم من الغنائم، فأمّا أنا فأستودعكم اللّه، و كان مع الحسين (عليه السّلام) حتّى قتل معه، و لمّا نزل الخزيمة بات بها ليلة، فلمّا أصبح أقبلت إليه اخته زينب فقالت: يا أخي سمعت البارحة هاتفا يقول شعر:
ألا يا عين فاحتفلي بجهد و من يبكي على الشهداء بعدي‏
إلى قوم تسوقهم المنايا بمقدار إلى إنجاز وعد
فقال لها الحسين (عليه السّلام): يا أختاه كلّ الذي قضى اللّه هو كائن‏ .
و روى عبد اللّه بن سليمان و المنذر الأسدي قالا: قضينا حجّنا و لحقنا بالحسين (عليه السّلام)‏
بزرود، فلمّا دنونا منه إذا نحن برجل من الكوفة و قد عدل عن الطريق فلحقناه و قلنا له اخبرنا عن الناس قال: لم أخرج من الكوفة حتّى قتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة و رأيتهما يجرّان بأرجلهما في السوق، فأقبلنا حتّى لحقنا بالحسين (عليه السّلام) فقلنا: إنّ عندنا خبرا إن شئت حدّثناك به علانية و إن شئت سرّا فنظر إلى أصحابه و قال: ما دون هؤلاء ستر، فقلنا: اخبرنا الراكب بقتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة، فقال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون رحمة اللّه عليهما، فقلنا:
ننشدك اللّه الّا انصرفت من مكانك و انّا نتخوّف عليك، فنظر إلى بني عقيل فقال: ما ترون فقد قتل مسلم؟
فقالوا: ما نرجع حتّى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق، فقال: لا خير في العيش بعد هؤلاء الفتية، فعلمنا أنّه عزم على المسير، فقلنا له: خار اللّه لك‏ .
و في رواية اخرى: إنّه لمّا أخبر بقتل مسلم أمّا أنّه قد قضى ما عليه و بقى ما علينا، ثمّ قال شعر:
فإن تكن الدّنيا تعدّ نفيسة فدار ثواب اللّه أعلى و أنبل‏
و إن تكن الأبدان للموت انشئت‏ فقتل امرء بالسيف في اللّه أفضل‏
و إن يكن الأرزاق قسما مقدّرا فقلّة حرص المرء في الرزق أجمل‏
و إن تكن الأموال للترك جمعها فما بال متروك به الحرّ يبخل‏
ثمّ سار حتّى مرّ ببطن العقبة فلقيه شي‏ء من بني عكرمة، فقال للحسين (عليه السّلام): أنشدك اللّه لما انصرفت فو اللّه ما تقدم إلّا على الأسنّة و حدّ السيوف فقال؛ لا يخفى عليّ الرأي، ولكن اللّه تعالى لا يغلب على أمره، ثمّ قال: و اللّه لا يتركونني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلّط اللّه عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فرق الامم، ثمّ سار حتّى انتصف النهار فبينما هو يسير إذ كبّر رجل من أصحابه، فقال له الحسين (عليه السّلام): لم كبّرت فقال: رأيت النخل.
قال جماعة من أصحابه: ما عهدنا هنا نخل، فقال الحسين (عليه السّلام): ما ترون؟
قالوا: نرى أسنّة الرّماح و اذان الخيل، فقال: و أنا أرى ذلك فأخذوا ذات اليسار
و طلعت عليهم هوادي الخيل و جاء القوم زهاء ألف فارس مع الحرّ حتّى وقفوا مقابل الحسين (عليه السّلام) في حرّ الظهيرة، فقال الحسين (عليه السّلام) لأصحابه: اسقوا القوم و اسقوا خيولهم من الماء ففعلوا، و كان ابن زياد بعثه يستقبل الحسين فلم يزل الحرّ موافقا للحسين و قال: إنّ ابن زياد لم يأمرني بقتالك ولكن أمرني أن أدخلك الكوفة فلم يقبل (عليه السّلام) و أخذا طريقا وسطا حتّى وصلا إلى نينوى إلى الحرّ إذا أتاك كتابي فجعجع بالحسين و أصحابه و لا تنزله إلّا بالعراء في غير خضرة و لا ماء، و كان ذلك اليوم يوم الخميس و هو الثاني من المحرّم سنة إحدى و ستّين فقام الحسين (عليه السّلام) خطيبا في أصحابه و قال: إنّه قد نزل من الأمر ما ترون و أنّ الدّنيا تغيّرت و تنكّرت و أدبر معروفها، و إنّي لا أرى الموت إلّا سعادة.
فقام زهير بن القين و قال: يابن رسول اللّه لو كانت الدّنيا لنا باقية لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها و تكلّم أصحابه (عليه السّلام) مثل كلام زهير فساروا مع الحرّ حتّى نزلوا كربلاء في اليوم الثامن من المحرّم و قال: هذه أرض كرب و بلاء، فبكى ساعة و قال: اللّهمّ إنّا عترة نبيّك و قد أخرجنا و طردنا و ازعجنا عن حرم جدّنا و تعدّت بنو اميّه علينا، ثمّ قال: هذه الأرض مناخ ركابنا و محطّ رحالنا و مقتل رجالنا و سفك دمائنا.
و كتب الحرّ إلى ابن زياد: إنّ الحسين نزل كربلاء، فأرسل عمر بن سعد في أربعة آلاف فارس فنزل نينوى و أرسل إلى الحسين (عليه السّلام): ما الذي أتى بك؟
فقال: كتبكم، فإذا كرهتموني فأنا أنصرف عنكم، ثمّ إنّ ابن زياد أرسل إليه الخيل و الرجال حتّى تكاملت عنده ثلاثون ألفا فنزلوا على شاطئ الفرات و حالوا بينه و أصحابه و بين الماء و أضرّ العطش بأصحاب الحسين، فأخذ (عليه السّلام) فأسا و حفر فنبعت عين من الماء فشربوا بأجمعهم و غارت العين و بلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى ابن سعد: أن امنعهم حفر الآبار و لا تدعهم يذوقوا الماء. فبعث عمرو بن الحجّاج في خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة و حالوا بين الحسين و بين الماء و ذلك قبل قتل الحسين (عليه السّلام) بثلاثة أيّام و نادى ابن حصين: يا حسين ألا تنظرون إلى الماء كأنّه كبد السماء و اللّه لا تذوقون منه قطرة حتّى تموتوا عطشا، فقال الحسين (عليه السّلام): اللّهم اقتله عطشا.
قال حميد بن مسلم: و اللّه لقد رأيته بعد ذلك يشرب الماء ثمّ يقيئه و يصيح العطش‏ العطش، و هكذا حتّى خرجت روحه و لمّا رأى الحسين (عليه السّلام) نزول العساكر مع ابن سعد أرسل إليه: أريد أن ألقاك فاجتمعا و تناجيا طويلا ثمّ رجع ابن سعد إلى مكانه و كتب إلى ابن زياد:
هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى أو إلى أحد الثغور، فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم و عليه ما عليهم، فلمّا قرأ الكتاب قال: هذا كتاب ناصح مشفق على قومه فقام إليه شمر فقال: لئن رحل الحسين من بلادك ليكوننّ قويّا و أنت ضعيفا فلا تعطه هذه المنزلة ولكن ينزل على حكمك، فقال ابن زياد: نعم ما رأيت فكتب إلى ابن سعد: لم أبعثك إلى الحسين لتمنّيه السلامة و لا لتكون له عندي شفيعا انظر إن نزل حسين على حكمي فابعث به إليّ سالما و إن أبى فاقتله و أصحابه و مثّل بهم، فإن قتلت حسينا فاوطء الخيل صدره و ظهره فإنّه عات ظلوم فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع، و إن أبيت فاعتزل و خل بين شمر و بين العسكر.
فأقبل شمر بكتاب ابن زياد إلى ابن سعد، فلمّا قرأ الكتاب قال: لا قرّب اللّه دارك و اللّه إنّي لأظنّك نهيته عمّا كتبت به إليه و اللّه لا يبايع حسين؛ إنّ نفس أبيه بين جنبيه، فقال له الشمر: إن لم تمض لأمر أميرك، و إلّا فخلّ بيني و بين الجند.
قال: لا و كرامة لك ولكن أنا أتولّى ذلك و دونك فكن على الرّجالة، و جاء شمر حتّى وقف على أصحاب الحسين فقال: أين بنو أختنا، فخرج إليه جعفر و العبّاس و عثمان بنو عليّ فقال لهم: أنتم يا بني أختي آمنون فقالوا له: لعنك اللّه و لعن إمامك أتؤمننا و ابن رسول اللّه لا أمان له.
ثمّ نادى ابن سعد: يا خيل اللّه اركبي، فرجف الناس إليهم بعد العصر و الحسين (عليه السّلام) جالس أمام بيته مختبئ بسيفه فخفق برأسه على ركبتيه و سمعت اخته الصيحة فدنت من أخيها و قالت: يا أخي ما تسمع هذه الأصوات؟ فرفع الحسين (عليه السّلام) رأسه فقال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله) الساعة في المنام و و يقول: إنّك تروح إلينا غدا فلطمت وجهها و نادت بالويل، فقال الحسين (عليه السّلام) للعبّاس: امض إليهم و أخّرهم إلى غد لعلّنا نصلّي لربّنا هذه الليلة و ندعوه و نستغفره، فمضى إليهم و أجّلوه إلى غد فجمع أصحابه عند السماء فقال لهم: إنّي أذنت لكم فانطلقوا في حلّ هذا الليل قد غشيكم فقالوا: نفعل ذلك لنبقى بعدك لا أرانا اللّه ذلك أبدا، بدأهم بذلك العبّاس.
ثمّ قام إليه ابن عوسجة فقال: لو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة و لو علمت أنّي اقتل ثمّ احيا ثمّ احرق ثمّ احيا ثمّ اذرّى يفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك فكيف لا أفعل ذلك و إنّما هي قتلة واحدة ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها، و تكلّموا مثل كلامه فجزاهم الحسين (عليه السّلام) خيرا و انصرف إلى منزله.
و قيل لبشر بن محمد الحضرمي في تلك الحال: قد أسر ابنك بثغر الريّ، فقال: عند اللّه أحتسبه و نفسي فسمع الحسين (عليه السّلام) قوله فقال له: أنت في حلّ من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك فقال: أكلتني السباع حيّا إن فارقتك فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار لفكاك ابنه و بات الحسين (عليه السّلام) و أصحابه تلك الليلة و لهم دويّ كدويّ النحل ما بين راكع و ساجد و قائم و قاعد.
فلمّا كان الغداة أمر الحسين (عليه السّلام) بفسطاط فضرب و أمر بجفنة فيها مسك كثير، فجعل فيها نورة ثمّ دخل ليطلي و أصحابه بعده فجعل برير يضاحك عبد الرحمن الأنصاري، فقال له عبد الرحمن: ما هذه ساعة ضحك، فقال: إنّما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه، فو اللّه ما هو إلّا نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم ساعة ثمّ نعانق الحور العين.
و قال عليّ بن الحسين (عليه السّلام): إنّي جالس في تلك الليلة التي قتل أبي في صبيحتها فدخل أبي في خباء له يعالج سيفه و يصلحه و يقول شعر:
يا دهر اف لك من خليل‏ كم لك في الإشراق و الأصيل‏
من طالب و صاحب قتيل‏ و الدهر لا يقنع بالبديل‏
و إنّما الأمر إلى الجليل‏ و كلّ حيّ سالك سبيلي‏
فعلمت ما أراد فخنقتني العبرة و علمت أنّ البلاء قد نزل، و أمّا عمّتي زينب فلم تملك نفسها فمشت تجرّ ثوبها حتّى انتهت إليه و قالت: وا ثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت امّي فاطمة و أبي علي و أخي الحسن، يا خليفة الماضي و ثمال الباقي فقال لها: يا اختاه لا يذهبن حلمك الشيطان و ترقرقت عيناه بالدموع و قال: لو ترك القطا لنام، فقالت: يا ويلتاه تغصب نفسك اغتصابا، ثمّ لطمت وجهها و شقّت جيبها و خرّت مغشيّة عليها فصبّ‏
الحسين (عليه السّلام) على وجهها الماء و قال: يا اختاه اعلمي أنّ أهل الأرض يموتون و أهل السماء لا يبقون و أنّ كلّ شي‏ء هالك إلّا وجهه ثمّ قال: أقسم عليك إذا أنا قتلت فلا تشقّي عليّ جيبا و لا تخمشي عليّ وجها، ثمّ خرج إلى أصحابه و أمرهم أن يقرّبوا بين بيوتهم و أن يشدّوا الأطناب بعضها في بعض ليقاتلوا القوم من وجه واحد.
فلمّا كان وقت السحر خفق برأسه خفقة ثمّ استيقظ فقام و قال: رأيت كأنّ كلابا شدّت عليّ لتنهشني و فيها كلب أبقع رأيته أشدّ عليّ و أظنّ أنّ الذي يتولّى قتلي رجل أبرص، ثمّ رأيت بعد ذلك جدّي في جماعة من أصحابه و هو يقول: يا بني أنت شهيد آل محمّد و قد استبشر بك أهل السماوات، فليكن إفطارك عندي الليلة عجّل و لا تؤخّر فهذا ملك نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء، فهذا ما رأيت. و قد اقترب الرحيل من هذه الدّنيا فأصبح فعبّأ أصحابه بعد صلاة الغداة و كان معه اثنان و ثلاثون فارسا و أربعون راجلا .
و في رواية اخرى اثنان و ثمانون راجلا.
و عن الباقر (عليه السّلام): كانوا خمسة و أربعين فارسا و مائة راجل، فكان زهير بن القين في الميمنة و حبيب بن مظاهر في الميسرة و على رايته العبّاس و أصبح ابن سعد في ذلك اليوم و هو يوم الجمعة.
و قيل: يوم السبت و عبّأ أصحابه، و كان على الميمنة عمرو بن الحجّاج و على الميسرة شمر بن ذي الجوشن‏ .
و عن عليّ بن الحسين (عليه السّلام): لمّا أقبلت الخيل على الحسين (عليه السّلام) رفع يديه و قال: اللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كرب و رجائي في كلّ شدّة و أنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة و عدّة كم من كرب يضعف عنه الفؤاد و تقلّ فيه الحيلة و يخذل فيه الصديق و يشمت به العدوّ أنزلته لديك و شكوته إليك رغبة منّي إليك عمّن سواك ففرّجته و كشفته، فأنت وليّ كلّ نعمة و صاحب كلّ حسنة و منتهى كلّ رغبة، فأقبل القوم يحولون حول الحسين (عليه السّلام) و تقدّم الحسين (عليه السّلام) إلى القوم فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنّهم السيل و قال: أمّا بعد فانسبوني و انظروا من أنا ثمّ راجعوا أنفسكم و عاتبوها، فانظروا هل يحلّ لكم قتلي؟
ألست ابن نبيّكم و ابن وصيّه، أما بلغكم قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله) فيّ و في أخي هذان سيّدا شباب أهل الجنّة، و يحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته؟ أ لم تكتبوا إليّ؟
فقال له قيس بن الأشعث: ما يقول؟
فقال (عليه السّلام) في خطبة خطبها في ذلك الموقف: اللّهم احبس عنهم قطر السماء و ابعث عليهم سنينا كسنيّ يوسف و سلّط عليهم غلام ثقيف لا يدع أحدا منهم إلّا قتله ينتقم لي و لأوليائي، يابن سعد تقتلني تزعم أن يولّيك الدعيّ بن الدّعي بلاد الري و جرجان و اللّه لا تهنأ بذلك أبدا عهدا معهودا، و لكأنّي برأسك على قصبة قد نصبت بالكوفة يتراماه الصبيان و يتّخذونه هدفا فاغتاظ من كلامه ثمّ نادى ما تنتظرون به احملوا بأجمعكم إنّما هم أكلة واحدة، ثمّ نادى ابن سعد: يا دريد ادن رايتك فأدناها ثمّ وضع سهما في كبد قوسه ثمّ رمى و قال: اشهدوا إنّي أوّل من رمى الحسين و أصحابه، فرمى أصحابه كلّهم، فما بقي من أصحاب الحسين أحد إلّا أصابه من سهامهم و قتل في هذه الحملة خمسون رجلا ثمّ صاح الحسين: أما من مغيث يغيثنا لوجه اللّه، أما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول اللّه.
ثمّ تبارزوا و كان كلّ من خرج من أصحاب الحسين (عليه السّلام) ودّعه و قال: السلام عليك يابن رسول اللّه، فيقول له: و عليك السلام و نحن خلفك و يقرأ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ، و برز إليهم عبد اللّه الكلبي و كانت معه امّه فقالت: قم يا بني و انصر ابن بنت رسول اللّه، فقال: أفعل يا أمّاه فبرز و قاتل حتّى قتل منهم جماعة، فرجع إلى امّه و امرأته فقال: يا أمّاه أرضيت؟
فقالت: ما رضيت أو تقتل بين يدي الحسين (عليه السّلام) فيكون جدّه في القيامة شفيعا لك، فرجع حتّى قتل تسعة عشر فارسا و اثنى عشر راجلا ثمّ قطعت يداه فأخذت امرأته عمودا و أقبلت نحوه تمسح الدم عن وجهه فبصر بها شمر فأمر غلامه فقتلها، و هي أوّل امرأة قتلت‏
في عسكر الحسين (عليه السّلام)‏
و روي أنّ امّه أخذت عمود الفسطاط فقتلت رجلين فقال لها الحسين (عليه السّلام): ارجعي أنت و ابنك مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله) فإنّ الجهاد مرفوع عن النساء، و كان يقتل من أصحاب الحسين الواحد و الاثنان فيبيّن ذلك فيهم لقلّتهم و يقتل من أصحاب عمر الجماعة فلا يبين فيهم لكثرتهم، ثمّ حضر وقت الصلاة و صلّى الحسين بأصحابه صلاة الخوف، و قيل: إنّهم صلّوا فرادى بالإيماء .
و روي أنّ سعيد الحنفي تقدّم أمام الحسين فاستهدف لهم يرمونه بالنبل كلّما جاء إلى الحسين سهم تلقّاه بنفسه حتّى سقط إلى الأرض و هو يقول: اللّهم ابلغ نبيّك عنّي السلام و ابلغه ما لقيت من ألم الجراح ثمّ مات، فوجد به ثلاثة عشر سهما سوى ما به من ضرب السيوف و طعن الرّماح. و تقدّم جون مولى أبي ذرّ و كان عبدا أسود فقال له الحسين: أنت في حلّ منّي، فقال: يابن رسول اللّه أنا في الرخاء ألحس قصاعكم و في الشدّة أخذلكم و اللّه إنّ ريحي المنتن و أنّ حسبي اللئيم و لوني أسود و اللّه لا افارقكم حتّى يختلط هذا الدّم الأسود بدمائكم، فبرز للقتال و قتل جماعة حتّى قتل فوقف عليه الحسين و قال: اللّهم بيّض وجهه و طيّب ريحه و احشره مع الأبرار و عرّف بينه و بين آل محمّد .
و عن عليّ بن الحسين (عليه السّلام): إنّ الناس كانوا يدفنون القتلى، فوجدوا الأسود بعد عشرة أيّام تفوح منه رائحة المسك و كان شعره في الحرب، شعر:
كيف يرى الفجّار ضرب الأسود بالمشرفي القاطع المهنّد
بالسيف صلنا عن بني محمّد أذبّ عنهم باللّسان و اليد
أرجو بذاك الفوز عند المورد من الإله الواحد الموحّد
إذ لا شفيع عنده كأحمد
و خرج إليهم حنظلة فنادى: يا قوم لا تقتلوا حسينا فيسحتكم اللّه بعذاب و قد خاب من‏ افترى، ثمّ قال للحسين (عليه السّلام): ألا نروح إلى ربّنا فنلحق بإخواننا؟
فقال: رح إلى ما هو خير لك، فسلّم على الحسين (عليه السّلام) ثمّ قاتل حتّى قتل، و خرج زهير و هو يرتجز شعر:
أنا زهير و أنا ابن القين‏ أذودكم بالسيف عن حسيني‏
إنّ حسينا أحد السبطين‏ من عترة البرّ التقيّ الزينيّ‏
فقاتل حتّى قتل مائة و عشرين ثمّ قتل رضوان اللّه عليه، و لمّا قتل أصحاب الحسين (عليه السّلام) و لم يبق إلّا أهل بيته و هم ولد علي و ولد جعفر و ولد عقيل و ولد الحسن و ولده (عليهم السّلام) اجتمعوا و ودّع بعضهم بعضا و عزموا على الحرب، فأوّل من برز من أهل بيته عبد اللّه بن مسلم بن عقيل و قال شعر:
اليوم ألقى مسلما و هو أبي‏ و فتية بادوا على دين النبيّ‏
ليسوا بقوم عرفوا بالكذب‏ لكن خيار و كرام النسب‏
من هاشم السادات أهل الحسب‏
فقتل ثمانية و تسعين رجلا في ثلاث حملات و اشترك في قتله الصيداوي و أسد بن مالك و خرج من بعده جعفر بن عقيل و هو يقول، شعر:
أنا الغلام الأبطحي الطالبيّ‏ من معشر في هاشم و غالب‏
فقتل خمسة عشر فارسا، ثمّ قتله بشر بن لوط الهمداني ثمّ خرج أخوه عبد الرحمن بن عقيل و هو يقول شعر:
أبي عقيل فاعرفوا مكاني‏ من هاشم و هاشم اخواني‏
كهول صدق سادة الأقران‏ هذا حسين شامخ البنيان‏
فقتل سبعة عشر فارسا ثمّ قتله عثمان الجهني، و خرج من بعده محمّد بن عبد اللّه بن جعفر الطيّار فقتل منهم عشرة ثمّ قتله عامر التميمي، و خرج من بعده أخوه عون و قتل ثمانية عشر رجلا و ثلاثة فوارس و قتله ابن بطّة، ثمّ خرج القاسم بن الحسن و هو غلام صغير لم يبلغ الحلم فاستأذن الحسين (عليه السّلام) فأبى أن يأذن له فلم يزل يقبّل يديه و رجليه حتّى أذن له فخرج و دموعه تسيل على خدّيه و هو يقول شعر:
إن تنكروني فأنا ابن الحسن‏ سبط النبيّ المصطفى و المؤتمن‏
فقتل منهم خمسة و ثلاثين رجلا فضربه عمر الأزدي بالسيف على رأسه فوقع الغلام لوجهه و نادى يا عمّاه، فجاءه الحسين (عليه السّلام) كالصقر المنقضّ فقتل قاتله و حملت خيل أهل الكوفة فجرحته بحوافرها حتّى مات الغلام فانجلت الغبرة، فإذا الحسين واقف على رأس الغلام و هو يفحص برجله فقال الحسين (عليه السّلام): يعزّ و اللّه على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك فلا يعينك أو يعينك فلا يغني عنك بعدا لقوم قتلوك، ثمّ احتمله حتّى ألقاه بين القتلى من أهل بيته، ثمّ برز عبد اللّه بن الحسن و هو يقول شعر:
إن تنكروني فأنا ابن حيدرة ضرغام اجام و ليث قسورة

على الأعادي مثل ريح صرصرة

فقتل أربعة عشر رجلا ثمّ قتله حرملة بن كاهل الأسدي، ثمّ برز أبو بكر بن الحسن و قتله عبد اللّه بن عقبة، ثمّ تقدّمت اخوة الحسين فبرز منهم أبو بكر بن عليّ ثمّ عثمان بن علييّ.
و عن عليّ (عليه السّلام) قال: إنّما سمّيته باسم أخي عثمان بن مظعون‏ .
يقول مؤلّف الكتاب أيّده اللّه تعالى: لعلّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) إنّما سمّى أولاده بهذه الأسماء مع أنّه لا يحبّها توسيعا على شيعته في ميدان التقيّة، مثلا لو كان رجل من الشيعة في بلاد المخالفين و قيل له: أتحبّ أبا بكر و عمر و عثمان؟ يقول: نعم و يحلف على هذا قاصدا إلى أولاد أمير المؤمنين (عليه السّلام).
ثمّ خرج جعفر بن علي قتله خولي الأصبحي، و خرج من بعده أخوه عبد اللّه بن علي و قتل و هو ابن خمس و عشرين سنة و لا عقب له، ثمّ خرج محمّد الأصغر بن عليّ بن أبي طالب و قتله رجل من بني تميم، و خرج من بعده أخوه إبراهيم بن عليّ بن أبي طالب و هؤلاء الثلاثة إخوة العبّاس بن عليّ لامّه و كانت أمّ هؤلاء الأربعة تخرج إلى البقيع فتندبهم و الناس يسمعون و يبكون قالوا: و كان العبّاس سقّاء الحسين (عليه السّلام) صاحب لوائه و هو أكبر الاخوان مضى يطلب الماء فحملوا عليه و حمل عليهم فكمن له زيد بن ورقاء من وراء نخلة فضربه‏
على يمينه فأخذ السيف بشماله و قاتل ثمّ قطعت شماله فقاتل حتّى ضربه ملعون بعمود على رأسه، فلمّا رآه الحسين (عليه السّلام) صريعا على شاطئ الفرات بكى و قال شعر:
تعديتم يا شرّ قوم ببغيكم‏ و خالفتموا دين النبيّ محمّد
أما كان خير الرسل أوصاكم بنا أما نحن من نجل النبيّ المسدّد
أما كانت الزهراء امّي دونكم‏ أما كان من خير البرية أحمد
لعنتم و أخزيتم بما قد جنيتموا فسوف تلاقوا حرّ نار توقد

و روي أنّ العبّاس لمّا رأى وحدة الحسين (عليه السّلام) أتاه و قال: يا أخي هل من رخصة، فبكى الحسين و قال: أنت صاحب لوائي و إذا مضيت تفرّق عسكري، فقال العبّاس: قد سئمت من الحياة و أريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين فقال له: فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلا من الماء، فركب و أخذ رمحه و القربة و قصد الفرات فأحاطه أربعة آلاف ممّن كانوا موكلين بالفرات و رموه بالنبال فقتل منهم ثمانين رجلا، فلمّا أراد أن يشرب غرفة من الماء ذكر عطش الحسين فرمى بالماء و ملأ القربة و حملها على كتفه فقطعوا عليه الطريق ثمّ قطعوا يده اليمنى فحمل القربة باليسرى ثمّ قطعها نوفل من الزند فحمل القربة بأسنانه فجاءه سهم فأصاب القربة فاريق ماءها ثمّ جاءه سهم أصاب صدره فانقلب عن فرسه و صاح إلى أخيه الحسين:
أدركني فأتى إليه و حمله إلى الخيمة.
و لمّا قتل العبّاس قال الحسين (عليه السّلام): الآن انكسر ظهري و قلّت حيلتي، ثمّ برز القاسم بن الحسين و برز من بعده عليّ بن الحسين و امّه ليلى الثقفية و هو ابن ثماني عشرة سنة و يقال ابن خمس و عشرين سنة و قال الحسين: اللّهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقا و خلقا و منطقا برسولك، كنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه، اللّهم امنعهم بركات الأرض‏ .
و روي أنّه قتل على عطشه مائة و عشرين رجلا ثمّ رجع إلى أبيه يشكو العطش فدفع إليه خاتمه يمصّه و قال: امسكه في فيك و ارجع إلى قتال عدوّك، فإنّي أرجو أن لا تمسي حتى‏ يسقيك جدّك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا، فرجع إلى القتال حتّى قتل تمام المائتين ثمّ ضربه ملعون على مفرق رأسه و ضربه الناس بأسيافهم، فلمّا بلغت الروح التراقي نادى: يا أبتاه هذا جدّي رسول اللّه قد سقاني بكأسه الأوفى و هو يقول: العجل العجل فإنّ لك كأسا مذخورة فصاح الحسين: لعن اللّه قوما قتلوك على الدّنيا بعدك العفا.
قال حميد بن مسلم: فكأنّي أنظر إلى امرأة كأنّها الشمس خرجت مسرعة تنادي: يا نور عيناه، فقيل: هي زينب بنت علي فجاءت و انكبّت عليه فردّها الحسين (عليه السّلام) إلى الفسطاط و حملوه إلى قتلاهم.
قال أبو الفرج: عليّ بن الحسين هذا هو الأكبر و لا عقب له و يكنّى أبا الحسن و امّه ليلى بنت أبي مرّة و هو أوّل من قتل في الوقعة.
ثمّ قالوا: و خرج من تلك الأبنية غلام و في اذنيه درّتان و هو مذعور يلتفت يمينا و شمالا و قرطاه تذبذبان، فحمل عليه هاني بن بعيث لعنه اللّه فقتله فصارت شهربانو تنظر إليه و لا تتكلّم كالمدهوشة ثمّ التفت الحسين (عليه السّلام) يمينا و شمالا فلم ير أحدا من الرجال، فخرج عليّ ابن الحسين زين العابدين و كان مريضا فقال الحسين: يا امّ كلثوم خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمّد و تقدّم الحسين إلى باب الخيمة فقال: ناولوني ابني عليّا الطفل حتّى أودّعه.
و قال المفيد: دعى ابنه عبد اللّه فجعل يقبّله و الصبي في حجره إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه، فتلقّى الحسين (عليه السّلام) دمه حتّى امتلأت كفّه. ثمّ رمى به إلى السماء و لم يسقط قطرة إلى الأرض ثمّ نظر الحسين إلى اثنين و سبعين رجلا من أهل بيته صرعى، فنادى: يا سكينة يا فاطمة يا زينب يا امّ كلثوم عليكنّ منّي السلام، فنادته سكينة: يا أبه استسلمت للموت.
قال: كيف لا يستسلم من لا ناصر له و لا معين فقالت: يا أبه ردّنا إلى حرم جدّنا فقال:
هيهات لو ترك القطا لنام، فتصارخن النساء ثمّ ركب الحسين (عليه السّلام) فرسه و برز إلى القوم و هو يقول، شعر:
خيرة اللّه من الخلق أبي‏ ثمّ امّي فأنا ابن الخيرتين‏
فضّة قد خلصت من ذهب‏ فأنا الفضّة و ابن الذهبين‏
من له جدّ كجدّي في الورى‏ أو كشيخي فأنا ابن العلمين‏
فاطم الزهراء امّي و أبي‏ قاصم الكفر ببدر و حنين‏
عبد اللّه غلاما يافعا و قريش يعبدون الوثنين‏
فأبي شمس و امّي قمر فأنا الكوكب و ابن القمرين‏

ثمّ وقف قبالة القوم و لم يزل يقتل كلّ من دنى منه حتّى قتل مقتلة عظيمة، قال بعضهم:
و اللّه ما رأيت مكثورا قط قد قتل ولده و أهل بيته أربط جأشا منه، و إنّه كان يشدّ على الرجال فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب، و لقد كان فيهم و قد تكملوا ثلاثين ألفا فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر، و لم يزل يقاتل حتّى قتل ألف رجل و تسعمائة رجل و خمسين رجلا سوى المجروحين.
فقال ابن سعد: الويل لكم أتدرون من تقاتلون؟ هذا ابن الأنزع البطين هذا ابن قتّال العرب، فاحملوا عليه من كلّ جانب. و كان الرّماة أربعة آلاف فرموه بالسّهام و حالوا بينه و بين رحله فكشفهم ثمّ أخذه العطش فأقحم فرسه الفرات فقال للفرس: أنا عطشان و أنت عطشان و اللّه لا ذقت الماء حتّى تشرب، فلمّا سمع الفرس كلام الحسين رفع رأسه و لم يشرب كأنّه فهم الكلام فقال الحسين (عليه السّلام): اشرب فأنا أشرب فمدّ الحسين (عليه السّلام) يده فغرف من الماء فقال فارس: يا أبا عبد اللّه تتلذّذ بشرب الماء و قد هتكت خيمة حرمك، فنفض الماء من يده و حمل على القوم فكشفهم فإذا الخيمة سالمة.
ثمّ رماه رجل من القوم يقال له أبا الحتوف بسهم وقع في جبهته، فنزعه فسال الدم على وجهه و لحيته فقال: اللّهم إنّك ترى ما أنا فيه من هؤلاء العصاة، اللّهم لا تذر على وجه الأرض منهم أحدا و لا تغفر لهم، أبدا ثمّ حمل عليهم كاللّيث المغضب و السهام تأخذه من كلّ ناحية و هو يتّقيها بنحره و صدره و هو يقول: يا امّة السوء أمّا انّكم لن تقتلوا بعدي عبدا من عباد اللّه فتهابوا قتله بل يهون عليكم عند قتلكم إيّاي، و أيم اللّه إنّي لأرجو أن يكرمني ربّي بالشهادة ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون و لم يزل يقاتل حتّى أصابته اثنتان و سبعون جراحة ما بين طعنة و ضربة و قيل ألف و تسعمائة جراحة.
و قال الباقر (عليه السّلام): اصيب الحسين و وجد به ثلاثمائة و بضعة و عشرون طعنة برمح و ضربة بسيف أو رمية بسهم و كان درعه كالقنفذ .
و روي أنّها كانت كلّها في مقدمه فوقف يستريح ساعة و قد ضعف عن القتال فأتاه سهم محدّد مسموم له ثلاث شعب فوقع في صدره فقال: بسم اللّه و باللّه و على ملّة رسول اللّه و رفع رأسه إلى السماء و قال: إلهي إنّك تعلم إنّهم يقتلون رجلا ليس على وجه الأرض ابن نبيّ غيره، فأخرج السهم من قفاه و انبعث الدم كالميزاب فوضع يده على الجرح، فلمّا امتلأت رمى به إلى السماء فما رجع من ذلك الدم قطرة و ما عرفت الحمرة في السماء حتّى رمى الحسين بدمه إلى السماء، ثمّ وضع يده ثانيا، فلمّا امتلأت لطخ بها رأسه و لحيته و قال: هكذا ألقى جدّي بدمي.
ثمّ ضعف عن القتال، فكلّما جاءه رجل و انتهى إليه انصرف عنه حتّى جاءه رجل من كندة يقال له مالك بن اليسر لعنه اللّه، فضربه بالسيف على رأسه و عليه برنس فامتلأ دما فطرحه و اعتمّ على القلنسوة و كان البرنس من خز فأخذه رجاء الكندي و دخل بعد الواقعة على امرأته فجعل يغسل الدم عنه فقالت له امرأته: تدخل بيتي بسلب ابن رسول اللّه، اخرج عنّي حشى اللّه قبرك نارا و يبست يداه حتّى صارتا كالعودين.
ثمّ إنّ شمر حمل على فسطاط الحسين فطعنه بالرمح ثمّ قال: عليّ بالنار أحرقه على من فيه، فقال له الحسين (عليه السّلام): أحرقك اللّه بالنار، فقال الحسين (عليه السّلام) لأهله: ابعثوا إليّ ثوبا خلقا اجعله تحت ثيابي لئلّا أجرّد، فأخذ ثوبا خلقا فخرقه و جعله تحت ثيابه، فلمّا قتل جرّدوه منه ثمّ استدعى بسراويل من حبره ففزرها و لبسها، فلمّا قتل سلبها بحر بن كعب و تركه مجرّدا، فكانت يدا بحر بعد ذلك يبسان في الصيف و ينضحان الماء في الشتاء إلى أن مات.
و لمّا أثخن بالجراح و بقي كالقنفذ طعنه صالح بن وهب المزني على خاصرته فسقط عن فرسه إلى الأرض على خدّه الأيمن و خرجت زينب من الفسطاط تنادي: وا أخاه وا سيّداه ليت السماء أطبقت على الأرض و ليت الجبال تدكدكت على السهل، و صاح شمر: ما تنتظرون بالرجل فحملوا عليه من كلّ جانب فضربه رجل ضربة بالسيف كبا منها لوجهه و طعنه سنان‏ في ترقوته و رما أيضا بسهم وقع في نحره فنزع (عليه السّلام) السهم من نحره و قرن كفّيه جميعا و كلّما امتلأتا من دمائه خضب بهما رأسه و لحيته يقول: هكذا ألقى اللّه مخضبا بدمي.
فقال ابن سعد لرجل: انزل إلى الحسين و أرحه، فبدر إليه خولي الأصبحي ليحتزّ رأسه فأرعد و نزل إليه سنان النخعي فضربه بالسيف على حلقه الشريف و هو يقول: و اللّه إنّي لأحتزّ رأسك و أعلم أنّك ابن رسول اللّه و خير الناس أبا و أمّا، ثمّ احتزّ رأسه المقدّس‏ .
و روي أنّ سنانا هذا أخذه المختار فقطع أنامله أنملة أنملة، ثمّ قطع يديه و رجليه و أغلى له قدرا فيها زيت و رماه فيها و هو يضطرب‏ .
و قيل: الذي قطع رأس الحسين هو الشمر لعنه اللّه، و قيل: بل جاء إليه شمر و سنان و الحسين (عليه السّلام) بآخر رمق يلوك لسانه من العطش و يطلب الماء فرفسه شمر برجله و قال: يابن أبي تراب ألست تزعم أنّ أباك على حوض النبيّ يسقي من أحبّه، فاصبر حتّى تأخذ الماء من يده فاحتزّ رأسه‏ .
و روي أنّ فرس الحسين (عليه السّلام) يحامي عنه و يثب على الفارس فيحبطه عن سرجه و يدوسه حتّى قتل أربعين رجلا، ثمّ نزع في دم الحسين و قصد نحو الخيمة و له صهيل عال و يضرب بيديه الأرض و في حين قتله ارتفعت في السماء غبرة شديدة و سواد مظلمة فيها ريح حمراء لا يرى فيها عين و لا أثر حتّى ظنّ القوم أنّ العذاب قد جاءهم، فلبثوا ساعة ثمّ انجلت عنهم‏ .
و عن هلال بن نافع قال: إنّي لواقف مع أصحاب ابن سعد إذ صرخ صارخ: ابشر أيّها الأمير فهذا شمر قد قتل الحسين، فخرجت بين الصفّين فوقفت عليه و أنّه ليجود بنفسه فو اللّه ما رأيت قتيلا مضمخا بدمه أحسن منه و لا أنور وجها و لقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله فاستسقى في تلك الحال ماء فقال له رجل: لا تذوق الماء حتّى ترد الحامية.
فقال: بل أرد على جدّي و أسكن معه في داره و أشرب من ماء غير آسن و أشكو إليه ما ارتكبتم منّي، فاحتزّوا رأسه و هو يكلّمهم فتعجّبت من قلّة رحمهم.
فقلت: و اللّه لا أجامعكم على أمر أبدا، ثمّ أقبلوا على سلب الحسين، فأخذ قميصه إسحاق الحضرمي فلبسه فصار أبرص، و أخذ سراويله بحر بن كعب ثمّ صار زمنا مقعدا، و أخذ عمامته خنس بن علقمة فاعتمّ بها فصار مجنونا مجذوما، و أخذ درعه مالك الكندي فصار معتوها، و أخذ نعليه الأسود بن خالد و أخذ خاتمه بجدل الكلبي فقطع اصبعه (عليه السّلام) مع الخاتم و هذا أخذه المختار فقطع يديه و رجليه و تشحّط بدمه حتّى مات و أخذ قطيفة له من خزّ قيس بن الأشعث، و أخذ درعه البتراء عمر بن سعد و أخذ سيفه جميع الأزدي و هذا السيف المنهوب ليس بذي الفقار، و أنّ ذلك كان مذخورا مع أمثاله من ذخائر النبوّة و الإمامة. و تسابق القوم على نهب بيوت آل الرسول حتّى جعلوا ينزعون ملحفة المرأة عن ظهرها .
و روى حميد بن مسلم قال: رأيت امرأة من بكر بن وائل كانت مع زوجها في أصحاب عمر بن سعد، فلمّا رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين فسطاطهنّ و هم يسلبونهنّ أخذت سيفا و أقبلت نحو الفسطاط و قالت: يا آل بكر بن وائل أتسلب بنات رسول اللّه لا حكم إلّا للّه يا ثارات رسول اللّه، فأخذها زوجها و ردّها إلى رحله ثمّ أخرجوا النساء من الخيمة و أشعلوا فيها النار فخرجن مسلبات حافيات باكيات يمشين سبايا في أسر الذلّة، و قلن: بحقّ اللّه الّا ما مررتم بنا على مصرع الحسين، و تنادى بصوت حزين: وا محمّداه هذا حسين مرمّل بالدّماء مقطّع الأعضاء و بناتك سبايا إلى اللّه المشتكى و إلى محمّد المصطفى و آل عليّ المرتضى، هذا حسين بالعراء يسفى عليه الصبا اليوم مات جدّي رسول اللّه يا حزناه يا كرباه يا أصحاب محمّد هؤلاء ذرّية المصطفى يساقون سوق السبايا و هذا حسين محزوز الرأس من القفا، بأبي من عسكره في يوم الاثنين نهبا بأبي من فسطاطه مقطع العرى بأبي من لا هو غائب فيرجى و لا جريح فيداوى بأبي المهموم حتّى قضا، بأبي العطشان حتّى مضى، بأبي من شيبته تقطر بالدماء، فأبكت كلّ عدوّ و صديق ثمّ إنّ سكينة اعتنقت جسد الحسين (عليه السّلام) فاجتمع عدّة من الأعراب حتّى جرّوها عنه.
و نادى ابن سعد: من يوطء ظهر الحسين بالخيل؟ فانتدب منهم عشرة و هم إسحاق و أخنس بن مرثد و حكيم بن طفيل و عمرو بن صبيح و رجاء العبدي و سالم بن خيثمة و صالح الجعفي و واخط بن ناغم و هاني الحضرمي و أسيد بن مالك، فداسوا الحسين بحوافر خيلهم حتّى رضوا ظهره و صدره.
قال أبو عمرو الزاهد: فنظرنا في هؤلاء العشرة فوجدناهم جميعا أولاد زنا و هؤلاء أخذهم المختار فشدّ أيديهم و أرجلهم بسكك الحديد و أوطأ الخيل ظهورهم حتّى هلكوا .
و روي أنّهم لمّا دخلوا خيمة النساء أخذوا ما كان فيها حتّى أفضوا إلى قرط كان في اذني امّ كلثوم اخت الحسين (عليه السّلام) فأخذوه و خرموا اذنها و قالت فاطمة الصغرى: كنت واقفة بباب الخيمة و أنا أنظر إلى أبي و أصحابه كالأضاحي على الرّمال، و أنا أفكّر فيما يكون إليه أمرنا بعد أبي، فإذا براكب يسوق النساء بكعب رمحه و قد أخذ ما عليهن من أخمرة و أسورة و هن يصحن: وا جدّاه وا أبتاه وا عليّاه وا قلّة ناصرتاه أما من مجير يجيرنا، فضربني بكعب الرمح فسقطت على وجهي فخرم أذني و أخذ قرطي و مقنعتي و ترك الدماء تسيل على خدّي و إذا بعمّتي تبكي و تقول: قومي نمضي ما أعلم ما جرى على البنات و أخيك العليل، فقلت:
يا عمّتاه هل من خرقة أستر بها رأسي عن أعين النظّارة؟
فقالت: و عمّتك مثلك فرأيت رأسها مكشوفا و ظهرها أسود من الضرب فما رجعت إلى الخيمة إلّا و هي قد نهبت و ما فيها و أخي عليّ بن الحسين مكبوب على وجهه لا يطيق الجلوس من كثرة الجوع و العطش و الأسقام، فجعلنا نبكي عليه و يبكي علينا. و جاء عمر بن سعد فسألته النسوة أن يسترجع ما أخذ منهنّ ليسترن به فقال: من أخذ من متاعهم فليردّه فو اللّه ما ردّ أحد منهم شيئا، ثمّ إنّ ابن سعد سرح برأس الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء مع خولي بن يزيد الأصبحي و حميد بن مسلم إلى ابن زياد ثمّ أمر برؤوس الباقين من أهل بيته و أصحابه فقطعت و سرح بها مع شمر إلى الكوفة و أقام يومه ذلك، فجمع قتلاه و صلّى عليهم و دفنهم و ترك الحسين و أصحابه على التراب.
فلمّا ارتحلوا إلى الكوفة عمد أهل الغاضرية من بني أسد فصلّوا عليهم و دفنوهم و كانوا يجدون لأكثرهم قبورا و يرون طيورا بيضاء، و كانت رؤوسهم ثمانية و سبعين رأسا و اقتسمتها القبائل ليقربوا بها إلى يزيد و ابن زياد، فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا و صاحبهم قيس بن الأشعث، و جاءت هوازن باثنى عشر رأسا و صاحبهم شمر لعنه اللّه و جاءت تميم بسبعة عشر رأسا و جاءت بنو أسد بستّة عشر رأسا، و صاحبهم مدحج بسبعة رؤوس، و جاءت سائر الناس بثلاثة رؤوس‏ .
و عن محمّد بن عليّ الباقر (عليه السّلام) قال: قتل مع الحسين (عليه السّلام) سبعة عشر إنسانا كلّهم ارتكض في بطن فاطمة يعني بنت أسد أمّ عليّ (عليه السّلام)‏ .
و روى الشيخ في المصباح عن عبد اللّه بن سنان قال: دخلت على الصادق (عليه السّلام) يوم عاشوراء فلقيته حزينا باكيا فسألته فقال: هذا اليوم الذي أصيب فيه الحسين فقلت: ما تقول في صومه؟
فقال: صمه من غير تبييت و أفطره من غير تشميت و لا تجعله يوم صوم كملا وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فإنّه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلّت الهيجاء عن آل رسول اللّه و في الأرض منهم ثلاثون صريعا في مواليهم يعزّ على رسول اللّه مصرعهم، و لو كان في الدّنيا حيّا لكان هو المعزّى بهم.
ثمّ قال: لمّا خلق اللّه النور خلقه يوم الجمعة أوّل يوم من شهر رمضان و خلق الظلمة يوم الأربعاء يوم عاشوراء .
و عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: قال الحسين (عليه السّلام) لأصحابه قبل أن يقتل: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله) قال لي: يا بني إنّك ستساق إلى العراق و تستشهد بها و معك جماعة لا يجدون ألم مسّ الحديد و تلى: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏، يكون الحرب بردا و سلاما عليك و عليهم، فابشروا فو اللّه لئن قتلونا فإنّا نرد على نبيّنا ثمّ أمكث ما شاء اللّه فأكون أوّل من تنشقّ الأرض عنه فأخرج خرجة توافق خرجة أمير المؤمنين و قيام قائمنا و حياة رسول‏ اللّه (صلّى اللّه عليه و اله) و لينزلن محمّد و عليّ و جميع من منّ اللّه علينا على جمال من نور لم يركبها مخلوق و لينزلنّ إلى جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل و جنود من الملائكة ثمّ ليدفعن محمّد (صلّى اللّه عليه و اله) لواءه و سيفه إلى قائمنا ثمّ نمكث ما شاء اللّه ثمّ تخرج من مسجد الكوفة عينا من دهن و عينا من ماء و عينا من لبن ثمّ يدفع أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلي سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله) و يبعثني إلى المشرق و المغرب، فلا أتى عدوّ للّه إلّا أهرقت دمه و لا صنما إلّا أحرقته حتّى أفتح الهند و إنّ دانيال و يوشع يخرجان إلى أمير المؤمنين و يبعث معهما إلى البصرة سبعين رجلا فيقتلون مقاتليهم و يبعث بعثا إلى الروم فيفتح اللّه لهم، ثمّ لأقتلنّ كلّ دابّة حرّم اللّه لحمها حتّى لا يكون على وجه الأرض إلّا الطيب و أخير اليهود و النصارى و أهل الملل بين الإسلام و السيف، و لا يبقى أحد من شيعتنا إلّا بعث اللّه إليه ملكا يمسح عن وجهه التراب و يعرّفه أزواجه و منزلته في الجنّة و لا يبقى على وجه الأرض أعمى و لا مقعد و لا مبتلى إلّا كشف اللّه عنه بنا أهل البيت و لتأكلن ثمرة الشتاء في الصيف و ثمرة الصيف في الشتاء، ثمّ إنّ اللّه ليهب لشيعتنا كرامة لا يخفى عليهم شي‏ء في الأرض و ما كان فيها حتّى أنّ الرجل يريد أن يعلم علمه أهل بيته فيخبرهم بعلم ما يعلمون‏ .
و في كتاب الأمالي عن فاطمة بنت الحسين (عليه السّلام) قالت: دخلت العامّة علينا و أنا جارية صغيرة و في رجلي خلخالان من ذهب، فجعل رجل يفضّ الخلخالين من رجلي و هو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا عدوّ اللّه؟
فقال: كيف لا أبكي و أنا أسلب بنت رسول اللّه، قلت: فلا تسلبني.
قال: أخاف أن يجي‏ء غيري فيسلبه، و انتهبوا ما في الأبنية حتّى كانوا ينزعون الملاحف عن ظهورنا.
و عن محمّد بن عليّ (عليهما السّلام) قال: لمّا همّ الحسين (عليه السّلام) بالخروج من المدينة اجتمعت نساء بني عبد المطّلب للنياحة فمنعهنّ الحسين (عليه السّلام) فقلن له: فلمن نستبقي النياحة و البكاء، فهو عندنا كيوم مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله) و علي و فاطمة، و قالت له بعض عمّاته: يا حسين سمعت الجنّ ناحت لنوحك شعر:
إنّ قتيل الطفّ من آل هاشم‏ أذلّ رقابا من قريش فذلّت‏
و روي عن عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) قال: خرجنا مع الحسين (عليه السّلام) فما نزل منزلا و لا ارتحل منه إلّا ذكر يحيى بن زكريا و قتله و قال يوما: و من هوان الدّنيا على اللّه عزّ و جلّ أنّ رأس يحيى بن زكريا اهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل‏ .
شهادة ولدي مسلم بن عقيل رضي اللّه عنهما
و في كتاب الأمالي: مسندا إلى أبي محمّد شيخ لأهل الكوفة في شهادة ولدي مسلم الصغيرين قال: لمّا قتل الحسين بن علي أسر من عسكره غلامان صغيران فأتي بهما عبيد اللّه بن زياد فدعا سجّانا له و قال: خذ هذين الغلامين و لا تطعمهما من طيب الطعام و لا تسقهما من الماء البارد و ضيّق عليهما في السجن، و كان الغلامان يصومان النهار فإذا جنّهما الليل أتي لهما بقرصين من شعير و كوز ماء فصارا في الحبس طول السنة، فقال أحدهما للآخر: يا أخي يوشك أن تفنى أعمارنا في السجن و تبلى أبداننا فإذا جاء الشيخ فاعلمه بحالنا لعلّه يوسّع علينا في طعامنا، فأقبل الشيخ بقرصين من شعير، فقال له الغلام الصغير: يا شيخ أتعرف محمّدا؟
قال: هو نبيّي كيف لا أعرفه، قالوا: أتعرف عليّ بن أبي طالب؟
قال: هو ابن عمّ النبيّ.
قال له: يا شيخ نحن من عترة النبيّ من ولد مسلم بن عقيل و قد ضيّقت علينا السجن فانكبّ الشيخ يقبّل أقدامهما و يقول: نفسي لنفسكما الفداء هذا باب السجن مفتوح فخذا أيّ طريق شئتما.
المصدر: http://h-najaf.iq

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق