أنصار أهل البيت (ع)الفكر الأصيلسادة القافلةمقالاتمنوعات

حديث حول الولاية

بسم الله الرحمن الرحيم

حديث حول الولاية

بقلم الشيخ زكريا بركات

قال الله تعالى: (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتي‏ كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى‏ عَقِبَيْه) البقرة: 143. نفهم من هذه الآية الكريمة أن النقطة المقابلة لـ (الانقلاب على الأعقاب) هي (اتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ، بمعنى أنَّ الإنسان إمَّا أن يكون مُتَّبعاً لرسول الله وإمَّا أن يكون منقلباً على عقبيه.

وحين يرفض الإنسانُ اتِّباعَ رسول الله (ص) يكون في ولاية الذين كفروا ومطيعاً لهم، قال الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنْ تُطيعُوا الَّذينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرينَ) آل عمران: 149. فالإنسان بتركه لولاية رسول الله (ص) ودخوله في ولاية الذين كفروا يكون خاسراً.

وقد نهى الله تعالى عن اتباع اليهود والنصاري، فقال الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى‏ أَوْلِياءَ…) المائدة: 51.

واعتبر من يتَّبعهم منفصلاً عن الأمَّة الإسلامية، فقال تعالى: (… وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) المائدة: 51.

بل عدَّ اتباع اليهود والنصارى وطاعتهم ارتداداً وكفراً، فقال تعالى بعد أن نهى عن ولاية اليهود والنصارى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرينَ يُجاهِدُونَ في‏ سَبيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَليمٌ) المائدة: 54.

وحدَّد الله تعالى للمؤمنين أولياءهم في نطاق خاص في قوله تعالى: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذينَ آمَنُوا الَّذينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) المائدة: 55.

وبسبب أنَّ الذين يسقطون في ولاية الكفار وأهل الكتاب يكون الدافع لهم الخوف من الهزيمة، فهم يتصورون أن النصر لا يتأتَّى إلا باللجوء إلى الكفَّار، فلذلك قال الله تعالى بعد أن نهاهم عن ولاية الكفَّار: (بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرينَ) آل عمران: 150. فالنصر الذين ترجونه هو من عند المولى الحقيقي، وهو الله تعالى، فهو الناصر لكم، وهو خير الناصرين.

وأمَّا الذين يحملون الوعي ويتَّصفون بالاستقامة في طريق الولاية، فيوالون الله تعالى ورسوله وأولي الأمر من المؤمنين، فهؤلاء يصفهم الله بـ (حزب الله) ويُبشِّرهم بالنصر والغلبة، فيقول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ) المائدة: 56.

كما يخبرنا القرآن الكريم بأنَّ حزب الله هم أولئك الذين لا توجد في قلوبهم مودَّة للكفَّار والذين لهم مواقف مضادَّة لله ورسوله، يقول الله تبارك وتعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ في‏ قُلُوبِهِمُ الْإيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدينَ فيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: 22] ، فهؤلاء هم حزب الله وهم المفلحون والغالبون.

ولكن المتوقَّع أن ينقلب أناسٌ عن هذه الولاية بعد وفاة رسول الله (ص) ، فقال الله تعالى: (وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرينَ) آل عمران: 144.

وقد عرفنا أنَّ الانقلاب يعني ترك الولاية والاتباع لرسول الله (ص) ، فالسؤال: كيف يكون الإنسان منقلباً وتاركاً لاتباع رسول الله بعد وفاته؟

هذا يعني أن هناك تعاليمَ مُعيَّنة سوف يتركها مجموعة من الناس ويخالفونها بعد وفاة رسول الله (ص) ، أو أن هناك أولياء للأمر ولايتهم امتداد لولاية رسول الله، والناس لن يلتزموا بولايتهم..

ومثال ذلك نجده في العلاقة بين ولاية رسول الله وولاية الله تعالى، فمن أطاع رسول الله فإنه يكون مطيعاً لله، قال الله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفيظاً) النساء: 80.

وبناء عليه؛ فإننا حين نقرأ قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا أَطيعُوا اللهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ…) النساء: 59، وقوله تعالى: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذينَ آمَنُوا الَّذينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) المائدة/55، نفهم من ذلك أنَّ هناك علاقة طولية بين الولايات الثلاث، بمعنى أنَّ طاعة الله هي المصدر والأساس لطاعة رسول الله، وطاعة رسول الله هي المصدر والأساس لطاعة أولي الأمر، ومعنى ذلك أنَّ المؤمن حين يكون في ولاية أولي الأمر، يكون بذلك في ولاية رسول الله، وحين يكون في ولاية رسول الله، يكون في ولاية الله تعالى..

فحين يتحدَّث القرآن الكريم عن الانقلاب بعد وفاة رسول الله (ص) ، فهو إذاً يتحدث عن الخروج من ولاية أولي الأمر بعد رسول الله، فالخروج عن ولاية أولي الأمر وطاعتهم هو الذي يجعل الإنسان خارجاً من ولاية رسول الله ومن ولاية الله، وبالتالي يتحقَّق الانقلاب على الأعقاب بعد رسول الله.

وحديث الغدير المتواتر يدل على أن الإمام علياً هو من أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم، ففيه قول رسول الله (ص) : (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه) ، فكما أن الله هو المولى (بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرينَ) آل عمران: 150 ، وكما أن رسول الله (ص) هو الحاكم والمولى والأولى: (النبيُّ أولى بالمُؤمنين من أنفُسِهم) الأحزاب: 6 ، فكذلك الإمام عليٌّ هو المولى والأولى والحاكم.

ولكن من المؤسف أنَّ كثيراً من الناس لم يلتزموا بأمر الله تعالى، وخالفوا حكم الله وحكم رسول الله.

نقرأ في “صحيح البخاري” برقم 6126 ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: “يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِي فَيُحَلَّئُونَ عَنْهُ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى”.

وفي «المستدرك على الصحيحين» (3 /150) ، عن الإمام عليٍّ (عليه السلام) قال: «إنَّ ممَّا عَهِدَ إليَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّ الأمَّة ستغدر بي بعده». قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه». وقال الحافظ الذهبي في «التلخيص»: «صحيح».

وفي «المستدرك» ـ أيضاً ـ (3/153) من طريق أخرى، عن الإمام عليٍّ (عليه السلام) ، قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنَّ الأمَّة ستغدر بك بعدي وأنت تعيش على ملَّتي وتُقتل على سُنَّتي، مَن أحبَّك أحبَّني ومن أبغضك أبغضني، وإنَّ هذه ستُخضب من هذا» يعني لحيته من رأسه. قال الحاكم: «صحيح»، وقال الذهبي في «التلخيص» : «صحيح».

وهناك نصوص وأدلَّة أخرى كثيرة تدل على هذا المعنى.

وبالربط بين النصوص الشرعية ـ من آيات ومن أحاديث ـ يتبيَّن أنَّ الانقلاب الذي حصل هو في أمر الولاية، وبالتحديد في مخالفتهم لأمر رسول الله (ص) في فرض ولاية الإمام علي (ع) .

ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم.

والحمدُ لله أوَّلاً وآخراً.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق