مدونات

إمامُ الزيديَّة يروي عن علماء الإماميَّة (من أدلَّة الثِّقة المُتبادَلَة بين عُلماء الطَّائفتين)

بسم الله الرحمن الرحيم

ـ الحلقةُ الثانية عشرة ـ

بقلم الرَّاجي عفوَ ربِّه: زكريَّا بركات

تحدَّثنا في مقالاتٍ سابقة عن أسُس التقارُب ومُبرِّرات الوحدة بين الزيديَّة والإماميَّة، وأشرنا إلى أنَّ من تلك الأسُس والمبرِّرات: روايةَ أئمَّة الزيديَّة عن عُلماء الإماميَّة، ممَّا يكشف عن وجود التواصُل والثِّقة بين الطَّرَفين.. وأريد في هذه الحلقات أن أضرب أمثلةً لذلك من أسانيد روايات كتاب تيسير المطالب في أمالي أبي طالب، وهو من أهمِّ مصادر الزيديَّة في الحديث، وهو لإمام الزيديَّة: أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني (ت 424 هـ) ، الملقَّب بـ (الإمام النَّاطق بالحقِّ) . فقد روى الإمامُ أبو طالبٍ الهارونيِّ في أماليه مجموعة من الأحاديث عن جماعة من علماء الإماميَّة، وقد استخرتُ الله في استخراج أسماء علماء الإماميَّة الذين اعتمد عليهم الإمام أبو طالب الهاروني في روايات كتابه الأمالي.. وهذه هي الحلقة الثانية عشرة والَّتي نتناول فيها رواية الإمام أبي طالب الهاروني عن الفقيه المحدِّث الإماميِّ الاثناعشريِّ الثقة الجليل: زرار بن أعين الشيباني رضي الله عنه.

فقد تتبَّعتُ روايات الإمام أبي طالب الهارونيِّ فوجدته روى عن زرار بن أعين في موضع واحد من كتاب الأمالي.

وقد كان (زرارة بن أعين) ، وقيل أن اسمه عبد ربه، وأنَّ زرارة لقب له، المتوفى سنة 150 هـ ، من أجلَّاء فُقهاء الإماميَّة الاثناعشريَّة وثقاتِ محدِّثيهم ومُصنِّفيهم، وجهاً مقدَّماً كبيرَ الشأن عظيم المحلِّ بين الإماميَّة، روى عن الباقر والصادق (ع) . ترجم له النجاشي في رجاله (ص175) برقم 463 ، فقال: شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدِّمهم، وكان قارئاً فقيهاً متكلِّماً شاعراً أديباً، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين، صادقاً فيما يرويه. انتهى. ومثله في الخلاصة للعلامة الحلي (ص76) برقم 2 . وفي رجال ابن داود، برقم619 : كان أصدق أهل زمانه وأفضلهم. انتهى.

وحكى الكشي في رجاله (ص238) أنَّ زرارة ممَّن أجمعت الإماميَّة على تصديقهم والانقياد لهم بالفقه، وأنَّ زرارة أفقههم.

ومواضع روايات (زرار بن أعين) في الكتب الأربعة عند الإماميَّة تتجاوز 2700 موضعاً، وفي غيرها أكثر من 1200 موضعاً.

وبمتابعة كتُب الإماميَّة الاثناعشريَّة نجد أنَّهم رووا كثيراً من نصوص الإمامة عن زرار بن أعين، فقد رووا عنه في الخصال 2 : 480 برقم 49 ، بسند معتبر عن الباقر (ع) أنَّ الأئمَّة الاثني عشر محدَّثون. رووا عنه في الكافي 1 : 348 برقم 5 ، بسند صحيح عن الباقر (ع) أنَّ الإمامة والوصيَّة في عقِب الحسين (ع) . ورووا عنه في كمال الدين 2 : 350 برقم 44 ، بسند صحيح عن الصادق (ع) الإخبار بوقوع الغيبة.. وغير ذلك ممَّا يصعب حصرُه، ويُطيل المقالَ ذِكرُه.

إنَّ النَّظر بإنصاف إلى رواية أئمَّة الزيديَّة عن علماء الإماميَّة وفقهائهم، ممَّا يحمل البصير على القول بثقة أئمَّة الزيديَّة بعلماء الإماميَّة، خصوصاً حين يأخذ بعين الاعتبار أنَّ كتُب أئمَّة الزيديَّة متلقَّاة بالقبول عندهم، وهم يعتمدون عليها في العلم والفتيا؛ فإنَّ الكتاب الحديثيَّ لا يكون معتمداً إلَّا بعد سلامة طُرُق روايته واعتبارها، واعتبارُ طُرُق الرواية لا يتمُّ إلَّا بالثِّقة بمن يقع في أسانيدها من رُواة، وباتِّضاح هذه الفكرة يُمكن التوفيقُ بين الزيديَّة والإماميَّة بإزالة سوءِ الظنِّ، كخُطوة من خطوات التَّقريب والتَّوفيق بين هذين المذهبين العريقين على أساس مُعطيات علميَّة حقيقيَّة.

والحمدُ للّهِ ربِّ العالمين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق