إعرف عدوكالاسرة و المجتمعالتاريخ الإسلاميزاد عاشوراءسادة القافلةسيرة أهل البيت (ع)مقالاتمناسباتمنوعات

حوادث ليلة عاشوراء

عن علي بن الحسين (عليه السّلام) قال: جمع الحسين أصحابه بعد ما رجع عمر بن سعد و ذلك عنه قرب المساء، فدنوت منه لأسمع و أنا مريض، فسمعت أبي يقول لأصحابه:
اتني على اللّه- تبارك و تعالى- أحسن الثناء، و أحمده على السرّاء و الضرّاء، اللهمّ اني أحمدك على أن اكرمتنا بالنبوّة، و علّمتنا القرآن و فقّهتنا في الدين، و جعلت لنا أسماعا و أبصارا و أفئدة، و لم تجعلنا من المشركين.
أما بعد؛ فاني لا أعلم أصحابا أولى و لا خيرا من أصحابي، و لا أهل بيت أبرّ و لا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم اللّه عني جميعا خيرا.
ألا و إنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غدا، ألا و اني قد رأيت لكم فانطلقوا جميعا في حل، ليس عليكم منّي ذمام، هذا ليل قد غشيكم فاتخذوه جملا
ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، و تفرّقوا في سوادكم و مدائنكم حتى يفرّج اللّه، فان القوم انما يطلبوني، و لو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري.
ف بدأ القول العبّاس بن علي (عليه السلام) فقال له:
لم نفعل ذلك‏؟ لنبقى بعدك؟! لا أرانا اللّه ذلك أبدا!
ثم إنّ اخوته و أبناء الحسين عليه السّلام‏ و بنى أخيه الحسن عليه السّلام‏ و ابنى عبد اللّه بن جعفر محمد و عبد اللّه‏ تكلموا بهذا و نحوه.
فقال الحسين عليه السّلام: يا بني عقيل: حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا، قد أذنت لكم!
قالوا: فما يقول الناس! يقولون إنّا تركنا شيخنا و سيّدنا و بني عمومتنا خير الأعمام، و لم نرم معهم بسهم، و لم نطعن معهم برمح، و لم نضرب معهم بسيف، و لا ندري ما صنعوا! لا و اللّه لا نفعل، و لكن تفديك أنفسنا و أموالنا و أهلونا، و نقاتل معك حتى نرد موردك! فقبّح اللّه العيش
و قام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي‏ فقال:
أ نحن نخلّي عنك و لمّا نعذر الى اللّه في أداء حقّك! أما و اللّه حتى اكسر في صدورهم رمحي، و أضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، و لا افارقك، و لو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى اموت معك!
و قال سعيد بن عبد اللّه الحنفي: و اللّه لا نخلّيك حتى يعلم اللّه أنا حفظنا غيبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله‏ و سلّم فيك، و اللّه لو علمت اني اقتل ثم احيا ثم احرق حيّا ثم أذرى، يفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا افعل ذلك و إنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها ابدا.
و قال زهير بن القين: و اللّه لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت، حتى اقتل كذا ألف قتله، و أن اللّه يدفع بذلك القتل عن نفسك و عن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك!
و تكلّم جماعة أصحابه فقالوا: و اللّه لا نفارقك، و لكن أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا و جباهنا و أيدينا، فاذا نحن قتلنا كنا وفينا و قضينا ما علينا.
و تكلّم جماعة أصحابه في وجه واحد بكلام يشبه بعضه بعضا .
عن علي بن الحسين بن علي (عليه السّلام) قال: إني جالس في تلك العشيّة التي قتل أبي صبيحتها، و عمّتي زينب عندي تمرّضني، اذ اعتزل أبي بأصحابه في خباء له، و عنده حوىّ‏ مولى أبي ذرّ الغفاريّ، و هو يعالج سيفه و يصلحه، و أبي يقول:
يا دهر افّ لك من خليل‏ كم لك بالإشراق و الاصيل‏
من صاحب أو طالب قتيل‏ و الدّهر لا يقنع بالبديل‏
و إنما الأمر الى الجليل‏ و كلّ حيّ سالك سبيلي‏
فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها فعرفت ما أراد، فخنقتني عبرتي، فرددت دمعي و لزمت السكون، فعلمت أن البلاء قد نزل.
فأمّا عمّتي فانها سمعت ما سمعت- و هي امرأة، و في النساء الرقة و الجزع- فلم تملك نفسها أن و ثبت تجرّ ثوبها- و انها لحاسرة- حتى انتهت إليه، فقالت:
وا ثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة! اليوم ماتت فاطمة امّي، و عليّ أبي، و حسن أخي، يا خليفة الماضي و ثمال الباقي!
فنظر إليها الحسين عليه السّلام فقال: يا اخيّة! لا يذهبن بحلمك الشيطان!
قالت: بأبي أنت و امّي يا أبا عبد اللّه! أ ستقتل؟ نفسي فداك.
فردّ غصّته و ترقرقت عيناه و قال: لو ترك القطا ليلا لنام!
قالت: يا ويلتى! أ فتغصب نفسك اغتصابا؟! فذلك أقرح لقلبي و أشدّ على نفسي! و لطمت وجهها، و أهوت الى جيبها و شقّته و خرّت مغشيا عليها!
فقام إليها الحسين (عليه السلام) فصبّ على وجهها الماء و قال لها: يا اخيّة: اتقي اللّه و تعزّي بعزاء اللّه، و اعلمي أن أهل الارض يموتون، و أنّ أهل السماء لا يبقون، و أنّ كل شي‏ء هالك إلا وجه اللّه الذي خلق الأرض بقدرته، و يبعث الخلق فيعودون، و هو فرد وحده، أبي خير منّي، و امّي خير منّي، و أخي خير منّي، ولي و لهم و لكلّ مسلم برسول اللّه اسوة.
فعزّاها بهذا و نحوه و قال لها: يا اخيّة! انّي اقسم عليك فأبرّي قسمي: لا تشقّي عليّ جيبا و لا تخمشي عليّ وجها، و لا تدعي عليّ بالويل و الثبور اذا انا هلكت!
ثم جاء بها حتى اجلسها عندي.
و خرج الى اصحابه فأمرهم ان يقرّبوا بعض بيوتهم من بعض، و أن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض، و أن يكونوا هم بين البيوت إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوّهم‏ .
و اتي الحسين عليه السّلام‏ بقصب و حطب الى مكان من ورائهم منخفض كأنه ساقية، فحفروه في ساعة من الليل فجعلوه كالخندق، ثم ألقوا فيه ذلك الحطب و القصب و قالوا: اذا عدوا علينا فقاتلونا ألقينا فيه النار، كي لا نؤتى من ورائنا و قاتلنا القوم من وجه واحد .
و لمّا امسى حسين و أصحابه قاموا الليل كلّه يصلّون و يستغفرون، و يدعون و يتضرّعون.
قال الضحّاك بن عبد اللّه المشرقي الهمداني و هو الذي نجا من أصحاب الحسين عليه السّلام‏:
فمرّت‏ بنا خيل لهم تحرسنا و انّ حسينا (عليه السلام) يقرأ: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 178، 179] فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرسنا فقال: نحن و ربّ الكعبة الطيّبون ميّزنا منكم! فعرفته، فقلت لبرير بن حضير الهمداني‏ : تدري من هذا؟ قال: لا، قلت: هذا أبو حرب السّبيعي‏ الهمداني‏ عبد اللّه بن شهر، و كان مضحاكا بطّالا، و كان شريفا شجاعا فاتكا، و كان سعيد بن قيس‏ ربما حبسه في جناية!
فقال له برير بن حضير: يا فاسق! أنت يجعلك اللّه في الطيّبين؟!
فقال له ابو حرب‏: من أنت؟
قال: أنا برير بن حضير.
قال ابو حرب‏: انّا للّه: عزّ عليّ، هلكت و اللّه، هلكت و اللّه يا برير!
قال برير: يا أبا حرب! هل لك أن تتوب الى اللّه من ذنوبك العظام! فو اللّه إنّا لنحن الطيّبون، و لكنكم لأنتم الخبيثون!
قال ابو حرب مستهزأ: و أنا على ذلك من الشاهدين!
قلت له‏: و يحك! أ فلا ينفعك معرفتك!
قال ابو حرب‏: جعلت فداك، فمن ينادم يزيد بن عذرة العنزي و ها هو ذا معي.
قال برير: قبّح اللّه رأيك، على كلّ حال أنت سفيه!
ف انصرف عنّا .
فلما كان يوم عاشوراء- يوم السّبت- صلّى عمر بن سعد صلاة الغداة و خرج فيمن معه من الناس‏
و كان على ربع أهل المدينة يومئذ: عبد اللّه بن زهير الأزدي‏ و على ربع مذحج و أسد: عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي‏ ، و على ربع ربيعة و كندة: قيس بن الأشعث بن قيس الكندي‏، و على ربع تميم و همدان: الحرّ بن يزيد الرّياحي التميمي اليربوعي‏.
و جعل عمر على ميمنته: عمرو بن الحجاج الزّبيديّ، و على ميسرته شمر بن ذي الجوشن الضبّاب ي‏ الكلاب ي‏ و على الخيل: عزرة بن قيس الاحمسيّ، و على الرّجال: شبث بن ربعيّ الرّياحي التميمي‏، و أعطى الراية ذو يدا مولاه‏ .
و لما صبّحت الخيل الحسين (عليه السلام) رفع الحسين يديه فقال: اللهمّ أنت ثقتي في كل كرب، و رجائي في كل شدّة، و أنت لي في كل أمر نزل بي ثقة و عدّة، كم من همّ يضعّف فيه الفؤاد و تقلّ فيه الحيلة، و يخذل فيه الصديق و يشمت فيه العدوّ، انزلته بك و شكوته إليك، رغبة منّي عمّن سواك، ففرّجته و كشفته، فانت وليّ كل نعمة، و صاحب كل حسنة و منتهى كل رغبة و قال الضحّاك بن عبد اللّه المشرقي الهمداني، و هو الذي نجا من أصحاب الحسين (عليه السّلام) : لما اقبلوا نحونا فنظروا الى النار تضطرم في الحطب و القصب الذي كنا الهبنا فيه النار من ورائنا لئلا يأتونا من خلفنا، إذ أقبل إلينا منهم رجل يركض فرسه و هو كامل الأداة، فلم يكلّمنا حتى مرّ على أبياتنا، فنظر الى أبياتنا فاذا هو لا يرى إلا حطبا تلتهب النار فيه، فرجع و نادى بأعلى صوته.
يا حسين! استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة!
فقال الحسين (عليه السلام): من هذا؟ كأنّه شمر بن ذي الجوشن؟!
فقالوا: نعم أصلحك اللّه، هو هو.
فقال: يا ابن راعية المعزى! أنت أولى بها صليّا!
فقال له مسلم بن عوسجة: يا ابن رسول اللّه جعلت فداك أ لا أرميه بسهم، فانه قد امكننى، و ليس يسقط سهم منى‏ فالفاسق من أعظم الجبّارين!
فقال له الحسين (عليه السلام): لا ترمه، فاني اكره أن أبدأهم‏ .
و لما دنا منه القوم دعا براحلته فركبها، ثم نادى بأعلى صوته يسمع جلّ الناس:
أيّها الناس! اسمعوا قولي، و لا تعجلوني حتى أعظكم بما ي حقّ لكم عليّ، و حتى اعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فان قبلتم عذري و صدّقتم قولي، و اعطيتموني النصف، كنتم بذلك أسعد، و لم يكن لكم عليّ سبيل، و ان لم تقبلوا مني العذر، و لم تعطوا النّصف من أنفسكم‏ {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71] {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196].
فلمّا سمع أخواته كلامه هذا صحن و بكين، و بكى بناته و ارتفعت أصواتهن، فأرسل إليهن أخاه العباس بن علي و عليّا ابنه و قال لهما: سكّتاهن فلعمري ليكثرن بكاؤهن.
فلما سكتن، حمد اللّه و اثنى عليه و ذكر اللّه بما هو أهله، و صلّى على محمّد صلّى اللّه عليه و آله‏ و على ملائكته و أنبيائه قال الراوي‏: فو اللّه ما سمعت متكلّما قط قبله و لا بعده أبلغ في منطق منه. ثم قال:
أمّا بعد: فانسبوني فانظروا من أنا؟! ثم ارجعوا الى أنفسكم و عاتبوها، فانظروا هل يحلّ لكم قتلي و انتهاك حرمتي؟! أ لست ابن بنت نبيكم صلّى اللّه عليه و آله‏ و سلّم، و ابن وصيّه و ابن عمّه، و أول المؤمنين باللّه و المصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه، أو ليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبي؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عمّي؟!
أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لي و لأخي:هذان سيّدا شباب أهل الجنّة؟!
فان صدّقتموني بما أقول، و هو الحق، فو اللّه ما تعمّدت كذبا مذ علمت أن اللّه يمقت عليه أهله، و يضرّ به من اختلقه …
و ان كذّبتموني فانّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد اللّه الأنصاري‏ .
أو أبا سعيد الخدري‏ .
أو سهل بن سعد الساعدي‏ .
أو زيد بن ارقم‏ .
أو أنس بن مالك‏ .
يخبروكم: أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله‏ و سلّم لي و لأخي، أ فما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟!
فقال له شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد اللّه على حرف ان كان يدري ما يقول! .
فقال حبيب بن مظاهر: و اللّه اني لأراك تعبد اللّه على سبعين حرفا، و أنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع اللّه على قلبك.
ثم قال لهم الحسين (عليه السلام): فان كنتم في شك من هذا القول، أ فتشكون أثرا بعد؟ أما انّي ابن بنت نبيّكم؟ فو اللّه ما بين المشرق و المغرب ابن بنت نبيّ غيري منكم و لا من غيركم، انا ابن بنت نبيّكم خاصة.
أخبروني، أ تطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟ فأخذوا لا يكلّمونه …
فنادى: يا شبث بن ربعي، و يا حجّار بن أبجر، و يا قيس بن الاشعث و يا يزيد بن الحارث، أ لم تكتبوا إليّ: أن قد اينعت الثمار و اخضرّ الجناب، و طمّت الجمام‏ و انما تقدم على جند لك محنّد، فاقبل؟!
فقال: سبحان اللّه! بلى و اللّه لقد فعلتم. ثم قال: أيها الناس! اذ كرهتموني فدعوني انصرف عنكم الى مأمني من الارض!
فقال له قيس بين الاشعث: أو لا تنزل على حكم بني عمّك! فانهم لن يروك إلا ما تحب، و لن يصل إليك منهم مكروه!
فقال الحسين (عليه السلام): أنت أخو أخيك محمد بن الاشعث‏ أ تريد ان يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟! لا و اللّه لا اعطيهم بيدى اعطاء الذليل، و لا اقرّ اقرار العبيد! .
عباد اللّه‏ {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] { إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27] .
ثم رجع ف أناخ راحلته، و أمر عاقبة بن سمعان فعقلها .
ثم‏ خرج زهير بن القين على فرس ذنوب‏ شاك في السلاح، فقال: يا اهل الكوفة! نذار لكم من عذاب اللّه نذار! انّ حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم، و نحن حتى الآن اخوة و على دين واحد و ملة واحدة ما لم يقع بيننا و بينكم السيف، و انتم للنصيحة منّا أهل، فاذا وقع السيف انقطعت العصمة و كنّا أمّة و أنتم أمّة.
إن اللّه قد ابتلانا و اياكم بذرية نبيه محمّد صلّى اللّه عليه و آله‏ و سلّم لينظر ما نحن و أنتم عاملون، انّا ندعوكم الى نصرهم و خذلان الطاغية عبيد اللّه بن زياد، فانكم لا تدركون منهما إلا بسوء عمر سلطانهما كلّه، ليسملان اعينكم، و يقطّعان ايديكم و ارجلكم، و يمثّلان بكم، و يرفعانكم على جذوع النخل، و يقتلان أماثلكم و قرّاءكم: أمثال حجر بن عديّ‏ و اصحابه، و هانئ بن عروة و اشباهه.
فسبّوه و أثنوا على عبيد اللّه بن زياد و دعوا له و قالوا: و اللّه لا نبرح حتى نقتل صاحبك و من معه، أو نبعث به و بأصحابه الى الامير عبيد اللّه سلما!
فقال لهم: عباد اللّه، إنّ ولد فاطمة رضوان اللّه عليها أحق بالودّ و النصر من ابن سميّة فان لم تنصروهم فاعيذكم باللّه أن تقتلوهم، فخلّوا بين الرجل‏ .
و كان يزيد بن مفرّغ الحميري مع عبّاد بن زياد أخي عبيد اللّه في حروب سجستان فأصابهم ضيق فهجا ابن المفرّغ عبّادا فقال:
إذا اودى معاوية بن حرب‏ فبشر سعب قعبك بانصداع‏
فاشهد ان امّك لم تباشر أبا سفيان واضعة القناع‏
و لكن كان أمرا فيه لبس‏ على وجل شديد و ارتياع‏
و قال:
ألا أبلغ معاوية بن حرب‏ مغلغلة من الرجل اليمانى‏
أ تغضب أن يقال: أبوك عفّ‏ و ترضى ان يقال: ابوك زانى‏
فاشهد أن رحمك من زياد كرحم الفيل من ولد الأتان‏
و قدم رجل من آل زياد يقال له: الصغدي بن سلم بن حرب، على المهدي العباسي و هو ينظر المظالم، فقال له: من أنت؟ قال: ابن عمّك! قال: ايّ ابن عمّي أنت؟! فانتسب الى زياد! فقال له المهديّ: يا ابن سميّة الزانية! متى كنت ابن عمّي؟! و أمر به فوجئ عنقه و اخرج.
ثم التفت المهدي الى من حضر فقال: من عنده علم من آل زياد؟ فلم يكن عند احد منهم شي‏ء، فلحق منهم رجل يدعى عيسى بن موسى أو موسى بن عيسى بأبي علي سليمان، فسأله أن يكتب له كل ما يحدّث به في زياد و آل زياد، حتى يذهب به الى المهدي، فكتبه و بعث به إليه.
و كان هارون الرشيد اذ ذاك والي البصرة من قبل المهدي، فأمر المهدي بالكتاب الى هارون الرشيد يأمره أن يخرج آل زياد من ديوان قريش و العرب، فكان فيما كتب أنه قال:
و قد كان من رأي معاوية بن ابي سفيان في استلحاقه زياد بن عبيد- عبد آل علاج من ثقيف- و ادعائه ما أباه- بعد معاوية- عامة المسلمين و كثير منهم في زمانه، لعلمهم بزياد و أبي زياد و امّه، من أهل الرضا و الفضل و الورع و العلم.
و بين ابن عمّه يزيد بن معاوية، فلعمري إن يزيد ليرضي من طاعتكم بدون قتل الحسين (عليه السلام).
فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم و قال: أسكت، اسكت اللّه نأمتك‏ أبرمتنا بكثرة كلامك!
فقال له زهير: يا ابن البوّال على عقبيه ما ايّاك اخاطب، إنما أنت بهيمة! و اللّه ما اظنّك تحكم من كتاب اللّه آيتين! فابشر بالخزي يوم القيامة و العذاب الأليم!
فقال له شمر: ان اللّه قاتلك و صاحبك عن ساعة!
قال: أ فبالموت تخوّفني! فو اللّه للموت معه احبّ إليّ من الخلد معكم!
ثم أقبل على الناس رافعا صوته فقال:
عباد اللّه! لا يغرنّكم من دينكم هذا الجلف الجافي و اشباهه، فو اللّه لا تنال شفاعة محمّد صلّى اللّه عليه و آله‏ و سلّم قوما هراقوا دماء ذريّته و أهل بيته، و قتلوا من نصرهم و ذبّ عن حريمهم!
فناداه رجل فقال له: إنّ أبا عبد اللّه يقول لك: أقبل، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون‏ نصح لقومه و أبلغ في الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء و ابلغت، لو نفع النصح و الإبلاغ!
توبة الحرّ الرّياحي‏
و لما زحف عمر بن سعد قال له الحرّ بن يزيد: أصلحك اللّه! مقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: اي و اللّه قتالا أيسره ان تسقط الرءوس و تطيح الأيدي!
قال: أ فما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضا؟
قال عمر بن سعد: أما و اللّه لو كان الامر إليّ لفعلت، و لكن أميرك قد أبى ذلك!
فأقبل الحرّ حتى وقف من الناس موقفا، و معه رجل من قومه يقال له:
قرّة بن قيس‏ فقال: يا قرة! هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا، قال: انما تريد ان تسقيه؟
قال (قرّة): فظننت- و اللّه- أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال، و كره أن أراه حين يصنع ذلك فيخاف أن ارفعه عليه، فقلت له: لم اسقه و أنا منطلق فساقيه. فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه، فو اللّه لو أنه أطلعني على الذي يريد لخرجت معه الى الحسين (عليه السلام).
و أما الحرّ فانه‏ أخذ يدنو من حسين (عليه السلام) قليلا قليلا، فقال له رجل من قومه يقال له: المهاجر بن أوس‏ : ما تريد يا ابن يزيد؟ أ تريد ان تحمل؟ فسكت و اخذه مثل العرواء فقال له: يا ابن يزيد؟ و اللّه إنّ أمرك لمريب، و اللّه ما رأيت منك في موقف قط مثل شي‏ء أراه الآن، و لو قيل لي: من أشجع أهل الكوفة رجلا ما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك!؟
قال: إني- و اللّه- اخيّر نفسي بين الجنّة و النار، و و اللّه لا أختار على الجنّة شيئا و لو قطّعت و حرّقت!
ثم ضرب فرسه فلحق بحسين (عليه السلام) فقال له:
جعلني اللّه فداك يا ابن رسول اللّه! أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع و سايرتك في الطريق، و جعجعت بك في هذا المكان، و اللّه الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبدا، و لا يبلغون منك هذه المنزلة فقلت في نفسي: لا ابالي ان اطيع القوم في بعض أمرهم، و لا يرون أنّي خرجت من طاعتهم، و أمّاهم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم، و و اللّه لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك، و انّي قد جئتك تائبا مما كان مني الى ربّي و مواسيا لك بنفسي حتى أموت بين يديك، أ فترى‏ ذلك لي توبة؟!
قال الامام عليه السّلام‏: نعم، يتوب اللّه عليك، و يغفر لك، ما اسمك؟
قال: أنا الحرّ بن يزيد
قال: أنت الحرّ كما سمّتك امّك، أنت الحرّ إن شاء اللّه في الدنيا و الآخرة.
– انزل.
قال: أنا لك فارسا خير مني لك راجلا، اقاتلهم على فرسي ساعة و الى النزول ما يصير آخر أمري!
قال الحسين (عليه السلام): فاصنع ما بدا لك.
فاستقدم أمام أصحابه ثم قال: أيها القوم! أ لا تقبلون من حسين خصلة من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم اللّه من حربه و قتاله؟
قالوا: هذا الامير عمر بن سعد فكلّمه.
فكلّمه بمثل ما كلّمه به قبل، و بمثل ما كلّم به أصحابه.
قال عمر بن سعد: قد حرصت، لو وجدت الى ذلك سبيلا فعلت.
فقال: يا أهل الكوفة! لامكم الهبل و العبر ، إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه! و زعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه! أمسكتم بنفسه و أخذتم بكظمه، و أحطتم به من كل جانب، فمنعتموه التوجّه في بلاد اللّه العريضة حتى يأمن و يأمن أهل بيته، و أصبح في أيديكم كالأسير، لا يملك لنفسه نفعا و لا يدفع ضرّا، و حلأتموه و نساءه و صبيته و أصحابه عن ماء الفرات الجاري، الذي يشربه اليهوديّ و المجوسيّ و النصراني، و تمرّغ فيه خنازير السواد و كلابه، و ها هم اولاء قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمدا في ذريّته! لا سقاكم اللّه يوم الظّمأ ان لم تتوبوا و تنزعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه‏ .
فحملت عليه رجّالة لهم ترميه بالنّبل، فأقبل حتى وقف أمام الحسين (عليه السلام)
و كان يزيد بن زياد بن المهاصر ممن خرج مع عمر بن سعد الى الحسين، فلما ردّوا الشروط على الحسين (عليه السلام) مال إليه‏ فهو ممن اهتدى يوم عاشوراء بخطبة الحرّ الرياحى‏.

المصدر: http://h-najaf.iq

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق