سادة القافلةسيرة أهل البيت (ع)في رحاب نهج البلاغةمناسباتمنوعات

العدالة السياسية عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام – الرابع

الدكتور حامد العبد الله

والدكتور عبد الله سهر

* واجبات الحاكم:

١. الشفافية والوضوح مع الرعية

لقد تميز عصر خلافة علي بشفافية غير معهودة، من حيث الوضوح والصراحة مع الناس في مختلف المواقف، وعلى كل الاصعدة. حتى في المواقف التي قد يرى البعض، انها تتطلب نوعا من الالتواء وعدم الوضوح، نوعا من كتمان الامر.

خذ على سبيل المثال: المرشح لشغر منصب ما; هذا المرشح تجده عادة يطلق الوعود والاماني، ويوهم الناخبين بانه ان وصل إلى المنصب، فسيحل كثير من المعضلات، وسيوفر لناخبيه الرفاهية، وسيسعى لتحقيق حياة مريحة وسعيدة، وسيعمل على تحويل احلامهم إلى واقع. وهو يعلم – علم اليقين – ان كل تلك التصريحات – او جلّها على اقل تقدير – ليس في مستطاعه. مضافا إلى ذلك، تراه يخفي عنهم القرارات التي سيضطر لاتخاذها، وهي تتنافى مع رفاههم…هذا هو سلوك المرشحين عادة لشغر المناصب.

اما علي فعلى العكس من ذلك، واضح صريح، حتى قبل ان ينتخب، حتى في الوقت الذي هو احوج ما يكون إلى قبول الناس، وتاييدهم له، تجده يقول: «دعوني والتمسوا غيري، فانا مستقبلون امرا له وجوه والوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول. وان الآفاق قد اغامت، والمحجة قد تنكرت، واعلموا اني ان اجبتكم ركبت بكم ما اعلم، ولم اصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وان تركتموني فانا كاحدكم، ولعلي اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امركم، وانا لكم وزيرا، خير لكم مني اميرا» [١] .

ويقول في موقف آخر عند بيعة الناس له: «الا وان بليتكم قد عادت كهيئتها، يوم بعث الله نبيه – صلى الله عليه وسلم – والذي بعثه بالحق، لتبلبلن بلبلة، ولتغربلن غربلة، ولتساطن سوط القدر، حتى يعود اسفلكم اعلاكم، واعلاكم اسفلكم، وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا. والله ما كتمت وشمة، ولا كذبت كذبة، ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم » [٢] .

هذا الامام الذي قال: «الا وان لكم عندي الا احتجز دونكم سرا الا في حرب، ولا اطوى دونكم امرا الا في حكم » [٣] .

لم يعقد الصفقات مع معاوية، ولم يقامر على مصير الامة. لقد اعلنها حربا على معاوية بكل وضوح، حيث قال: «ولقد قلبت هذا الامر بطنه وظهره حتى منعني النوم، فما وجدتني يسعني الا قتالهم، او الجحود بما جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم – فكانت معالجة القتال اهون عليّ من معالجة العقاب، موتات الدنيا اهون عليّ من موتات الآخرة » [٤] .

وكان حريصا على ان يعي اتباعه حقيقة موقفه، ومبررات قراراته، فقبل ان يصل إلى الكوفة بعث اليهم برسالة، يشرح فيها ما حدث في فتنة عثمان، حتى لا تنطلي عليهم مراوغات طلحة والزبير، وحتى يكون سمع ذلك الخبر كعيانه، قال فيها: «اما بعد، فاني اخبركم عن امر عثمان، يكون سمعه كعيانه. ان الناس طعنوا عليه، فكنت رجلا من المهاجرين اكثر استعتابه، واقل عتابه. وكان طلحة والزبير اهون سيرهما فيه الوجيف، وارفق حدائهما العنيف. وكان من عائشة فيه فلتة غضب، فاتيح له قوم فقتلوه، وبايعني الناس غير مستكرهين ولا مجبرين، بل طائعين مخيرىن… [٥] .

وفي هذه الرسال دقة في الوصف، لا يعيها الا من درس تفصيلات تلك الفتنة – في كتب التاريخ المختلفة – فقارن بين المنقولات، واستطاع ان يميز المكذوب من الصحيح.

ولم تكن الامة تدرك قيمة وضوح القائد، واهمية شفافية الامام، لان الزمان اذا تغير، والنفوس اذا تبدلت، اصبح الوضوح: بساطة، والشفافية: سذاجة، والغدر: كياسة، والمكر: شطارة.

يقول علي: «…لقد اصبحنا في زمان اتخذ اكثر اهله الغدر كيسا… [٦] . وبما ان عليا لا يغدر، وبما انه واضح، وخطابه يتسم بالشفافية، اذن هو بسيط! هذا ما تصوره البعض، الامر الذي جعله يدافع عن نفسه امام اصحابه قائلا: «والله ما معاوية بادهى مني، ولكنه يغدر ويفجر. ولولا كراهية الغدر لكنت ادهى الناس..» .[٧]

٢. عدم الاحتجاب عن الرعية

لم تنقل لنا التواريخ ان عليا احتجب عن رعيته، او وضع حاجبا امام بيته، او اناب غيره في صلاة جمعة او جماعة – في بلد اقام فيه – دون عذر قاهر. ولم تنقل لنا التواريخ انه عين وزيرا يصرف على المسلمين فيئهم من بيت المال، بل كان يقوم بالصرف بنفسه.

كان يلتقي بالناس ليلا ونهارا، سرا وجهرا، وكان يتعرف على اخبارهم على نحو مباشر، دون وسائط. وحينما تاتيه الاخبار من الاقطار الاخرى التابعة اليه، كان يقوم بالتحقق منها، فكثيرا ما نجده يقول لواليه: «بلغني عنك كذا وكذا…» ، حتى لا يتهم احدا قبل ان تثبت نسبة الخبر اليه. كان يوصي ولاته – كما راينا في عهده للاشتر – بان لا يحتجبوا عن رعيتهم.

كان بسيطا يرفض كثرة المديح، يرفض اجواء المجاملات الفارغة. كان يطلب من رعيته ان لا يثنوا عليه، لان ثنائهم عليه قد لا يكون مبرره، الا خروجهم للتو من بلاء عهد عثمان، ومن عادة الناس الاستعجال في الثناء على امير لاحق، ان ساءهم سابق. كان يطلب منهم ان لا يتحدثوا اليه كما يتحدثون إلى الجبابرة، قال لرجل اطال في الثناء عليه: «…ان من اسخف حالات الولاة عند صالح الناس، ان يظن بهم حب الفخر، ويوضع امرهم على الكبر! وقد كرهت ان يكون جال في ضنكم اني احب الاطراء، واستماع الثناء، ولست – بحمد الله – كذلك، ولو كنت احب ان يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو احق به من العظمة والكبرياء. وبما استحلى الناس الثناء بعد البلاء، فلا تثنوا عليّ بجميل ثناء، لاخراجي نفسي إلى الله سبحانه وإليكم من التقية في حقوق لم افرغ من ادائها، وفرائض لابد من امضائها، فلا تكلموني بما تكلم الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند اهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة » [٨] .

٣. طلب المشورة

قلنا ان عليا اشترط عند قبول البيعة، ان لا يكون يلزمه احد بتنفيذ نصيحة هذا او ذاك. لكن هذا لا يعني انه لم يستمع للنصيحة… كيف وهو الذي حث انصاره على اسداء النصح؟ قائلا لهم: «انتم الانصار على الحق، والاخوان في الدين، والجنن يوم الباس، والبطانة دون الناس، بكم اضرب المدبر، وارجو طاعة المقبل. فاعينوني بمناصحة خلية من الغش، سليمة من الريب، فوالله اني لاولي الناس بالناس » [٩] .

وهو الذي كان يشجع – المتردد في النقد – على النقد، لان كلمة الحق لا يستثقلها مثل علي، يقول: «لا تخالطوني بالمصانعة: ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي، ولا التماس اعضام لنفسي، فانه من استثقل الحق ان يقال له، او العدل ان يعرض عليه، كان العمل بهما اثقل عليه. فلا تكفوا عن مقالة بحق، او مشورة بعدل، فاني لست في نفسي بفوق ان اخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، الا ان يكفي الله من نفسي ما هو املك به مني، فانما انا وانتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره، يملك منا ما لا نملك من انفسنا، واخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه، فابدلنا بعد الضلالة بالهدى، واعطانا البصيرة بعد العمى » [١٠].

٤. الزهد في المعيشة

ضرب عليا مثلا رفيعا في الزهد، وبساطة الملبس والماكل. اما الملبس فلم يكن يتردد في ترقيع ثوبه متى ما تهتك، حتى استحي من كثرة تردده راقع الثوب، وطلب ترقيع ثوبه. وعندما قيل له: ارمها، والبس غيرها، رفض ذلك، لان الحياة ما هي الا طريق سفر، وسوف يغبط الناس المستيقظون صباحا، اولئك السائرون في الليل، الذين قطعوا المسافات الشاسعة، بينما كانوا هم يغطون في سبات عميق. يقسم علي قائلا: «والله لقد رقعت مدرعتي هذه، حتى استحييت من راقعها. ولقد قال لي قائل: الا تنبذها عنك؟ فقلت: اغرب عني، فعند الصباح يحمد القوم السرى » [١١] .

اما بساطة الماكل; فيظهر من رسالته لعامله على البصرة – عثمان بن حنيف – عندما بلغه انه قد لبى الدعوة إلى وليمة فاخرة، لم يدع إليها الا الاغنياء. فكتب له معاتبا بشدة، يذكره انه ان كان يعتبر نفسه ماموما لعلي، فان عليا قد اكتفى من الدنيا بقدر الكفاف.

يقول في مطلعها: «اما بعد، يا ابن حنيف، فقد بلغني ان رجلا من فتية اهل البصرة دعاك إلى مادبة، فاسرعت إليها، تستطاب لك الالوان (يعني اصناف الطعام المختلفة)، وتنقل إليك الجفان (اي الاطباق المتنوعة) . وما ظننت انك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو(اي الفقير لم يدع إليها)، وغنيهم مدعو…الا وان لكل ماموم اماما، يقتدى به، ويستضي ء بنور علمه، الا وان امكامكم (يعني نفسه) قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه. الا وانكم لا تقدرون على ذلك، ولكن اعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد» .

ثم ينبه ابن حنيف إلى ان عزوفه عن الدنيا، ليس بسبب عدم الظفر بها، على طريقة «من لا يطال العنب يقول انه حصرم » ، يقول علي: «ولوشئت لهتديت الطريق، إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات ان يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الاطعمة » .

ثم نرى استشعاره لصعوبة عيش بعض رعيته، حيث يقول: «ولعل بالحجاز او اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع » . ثم يسئل نفسه مستنكرا: «او ابيت مبطانا وحولي بطون غرثى، واكباد حرى؟ ! …ااقنع من نفسي بان يقال: هذا اميرالمؤمنين، ولا اشاركهم في مكاره الدهر، او اكون لهم اسوة في جشوبة (قسوة) العيش؟ ! فما خلقت ليشغلني اكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة، همها علفها، او(البهمية) المرسلة شغلها تقممها (اكل القمامة)، تكترش من اعلافها، وتلهو عما يراد لها» .

بعد ذلك يخاطب – في رسالته لابن حنيف – الدنيا، فيقول: «إليك عني يا دنيا، فحبلك على غاربك، قد انسللت من مخالبك، وافلت من حبائلك…اعزبي عني! فوالله لا اذل لك فتستذليني، ولا اسلس لك فتقوديني، وايم الله – يمينا استثني فيها بمشيئة الله – لاروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص، اذا قدرت عليه مطعوما (اي تكون نتيجة هذه الرياضة ان تفرح نفسي بمجرد ظفرها بقرص)، وتقنع بالملح مادوما، ولادعن مقلتي كعين ماء، نضب معينها، مستفرغة دموعها» .

ثم يواصل الاستنكار الذاتي، فيتساءل: هل تكون نهاية علي – بعد هذا التاريخ المجيد – ان يقتدي بالبيهمة في اهتمامه بالاكل؟ ! يقول: «اتمتلئ السائمة من رعيها، فتبرك؟ وتشبع الربيضة من عشبها فتربض؟ وياكل علي من زاده فيهجع؟ قرت اذا عينه، اذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة، والسائمة المرعية » ! ! .ثم ينهي رسالته بالعبارة التالية: «فاتق الله يا ابن حنيف، ولتكفف اقراصك، ليكون من النار خلاصك » [١٢] .

٥. حفظ الامن

حاول الامام علي بعد ان استلم الخلافة، ان يحافظ على الامن قدر امكانه. ولم يكن السبب المباشر لحروبه، الا حرصه على اعادة الامن لربوع ديار الاسلام. وحرصه على الامن لم يقتصر على امن المسلمين، بل كان يتعداهم ليشمل امن كل من يعيش في كنف الدولة الاسلامية، من اهل ذمة ومعاهدين. فبينما كان انصار معاوية – كالنعمان بن بشير، والضحاك بن قيس، وغيرهما – يشنون الغارات على القبائل والقرى المنضوية تحت راية علي، فيخلون بامنها، ويروعون اهلها وسكانها. كان علي يستنهض اصحابه، ويقول: «…وهذا اخوغامد  قد وردت خيله الانبار، وقد قتل حسان بن حسان البكري، وازال خيلكم عن مسالحها. وقد بلغني ان الرجل منهم كان يدخل على المراة المسلمة، والاخرى المعاهدة، فينتزع حجلها، وقلبها، وقلائدها، ورعثها، ما تمتنع منه الا بالاسترجاع والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلا منهم كلم، ولا اريق لهم دم، فلو ان امرءا مسلما مات من بعد هذا اسفا، ما كان به ملموما، بل كان عندي جديرا» [١٣] .

اذن علي لم يبدا بقتال معاوية، الا بعد ان اصبح جيش معاوية مخلا بامن الامة. لقد كان يستبطئ اصحابه اذنه لهم في القتال بصفين، قائلا لهم: «…والله ما دفعت الحرب يوما، الا وانا اطمع ان تلحق بي طائفة، فتهتدي بي، وتعشو إلى ضوئي، وذلك احب إلى من ان اقتلها على ضلالها، وان كانت تبوء بآثامها» [١٤].

ولم يبدا بقتال الناكثين، الا بعد ان اخلوا بامن الامة، وهجموا على واليه على البصرة، وقتلوا طائفة صبرا، وطائفة غدرا. ولم يبدا بقتال المارقين، الا بعد ان اخلوا بالامن، وارعبوا الناس، وقتلوا عبدالله بن خباب صحابي الرسول ( صلى الله عليه وآله)، وبقروا بطن زوجته الحامل، وتحولوا إلى قطاع طرق.

لقد قدم علي (عليه السلام) تضحيات جسام لكي يوفر الامن لرعيته، الامر الذي اضطره لدخول معارك طاحنة.

٦. التربية والتعليم

ادرك الامام علي منذ البداية ان الجيل الجديد من المسلمين، يفتقر إلى التزكية والتربية الاسلامية الرصينة. فعهد عثمان كان كفيلا بان يمحي الكثير من المظاهر الاسلامية، التي حافظ عليها – بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله) – الخليفة الاول والثاني. هذا العهد كان اطول العهود، استمر ما يقرب من عشرين عاما.عشرون عاما لم يتلق فيه المسلمون التربية والتعليم، وانشغلوا بالفتوحات، وما افاء الله عليهم، من كنوز كسرى وقيصر! !

اذن لابد ان يستدرك علي (عليه السلام) ما يمكن استدراكه، لذا نجده لا يترك فرصة الا ويذكر المسلمين بالحقائق الاسلامية الاصيلة، يذكرهم بان الدنيا دار ممر، وانهم مكلفون بان يادوا دورا رسإلىا، ويحذرهم من الانسياق وراء الشهوات من مال وجاه وسلطان. وكم من مرة نادى باعلى صوته: «اتقوا الله عباد الله، وبادروا آجالكم باعمالكم، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم، وترحلوا فقد جد بكم، واستعدوا للموت فقد اضلكم، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا، واعملوا ان الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا، فان الله سبحانه لم يخلقكم عبثا، ولم يترككم سدى..» . [١٥]

او نادى: «عباد الله، اوصيكم بالرفض لهذه الدنيا، التاركة لكم وان تحبوا تركها، والمبلية لاجسامكم، وان كنتم تحبون تجديدها… فلا تنافسوا في عز الدنيا وفخرها، ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها، ولا تجزعوا من ضرئها وبؤسها، فان عزها وفخرها إلى انقطاع، وان زينتها ونعيمها إلى زوال، وضراءها وبؤسها إلى نفاد…فاذكروا هادم اللذات، ومنغص الشهوات، وقاطع الامنيات..» [١٦] . او قال: «…تجهزوا رحمكم الله! فقد نودي بالرحيل..» . [١٧]

او قال في وصفه لاهل الدنيا: «اقبلواعلى جيفة قد افتضحوا باكلها، واصطلحوا على حبها، ومن عشق شيئا اعشى بصره، وامرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع باذن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله، واماتت الدنيا قلبه..» . [١٨] .

او وقف يحذر اصحابه: «قد غاب عن قلوبكم ذكر الآجال، وحضرتكم كواذب الآمال، فصارت الدنيا املك بكم من الآخرة، والعاجلة اذهب بكم من الآجلة…ما بالكم! تفرحون بإلىسير من الدنيا تدركونه، ولا يحزنكم الكثير من الآخرة تحرمونه…قد تصافيتم على رفض الآجل، وحب العاجل، وصار دين احدكم لعقة على لسانه » [١٩] .

ان القارئ لكتاب نهج البلاغة، ليعجب من كثرة تاكيد علي (عليه السلام) على هذه النقطة: ان الدنيا دار زوال، خذوا من ممركم إلى مقركم، الدنيا رتق مشربها ردغ مشرعها، الدنيا حلوة خضرة غرارة ضرارة، منزل قلعة وليست بدار قرار، برقها خالب ونطقها كاذب…الخ. كم كان المسلمون في ذلك العصر – بل في كل عصر – بامس الحاجة إلى هذا الخطاب…الخطاب القرآني الاصيل، الذي يزكي الانسان، فيشده إلى السماء، بقدر ما تشده الشهوات الزائلة إلى الارض.

ولم يقتصر علي في عملية التربية والتعليم – والتي استخدم كافة وسائلها المتاحة آنذاك، من خطب عامة، ورسائل إلى ولاة، بل حتى الخصوم، ومواعظ شخصية – لم يقتصر على التنبيه من خطر الدنيا. بل نبه المسلمين من خطر الفتن السياسية التي تمر بها الامة آنذاك، وبالخصوص فتنة بني امية، فتنبأ عن مستقبل الطغيان الاموي قائلا: «والله لا يزالون حتى لا يدعو لله محرما الا استحلوه، ولا عقدا الا حلوه، وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر، الا دخله ظلمهم، ونبأ به سوء رعيهم، حتى يقوم الباكيان يبكيان: باك يبكي لدينه، وباك يبكي لدنياه..» [٢٠].

لكن تحذيره من فتنة بني امية، ودخوله الحرب ضدهم، لا يعني ان الضوابط الاخلاقية والانسانية لابد ان نخلفها وراء ظهورنا، بل كان علي (عليه السلام) حريصا على ان يعلم اصحابه ادب الاختلاف، وادب الصراع، فحينما سمع اصحابه يسبون معاوية واصحابه، قال لهم: «اني اكره لكم ان تكونوا سبابين، ولكنكم لووصفتم اعمالهم، وذكرتم حالهم، كان اصوب في القول، وابلغ في العذر. وقلتم مكان سبكم اياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، واصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به » [٢١] .

كان مهتما للغاية على تربية وتعليم ولاته حدود الله في تعاملهم مع الرعية، وتحذيرهم من الانسياق وراء الدنيا وشهواتها، والتكبر على عباد الله. كان يحثهم على الائتمام برسول الله ( صلى الله عليه وآله) وبه. ورسالته إلى عثمان بن حنيف شاهد على متابعته لادق تصرفات رعيته، ورصدها اولا باول.

ويمكن في هذا المجال الرجوع إلى رسائله الرائعة إلى كل من: مالك الاشتر والحارث الهمداني ومحمد بن ابي بكر وقثم بن عباس [٢٢] ، فضلا عن رسالته إلى عثمان بن حنيف التي تعرضنا إليها.

٧. اقامة الفرائض

التزم الامام علي باقامة صلاة الجمعة والجماعة، وصلاة العيدين، في المنطقة التي استقر بها. فصلى بادئ الامر في المدينة، ثم انتقل بعد ذلك إلى الكوفة، فكان يصلي في مسجدها. هذا في الحاضرة التي كان يستقر بها، اما في باقي ديار الدولة الاسلامية، فكان يرسل الرسائل إلى ولاته، يذكرهم اهمية اقامة الفرائض. ففي رسالته إلى محمد بن ابي بكر، حينما ولاه مصر، يقول له: «…صل الصلاة لوقتها لها، ولا تعجل وقتها لفراغ، ولا تؤخرها عن وقتها لاشتغال، واعلم ان كل شي ء من عملك تبع لصلاتك..» [٢٣] .

وفي رسالته إلى عامله على مكة، قثم بن عباس، يقول له: «اما بعد، فاقم للناس الحج، واجلس لهم العصرين، فافت المستفتي، وعلم الجاهل، وذاكر العالم، ولا يكن للناس سفير الا لسانك، ولا حاجب الا وجهك..» [٢٤] .

والامام علي هو اول شهيد في الاسلام يسقط في محراب العبادة والصلاة، حيث وقعت الفاجعة وقت صلاة الفجر، من شهر رمضان.

علي (عليه السلام) – شهيد الصلاة والفريضة – لم يتوان عن اقامة الفرائض في اي موقف من المواقف; حتى في ارض المعركة، عندما ساله سائل، يستفتيه في حكم شرعي يرتبط بالصلاة، لم ينهه، ولم يؤنبه، ولم يقل له ان هذا وقت المعركة، وليس وقت معرفة احكام الصلاة، بل انب من استنكر على المستفتي سؤاله، وقال كلمة اشتهرت عنه: «علام نقاتل؟» ، كناية عن ان مبرر قتاله، اقامة الفرائض.

٨. العمل على احياء السنة واماتة البدعة

حرص علي (عليه السلام) حرصا بالغا على احياء السنة، واماتة البدعة، لعلمه ان البدع، التي لم يالفها المسلمون منذ الجاهلية، قد عادت – مرة اخرى – تتلبس ثوبا جديدا، وتستشري في اوصال الامة.

فالمعايير القرآنية من قبل «ان اكرمكم عند الله اتقاكم » ، كانت قد استبدلت بمعيار السبق إلى الاسلام، وان كان سبقا قد انتهى إلى انحراف! اواستبدل بمعيار القرشية، حيث كان ينادي المنادي من بني امية: «انما السواد (العراق) بستان لقريش » .والاستجابة لله ورسوله في قوله «يا ايها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم » ، قد استبدلت بالاستجابة إلى الذهب والفضة والمال، والنساء والقصور، والموائد العامرة. وحب الله ورسوله في قوله «يحبون الله ورسوله » ، استبدل بحب الدنيا. والدعوة للالتفاف حول الصادقين في قوله «يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين » ، استبدلت بالالتفاف حول الماكرين والفاجرين.

كان علي يوصي الناس في سائر حركاته وسكناته، اقواله وافعاله، خطبه ورسائله، بان لا ينساقوا وراء الدنيا وزخارفها…هذا الانسياق الذي كان سببا مباشرا في انتشار البدع، واماتة السنة.

وان كان الوالي – فيما مضى – لا يعين او يستعمل، الا اذا كان من قرابة الخليفة، وان لم يكن كفوءا، وان كان مختلسا لبيت مال المسلمين. فان عليا لم يكتف باماتة هذه البدعة، باستبعاد العناصر الفاسدة – قدر الامكان – بل كان يستبعد ايضا العنصر الكفوء، لصالح الاكفاء، والوالي القوي، لصالح الاقوى، والمرشح الحازم، لصالح الاكثر حزما. وهذا ما نراه جليا حينما استبدل عمر بن ابي سلمة المخزومي – وكان عامله على البحرين – بالنعمان بن عجلان الزرقي، حيث ارسل إلى الاول يقول: «اما بعد، فاني قد وليت نعمان بن عجلان الزرقي على البحرين، ونزعت يدك بلا ذم  لك، ولا تثريب عليك، فلقد احسنت الولاية، واديت الامانة، فاقبل غير ظنين، ولا ملوم، ولا متهم ولا ماثوم..» . [٢٥]

وفي مصر، كان علي (عليه السلام) يرىد تنصيب هاشم بن عتبة، لكن جرت الامور على نحو ادت لتنصيبه لمحمد بن ابي بكر، فقال: «وقد اردت توليه مصر، ولو وليته اياها، لما خلى لهم العرصة، ولا انهزهم الفرصة، بلا ذم لمحمد بن ابي بكر، ولقد كان إلى حبيبا، وكان لي ربيبا» [٢٦] .

تطورت الاحداث – بعد ذلك – في مصر، فجعل علي يعزل محمد بن ابي بكر، وينصب الاشتر مكانه، لان مصر – بالذات – كانت تتطلب كفاءة استثنائية. ويبدو ان هذا العزل، قد حزّ في نفسه، لكن عليا لم يتراجع عن قراره، وانما ارسل اليه رسالة، يواسيه ويشد من ازره، يقول فيها: «اما بعد، فلقد بلغني موجدتك من تسريح الاشتر إلى عملك، واني لم افعل ذلك استبطاء لك في الجهد، ولا ازديادا لك في الجد، ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك، لوليتك ما هو ايسر عليك مؤونة، واعجب إليك ولاية..» [٢٧] .

هذه المواقف تؤكد ان عليا كان يرجح الاكفاء، ان لم تحل الظروف والملابسات عن ذلك. طبعا هذا لا يعني ان كل ولاة علي كانوا من افضل اصحابه، المقتدين بسنته، لانه في بعض الموارد كان يضن على هؤلاء المقربين بتنصيبهم، ويرغب ان يشهدوا معه معاركه. وانما نعني ان عليا كان يحاول – قدر ما تسمح الظروف – ان يكون معيار التنصيب الكفاءة، بل الاكفئية، وليس الاسبقية في الاسلام، او القرابة النسبية، او القرشية…تلك البدع التي ظهرت بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله.)

٩. منع الظلم واحقاق حقوق الضعفاء واعمال الشدة مع الظالمين والمنافقين، القضاء بالعدل واقامة حدود الله

كان علي يقوم بالقضاء بين المسلمين بنفسه، كيف ورسول الله ( صلى الله عليه وآله) قال: «اقضاهم (اقضى الناس) علي » [٢٨] ؟ فكان شعاره: «الذليل عندي عزيز، حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف، حتى آخذ الحق منه » [٢٩] .

واي دارس لفقه القضاء، والحدود والتعزيرات، والقصاص، يعرف كم روي في اقضية علي (عليه السلام) ؟ فكثيرا ما جاء في الروايات: «جاء إلى علي كذا وكذا…» ، «قضى علي في كذا بكذا…، حتى ليحسب القارئ ان هذه الكتب ما كانت لتقيم لولا ما روي من احكام قضائية لعلي. فالكثير من تلك المعضلات – في مجال الحدود والتعزيز والقصاص – ما كانت لتحل لولا علي وعلمه. ويكفي ان نذكر القارئ بشهادة الخليفة الثاني في قضاءه واحقاقه العدل: «لولا علي لهلك عمر» ، «اعوذ بالله ان اعيش في قوم لست فيهم يا ابا الحسن » [٣٠] .

وان كانت من واجبات الحاكم، اعمال الشدة مع الظالمين والمنافقين، فماذا تسمى حربه ضد القاسطين؟ ضد معاوية وحزبه؟

١٠. الحفاظ على الاموال العامة (بيت المال)

القصص التي تحكى عن اهتمام علي (عليه السلام) ببيت مال المسلمين، تكاد تفوق حد الاحصاء، فمثلا عندما بلغه ان شريح القاضي، اشترى على عهده دارا بثمانين دينارا، وبلغه ذلك، استدعى شريحا. وبعد ان تاكد من اصل ثبوت الواقعة، دون ثبوت كونه من بيت مال المسلمين، قال له: «…انظر يا شريح، لا تكون قد ابتعت هذه الدار من غير مالك، او نقدت الثمن من غير حلالك، فاذا انت قد خسرت دار الدنيا، ودار الآخرة..» [٣١] .

وفي رسالته إلى اشعث بن قيس عامله على اذربيجان، «ان عملك ليس لك بطعمة، ولكنه في عنقك امانة، وانت مسترعي لمن فوقك، ليس لك ان تفتات في رعية، ولا تخاطر الا بوثيقة، وفي يديك مال من مال الله عز وجل، وانت من خزانه، حتى تسلمه إليّ، ولعلي ان لا اكون شر ولاتك لك، والسلام » [٣٢] .

وفي رسالته إلى زياد بن ابيه – وكان قد استخلفه عامل علي على البصرة عبدالله بن عباس – يحذره فيها فيقول: «واني اقسم بالله قسما صادقا، لئن بلغني انك خنت من في ء المسلمين شيئا صغيرا او كبيرا، لاشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، ضئيل الامر، والسلام » [٣٣] .

لقد غير علي معادلة توزيع الفي ء، فبينما كانت الغنائم توزع على المسلمين، وفق معيار الاقرب نسبا للرسول ( صلى الله عليه وآله)، والاسبق في الاسلام، الامر الذي ادى لحدوث حالة طبقية، لصالح قريش، وعلى وجه التحديد الصحابة المهاجرين. قلب علي المعادلة، ليجعلها لصالح الفاتحين، الذين قاسوا آلام الجهاد، ودخلوا المعارك، وشاركوا في الحروب، وان ابتعد نسبهم عن الرسول ( صلى الله عليه وآله)، او تاخروا بدخول الاسلام. فعندما جاء عبدالله بن زمعة – وهو من شيعته – يطلب منه مالا، قال له: «ان هذا المال ليس لي ولا لك، وانما هو في ء للمسلمين، وجلب اسيافهم، فان شركتهم في حربهم، كان لك مثل حظهم، والا فجناة ايديهم لا تكون لغير افواههم » [٣٤] .

طبعا هذا لا يعني ان عهد علي (عليه السلام) كان خاليا من الاختلاسات، كان خاليا من الخيانة لله ولرسوله (ص) من بعض عماله. لقد حدثت هذه التجاوزات، وكان رد علي (عليه السلام) على الدوام عنيفا، ولم يكن يغض الطرف، كما كان يفعل سلفه.

فعندما بلغه ما بلغه عن عامله المنذر بن الجارود، كتب اليه: «اما بعد، فان صلاح ابيك غرني منك، وظننت انك تتبع هديه، وتسلك سبيله، فاذا انت – فيما رقى إليّ عنك – لا تدع لهواك انقيادا، ولا تبقي لآخرتك عتادا. تعمر دنياك بخراب آخرتك، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك. ولئن كان ما بلغني عنك حقا، لجمل اهلك وشسع نعلك خير منك! ! ومن كان بصفتك فليس باهل ان يسد به ثغر، او ينفذ به امر…فاقبل إلى حين يصل إليك كتابي هذا..» [٣٥] .

وعندما بلغه عن عامله مصقلة بن هبيرة الشيباني ما بلغه، كتب اليه: «بلغني عنك امر – ان كنت فعلته فقد اصخطت الهك، وعصيت امامك – انك تقسم في ء المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم، واريقت عليه دماؤهم، فيمن اعتامك من اعراب قومك. فو الذي فلق الحبة، وبرا النسمة، لئن كان ذلك حقا، لتجدن علي هوانا، ولتخفن عندي ميزانا..» [٣٦] .

ماذا كان موقف مصقلة؟ لقد هرب إلى معاوية، وتذكر بعض التواريخ ان سبب فراره هو حياؤه من علي (عليه السلام)، حتى نقل عن علي قوله: كفوا عن صاحبكم، فليس براجع حتى يموت. [٣٧]

وفي نهج البلاغة، ان عليا قال: «قبح الله مصقلة، فعل فعل السادة، وفر فرار العبيد.فما انطق مادحه حتى اسكته، ولا صدق واصفه حتى ابكته، ولو اقام، لاخذنا ميسوره، وانتظرنا بماله وفوره » [٣٨] .

التعدي على بيت المال كان امرا عاديا قبل ان يستلم علي (عليه السلام) الخلافة، فلم يال جهدا في استرجاع الهيبة لبيت المال، وان كانت ضريبة ذلك ان يفقد اقرب الناس اليه، يفقد اخوه عقيل!

فعندما جاءه عقيل – وهو اعمى فقير، ذوعيال كثيرة – يطلب منه شيئا يسيرا فوق حقه، ماذا صنع علي (عليه السلام) ؟ لقد احمى حديدة وقربها من يد عقيل، حتى ارتاع الاخير من ذلك.

دعونا نتعرف على حيثيات القصة من علي نفسه; حيث يقول: «والله، لقد رايت عقيلا وقد املق، حتى استماحني من بركم صاعا، ورايت صبيانه شعث الشعور، غبر الالوان – من فقرهم – كانما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا، وكرر علي القول مرددا، فاصغيت اليه سمعي، فظن اني ابيعه ديني، واتبع قياده، مفارقا طريقتي، فاحميت له حديدة، ثم ادنيتها من جسمه، ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف من المها، وكاد ان يحترق من ميسمها.

فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل! اتئن من حديدة احماها انسانها للعبة، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه؟ ! اتئن من الاذى، ولا ائن من لظى؟ ! …اصلة؟ ام زكاة؟ ام صدقة؟ فذلك محرم علينا اهل البيت.

فقال: لا ذا، ولا ذاك، ولكنها هدية.

فقلت: هبلتك الهبول! اعن دين الله اتيتني لتخدعني؟ امختبط انت؟ ام ذو جنة؟ ام تهجر؟ والله لو اعطيت الاقاليم السبعة، بما تحت افلاكها، على ان اعصي الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلته، وان دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة تقضمها.ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى؟ ..» [٣٩].

وقد اشرنا – فيما مضى – إلى نتيجة هذا الموقف، وكيف لحق عقيل بركب معاوية؟ وكيف استفاد الاخير من هذا الانشقاق؟

١١. جباية الفيء والصدقات وتوزيعها على مستحقيها

راينا في ثنايا السطور السابقة ان عليا كان المتابع لولاته، من جهة جبايتهم للفيء، ووصول الحقوق المالية إلى مستحقيها بالتساوي، طالما ان استحقاقهم لها بالتساوي. ولما عوتب على التسوية في العطاء، اجاب: «اتامروني ان اطلب النصر بالجور، فيمن وليت عليه؟ والله لا اطور به ما سمر سمير، وما ام نجم في السماء نجما! لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وانما المال مال الله؟ ! ..» [٤٠] .

ولم يكتف بما ورد إلى يده في عهده، بل رد على المسلمين القطائع التي اقتطعها عثمان على خاصته، قائلا: «والله، لو وجدته قد تزوج به النساء، وملك به الاماء، لرددته، فان في العدل سعة. ومن ضاق عليه العدل، فالجور عليه اضيق!» [٤١] .

١٢.التمييز بين الاخيار والاشرار

ان كان الخليفة السابق قد ميز بين قرابته والابعدين، ففضل القرابة وان كانوا اشرارا، واقصى الابعدين وان كانوا اخيارا، فان عليا ميز بين الاخيار والاشرار، ولم تكن للقرابة عنده قيمة، ان لم تشفع بتقوى الله وعمل الصالح. بل بعدما ميز بين هذا وذاك، ميز ايضا بين السيئ والاسوا، بين المنحرف والاكثر انحرافا، بين الضال بسبب الجهل والضال عن قصد، بين من يرجى عودته إلى الصواب، ومن لا يرجى منه ذلك.

فقد اوصى بعدم مقاتلة الخوارج بعده، قائلا: «لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فاخطاه، كمن طلب الباطل فادركه » . ويقصد بالطالب للباطل معاوية واصحابه، وقد يفهم من هذه العبارة انها وصية – على نحوغير مباشر – بمواصلة القتال ضد معاوية.

وعندما ارسل عبدالله بن عباس إلى الناكثين، يستفيئهم إلى طاعته، طلب منه ان يلق الزبير دون طلحة، لان طلحة ينكر الحق، وان كان كالشمس في رابعة النهار، فلا يمنعه من الانكار وضوحه، ولا ينفع معه التذكير. قال علي (عليه السلام) : «لا تلقين طلحة، فان ان تلقه تجده كالثور، عاقصا قرنه، يركب الصعب، ويقول: هو الذلول. ولكن الق الزبير، فانه ألين عريكة، فقل له: يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز، وانكرتني بالعراق، فما عدا مما بدا» [٤٢].

١٣. اعمال الرفق في غير ترك الحق، فيكون للرعية كالوالد الرحيم

عندما نقول ان عليا ميز بين الاخيار والاشرار، ثم ميز بين الاشرار انفسهم، فهذا لا يعني انه يتم الحجة عليهم بالموعظة والتذكير، ولا يعني انه كان يتعامل مع الاشرار بقسوة غير مبررة. بل ان رسائله وخطبه، تحمل الكثير من الرحمة والحنان، والشفقة والتنبيه، حتى مع الد خصومه، لم يترك الرفق، الا بعد ان اصبح الرفق يعني ترك الحق.

ففي رسالة له لمعاوية يقول: «…فاتق الله يا معاوية في نفسك، وجاذب الشيطان قيادك، فان الدنيا منقطعة عنك، والآخرة قريبة منك، والسلام » [٤٣] .

اما الخوارج، فقد بالغ علي – قبل ان يشرع في حربهم – في تنبيههم وتذكيرهم، لعلهم يرجعون. وبالفعل، فقد رجع عدد منهم قبل شروع المعركة، بفترة وجيزة. فقد قال لهم: «…انا نذير لكم ان تصبحوا صرعى باثناء هذا النهر، وباهضام هذا الغائط، على غير بينة من ربكم، ولا سلطان مبين معكم..»[٤٤] .

وسالهم: «اكلكم شهد معنا صفين؟ فقالوا: منا من شهد، ومنا من لم يشهد. قال: فامتازوا فرقتين، فليكن من شهد صفين فرقة، ومن لم يشهدها فرقة، حتى اكلم كلا منكم بكلامه. ونادى الناس، فقال: امسكوا عن الكلام، وانصتوا لقولي واقبلوا بافئدتكم إليّ، فمن نشدناه شهادة  فليقل بعلمه فيها.

ثم كلمهم – عليه السلام – بكلام طويل من جملته ان قال عليه السلام: «الم تقولوا عند رفعهم المصاحف – حيلة وغيلة، ومكرا وخديعة – اخواننا واهل دعوتنا ؟ …فقلت لكم: هذا امر ظاهره ايمان، وباطنه عدوان…فاقيموا على شانكم والزموا طريقتكم؟ ..» [٤٥] .

وحتى عندما اضظر إلى حرب الناكثين والقاسطين والمارقين، لم ياذن لاصحابه بان يحاربوا كيفما اتفق، بل الزمهم بادب الحرب، والضوابط الاخلاقية والانسانية في التعامل مع الخصوم. لقد قال لاصحابه: «لا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم، فانكم – بحمد الله – على حجة، وترككم اياهم حتى يبدؤوكم حجة اخرى لكم عليهم، فاذا كانت الهزيمة باذن الله، فلا تقتلوا مدبرا، ولا تصيبوا معورا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تهيجوا النساء، بأذى – وان شتمن اعراضكم، وسببن امراءكم – فانهن ضعيفات القوى والانفس والعقول..» . [٤٦] .

اما معاملة علي لرعيته فالامر فيه اوضح، فلم يكن هو بنفسه رحيما شفيقا عليهم فقط، بل كان يوصي عماله على الخراج ايضا بان يعاملوهم بالحسنى.

ففي رسالة وجهها إلى عماله على الخراج يقول: «…انصفوا الناس من انفسكم، واصبروا لحوائجهم، فانكم خزان الرعية، ووكلاء الامة، وسفراء الائمة، ولا تحسموا احدا عن حاجته، ولا تحبسوه عن طلبته…ولا تضربن احدا سوطا  لمكان درهم، ولا تمسن مال احد من الناس، مصل ولا معاهد، الا ان تجدوا فرسا او سلاحا يعدى به على اهل الاسلام..» . [٤٧]

وفي رسالة رائعة بعث بها لمن استعمله على الصدقات، يقول: «…لا تروعن مسلما. ولا تجتازن عليه كارها، ولا تاخذن منه اكثر من حق الله في ماله، فاذا قدمت على الحي، فانزل بمائهم، من غير ان تخالط ابياتهم، ثم امض اليهم بالسكينة والوقار، حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم…ثم يقول: عباد الله، ارسلني إليكم ولي الله وخليفته، لآخذ منكم حق الله في اموالكم…فان قال قائل: لا، فلا تراجعه، وان نعم، فانطلق معه، من غير ان تخيفه او توعده او تعسفه او ترهقه…فان كانت له ماشية او إبل، فلا تدخلها الا باذنه…ولا تنفرن بهيمة، ولا تفزعنها…فاذا اختار، فلا تعرضن لما اختاره..» .[٤٨]

* خاتمة :

قلنا في هذا البحث ان العدل يعني اعطاء الحق، والظلم هو سلب الحق.

والعدل السياسي هو ان يعطي كل من الحاكم والمحكوم حق الطرف الآخر.

وذكرنا الواجبات الملقاة على عاتق الحاكم، كما ذكرنا الواجبات المتعينة على المحكوم.

ثم انطلقنا نبحث عما اذا كان المسلمون في عهد علي (عليه السلام) قد التزموا بواجباتهم تجاه علي، وبالتالي كانوا عدولا في حقه؟ ام انهم سلبوا حق حاكمهم وظلموه؟ وراينا ان الاكثرية الغالبة سلبت حق علي (عليه السلام) في الطاعة، فاما خرجت عليه قاسطة او ناكثة او مارقة، او متخلية ومعتزلة، وهو في امس الحاجة إلى الناصر والمعين.

ثم انتقلنا لنبحث عما اذا كان علي قد التزم بواجباته تجاه المسلمين، وبالتالي كان عادلا في حقهم؟ ام انه سلبهم حقهم وظلمهم؟ وراينا ان عليا (عليه السلام) لم يتوان عن اداء اي واجب من واجباته تجاه المسلمين.

ويلخص لنا علي (عليه السلام) هذه المعادلة بقوله: «…اني اريدكم لله، وانتم تريدونني لانفسكم..» [٤٩].

وننتهي إلى ان الظلم الذي وقع على علي (عليه السلام) – مع لحاظ خصوصية علي واللحظة التاريخية التي عاشها المسلمون – لم يقع في تاريخ الاسلام على اي كائن على الاطلاق. ولعل هذه المظلومية هي التي خلدت عليا (عليه السلام)، ومازالت تخلده، وستظل تخلده إلى ما شاء الله.

تتجلى هذه المظلومية في الليلة التي ضرب بها، حيث يحدثنا عن حلم رآه، فيقول: «ملكتني عيني وانا جالس، فسنح لي رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيت من امتك من الاود واللدد؟ فقال: ادع عليهم، فقلت: ابدلني اللهم بهم خيرا منهم، وابدلهم بي شرا لهم مني » [٥٠] .

وهدانا الله واياكم لما يحب ويرضي .

——————————————————————————————-
[١] . المصدر السابق، رقم (٩٢)، ص ١٣٦.
[٢] . المصدر السابق، رقم (١٦)، ص ٥٧.
[٣] . المصدر السابق، رقم (٥٠)، ص ٤٢٤.
[٤] . المصدر السابق، رقم (٥٤)، ص ٩١.
[٥] . المصدر السابق، رقم (١)، ص ٣٦٣.
[٦] . المصدر السابق، رقم (٤١) : ص ٨٣.
[٧] . المصدر السابق، رقم (٢٠٠)، ص ٣١٨.
[٨] . المصدر السابق، رقم (٢١٦)، ص ٣٣٤- ٣٣٥.
[٩] . المصدر السابق، رقم (١١٨)، ص ١٧٥.
[١٠] . المصدر السابق، رقم (٢١٦)، ص ٣٣٥.
[١١] . المصدر السابق، رقم (١٦٠)، ص ٢٢٩.
[١٢] . المصدر السابق، رقم (٤٥)، ص ٤١٦- ٤٢٠.
[١٣] . المصدر السابق، رقم (٢٧)، ص ٧٠.
[١٤] . المصدر السابق، رقم (٥٥)، ص ٩١.
[١٥] . المصدر السابق، رقم (٦٤)، ص ٩٥.
[١٦] . المصدر السابق، رقم (٩٩)، ص ١٤٤- ١٤٥.
[١٧] . المصدر السابق، رقم (٢٠٤)، ص ٣٢١.
[١٨] . المصدر السابق، رقم (١٠٩)، ص ١٥٨- ١٥٩.
[١٩] . المصدر السابق، رقم (١١٣)، ص ١٦٧- ١٦٨.
[٢٠] . المصدر السابق، رقم (٩٨)، ص ١٤٣.
[٢١] . المصدر السابق، رقم (٢٠٦)، ص ٣٢٣.
[٢٢] . انظر المصدر السابق، رقم (٥٣)، ص ٤٢٦- ٤٤٥.ايضا: رقم (٦٩)، ص ٤٥٩- ٤٦٠.ايضا: رقم (٢٧)، ص ٣٨٣- ٣٨٥.ايضا: رقم (٦٧)، ص ٤٥٧- ٤٥٨.
[٢٣] . المصدر السابق، رقم (٢٧)، ص ٣٨٤- ٣٨٥.
[٢٤] . المصدر السابق، رقم (٦٧)، ص ٤٥٧.
[٢٥] . المصدر السابق، رقم (٤٢)، ص ٤١٤.
[٢٦] . المصدر السابق، رقم (٦٨)، ص ٩٨.
[٢٧] . المصدر السابق رقم (٣٤)، ص ٤٠٧.
[٢٨] . انظر صحيح ابن ماجة، باب فضائل اصحاب رسول الله (ص.)
[٢٩] . المصدر السابق، رقم (٣٧)، ص ٨١.
[٣٠] . مستدرك الصحيحين، ج ١، ص ٤٥٧.
[٣١] . نهج البلاغة، رقم (٣)، ص ٣٦٤.
[٣٢] . المصدر السابق، رقم (٥)، ص ٣٦٦.
[٣٣] . المصدر السابق، رقم (٢٠)، ص ٣٧٧.
[٣٤] . المصدر السابق، رقم (٢٣٢)، ص ٣٥٣.
[٣٥] . المصدر السابق، رقم (٧١)، ص ٤٦١- ٤٦٢.
[٣٦] . المصدر السابق، رقم (٤٣)، ص ٤١٥.
[٣٧] . ابن قتيبة، الامامة والسياسة، ص ١٠٧- ١٠٨.
[٣٨] . المصدر السابق، رقم (٤٤)، ص ٨٥.
[٣٩] . المصدر السابق، رقم (٢٢٤)، ص ٣٤٦- ٣٤٧.
[٤٠] . المصدر السابق، رقم (١٢٦)، ص ١٨٣.
[٤١] . المصدر السابق، رقم (١٥)، ص ٥٧.
[٤٢] . المصدر السابق، رقم (٣١)، ص ٧٤.
[٤٣] . المصدر السابق، رقم (٣٢)، ص ٤٠٦.
[٤٤] . المصدر السابق، رقم (٣٦)، ص ٨٠.
[٤٥] . المصدر السابق، رقم (١٢٢)، ص ١٧٨- ١٧٩.
[٤٦] . المصدر السابق، رقم (١٤)، ص ٣٧٣.
[٤٧] . المصدر السابق، رقم (٥١)، ص ٤٢٥.
[٤٨] . المصدر السابق، رقم (٢٥)، ص ٣٨٠- ٣٨١.
[٤٩] . المصدر السابق، رقم (١٣٦)، ص ١٩٤.
[٥٠] . المصدر السابق، رقم (٧٠)، ص ٩٩.

المصادر

١. ابن قتيبة الدينوري، الامامة والسياسة، تحقيق علي شيري، دار الاضواء، الطبعة الاولى، ١٩٩٠، لبنان.

٢. الامام علي بن ابي طالب، نهج البلاغة، مجموع ما اختاره الشريف الرضي، تحقيق د.صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الثانية، ١٩٨٢، لبنان.

٣. عباس محمود العقاد، عبقرية الامام علي، دار الكتاب العربي، ١٩٦٧، لبنان.

٤. محمد باقر الصدر، اهل البيت تنوع ادوار ووحدة هدف، مؤسسة البعثة، الطبعة الاولى، ١٤٠٤ ه.ق، ايران.

٥. مرتضى المطهري، العدل الالهي، ترجمة محمد عبد المنعم الخاقاني، الدار الاسلامية.

إنتهى .

* قسم العلوم السياسية – كلية العلوم الاجتماعية – جامعة الكويت

منقول (بتصرف) من مجلة آفاق الحضارة الاسلامية العدد ٩ السنة ١٤٢٣هـ  .
المصدر: http://arabic.balaghah.net

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق