سادة القافلةسيرة أهل البيت (ع)في رحاب نهج البلاغةمناسباتمنوعات

العدالة السياسية عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام – الثاني

الدكتور حامد العبد الله

والدكتور عبد الله سهر

القسم الثاني: الواقع السياسي في عصر خلافة علي (عليه السلام)

بعد ان انتهينا من رصد اهم البنود، التي تحدد واجبات الحاكم، وواجبات المحكوم، نريد الآن تتبع الحالة السياسية قبيل استلام الامام علي (عليه السلام) الخلافة، وحتى استشهاده، لنرى هل التزم علي (عليه السلام) – بعد ان اصبح مبسوط اليد – باداء حق المسلمين؟ كما نريد دراسة مدى التزام المسلمين باداء واجبهم تجاهه، هل التزم المسلمون باداء حق علي؟ اذن كان القسم الاول دراسة في النظرية، وهذا القسم دراسة في التطبيق.

* علي (عليه السلام) والخلافة بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله)

يمكننا القول بجراة ان اول اختلاف بين المسلمين، جرى بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله)، كان يتعلق في مسالة خلافته، ( صلى الله عليه وآله) .

حيث انقسم المسلمون بين اكثرية استجابت لنتائج مفاوضات السقيفة وبايعت ابا بكر، واقلية تحفظت عن البيعة، والتفت حول علي (عليه السلام)  . وتفاقم الاختلاف لحظة اختيار عثمان كخليفة ثالث.

ونحن في هذا البحث، لن نتوسع في الحديث عن تلك الحقبة، مع ان عليا يعبر عنها – في خطبته الشقشقية – بقوله: «ارى تراثي نهبا» ، ويؤكد على ان حقه استلب – ابتداء – بعد رسول الله، ( صلى الله عليه وآله) . فالخليفة الاول – كما يؤكد علي (عليه السلام) – تقمص الخلافة منه، وهو يعلم ان محله منها محل القطب من الرحى.

ويبدي علي (عليه السلام) – في خطبته الشقشقية – عجبه من الخليفة الاول، فرغم انه كان ينادي «اقيلوني فلست بخيركم » ، لكن عندما دنا اجله، عقد الخلافة لآخر بعده. ويفسر هذا الموقف بانه نتيجة تحالف قديم بين الخليفة الاول والثاني، طالما تشطرا ضرعيها .

ثم يعجب من الخليفة الثاني، حينما قرر ان تكون الخلافة بعده شورى، وسبب عجبه ان احقيته بالخلافة لم يكن فيها ادنى شك مع الاول، فكيف تصح مقارنته بالخليفة الثالث، حتى يقال ان للشورى الكلمة الفصل؟

وماذا كانت نتيجة الشورى؟ لقد انساق احد اعضاء الشورى المزعومة إلى حقد قديم يكنه اليه، ومال عضو آخر إلى عثمان لانه صهره، وكانت النتيجة ان تسلم الخليفة الثالث الخلافة، وبدات الكوارث تحل على المسلمين، حيث قام هو وابناء عمومته بنهب اموال المسلمين نهبا.

ويؤكد علي على ان موقفه طوال هذه الحقبة كان بين امرين: اما ان يدخل معركة غير متكافئة مع خصومه، فتكون الخسارة على الاسلام نفسه، او ان يصبر على هذه الفتنة الحالكة السواد، التي يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير.

فقرر ان يلتزم بالخيار الثاني رغم مرارته، فصبر وفي العين قذى، وفي الحلق شجى.

لقد كان موقفه صعبا جدا، وفي غاية الدقة، لقد كان بمثابة ذلك الراكب للناقة التي لم تروض بعد، ان زاد من شد الحبل، قطع موضع ربط الحبل (دمار التجربة الاسلامية)، وان ارخاه، وترك الناقة تدور حيث تشاء، اقتحمت الناقة اماكن يتعين ان لا تقتحمها (انحراف التجربة عن جادتهما) [١] .

لقد كان قرار علي (عليه السلام) النهائي – فيما يتعلق بالتداول غيرالمشروع للسلطة – يتلخص فيما قاله عندما عزم القوم على بيعة عثمان: «لقد علمتم اني احق الناس بها من غيري ، ووالله لاسلمن ما سلمت امور المسلمين، ولم يكن فيها جور الا على خاصة، التماسا لاجر ذلك وفضله، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه » [٢] .

وعندما مضى جيل او اكثر على هذه الحوادث، ودخل كثيرون في الاسلام، وولد جيل لم يكن يعرف حقيقة ما جرى، كان هذا الجيل يسال عليا عن ذلك على الدوام، وكان علي يجيب اجابات مقتضبة، يبين فيها من ناحية حقيقة الموقف، لكنه لا يسترسل، حتى لا يعيش الجيل الجديد في الماضي، وينسى المستجدات الخطيرة، المتمثلة بالناكثين والقاسطين والمارقين، فحينما ساله بعض اصحابه: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وانتم احق به؟ اجابه باختصار شديد: «…انها كانت اثرة، شحت عليها نفوس قوم، وسخت عليها نفوس اخرىن، والحكم لله، والمعود اليه يوم القيامة..وهلم الخطب في ابن ابي سفيان، فلقد اضحكني الدهر بعد ابكائه.. .الخ » [٣] .

وحينما ساله اهل مصر عما جرى بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله)، بعث علي (عليه السلام) مع الاشتر يقول: «فلما مضى (الرسول) عليه السلام، تنازع المسلمون الامر من بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر ببالي، ان العرب تزعج هذا الامر من بعده – صلى الله عليه وآله – عن اهل بيته، ولا انهم منحوه عني من بعده.

فما راعني الا انثيال الناس على فلان يبايعونه، امسكت يدي حتى رايت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام، يدعون إلى محق دين محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – فخشيت ان لم انصر الاسلام واهله، ان ارى فيه ثلما او هدما، تكون المصيبة به علي، اعظم من فوت ولايتكم، التي انما هي متاع ايام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السراب، او كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الاحداث، حتى زاح الباطل وزهق، واطمان الدين وتنهنه .

(. . ثم ينتقل مباشرة إلى احداث زمنه، فيبين تكليف هذا الجيل، ويقول) : ولكني آسي ان يلي امر هذه الامة سفهاؤها وفجارها، فيتخذون مال الله دولا، وعباده خولا… الا ترون ان اطرافكم قد انتقصت… انفروا – رحمكم الله – إلى قتال عدوكم..) . [٤]

وعندما كان يخطب ذات مرة، وتعرض إلى موضوع حقه في الخلافة، والتداول غير المشروع للسلطة بعد الرسول (ص)، فقام اليه رجل من اهل السواد، وقطع عليه الكلام، وناوله كتابا، فاقبل علي (عليه السلام) ينظر فيه، فما فرغ من قراءته، طلب منه ابن عباس مواصلة الحديث، فقال له: يا اميرالمؤمنين، لو اطردت خطبتك من حيث افضيت، فاجابه علي: «هيهات يا ابن عباس، تلك شقشقة هدرت ثم قرت » .

حتى ان ابن عباس كان يقول بعد ذلك: والله ما اسفت على كلام قط، كاسفي على هذا الكلام، الا يكون اميرالمؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث اراد. [٥]

نكتفي بهذه الاشارة إلى مرحلة، ما بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله) وحتى خلافة عثمان، ونبدا من نقطة تفاقم الاحداث في عهد عثمان، بعد ان اثار اهل الكوفة واهل مصر، وساد تذمر كبير في مدىنة الرسول ( صلى الله عليه وآله)، وسئم الناس عهد عثمان لطوله، وسئموا تجاوزاته، ومحاباته لابناء عمومته.

* علي (عليه السلام) وموقفه من فتنة مقتل عثمان

يتحدث المؤرخ ابن قتيبة الدينوري – في كتابه الامامة والسياسة – عن وثيقة كتبها بعض صحابة رسول الله ( صلى الله عليه وآله)، يرصدون فيها التجاوزات، التي تورط فيها عثمان خلال حكمه، ولعلها اول وثيقة اعتراضية مكتوبة في الاسلام.

يقول ابن قتيبة:

«اجتمع ناس من اصحاب النبي – عليه الصلاة والسلام – فكتبوا كتابا، ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان سنة رسول الله وسنة صاحبيه، وما كان من تطاوله في البنيان، حتى عدوا سبع دور، بناها بالمدينة، دارا لنائلة، ودارا لعائشة، وغيرهما من اهله وبناته، وبنيان مروان القصور بذي (موضع بالمدينة)، وعمارة الاموال بها من الخمس الواجب لله ولرسوله، وما كان من افشائه العمل والولايات في اهله وبني عمه من بني امية، احداث وغلمة لا صحبة لهم من الرسول ولا تجربة لهم بالامور، وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة اذ صلى بهم الصبح – وهو امير عليها سكران – اربع ركعات، ثم قال لهم: ان شئتم ازيدكم صلاة، زدتكم، وتعطيله اقامة الحد عليه، وتاخيره ذلك عنه، وتركه المهاجرين والانصار لا يستعملهم على شي ء، ولا يستشيرهم، واستغنى برايه عن رايهم، وما كان من الحمى حول المدينة، وما كان من ادراره القطائع والارزاق والاعطيات، على اقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبي عليه الصلاة والسلام، ثم لا يغزون ولا يذبون، وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط، وانه اول من ضرب بالسياط  ظهور الناس، وانما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرة والخيزران » [٦] !

ويمكن ان نلخص تلك التجاوزات بانها تتمثل بالتلاعب بالمال العام، انتشار الشللية والمحسوبيات، التمييز القبلي، تعيين الفساق والمستهترين بمصالح الامة، التفرد بالراي، القسوة في التعامل مع الرعية، انتشار البدع، حياة مرفهة للحاكم واقربائه، تعطيل اقامة الحد…الخ.

هذه التجاوزات – كما ترى – تتجاهل واجبات الحاكم : من زهد في المعيشة، وطلب المشورة، واقامة الفرائض، واماتة البدع، والحفاظ على بيت مال المسلمين، واقامة الحدود، والرافة مع الرعية…وغيرها من العناوين التي افترضنا انها واجبات الحاكم في الاسلام.

حاول بعض الصحابة القيام بمساع اصلاحية صادقة، قبل فوات الاوان، لكنها لم تجد نفعا، فتلك الوثيقة التي كتب فيها الصحابة تجاوزات عثمان، قدمها عمار بن ياسر اليه، فكانت النتيجة ان امر الاخير بضربه، فضرب عمار، وشاركهم عثمان بالضرب – على ما ينقل ابن قتيبة – إلى ان فتقوا بطنه، فغشي عليه، وجروه حتى طرحوه على باب الدار. [٧]

وقام ابوذر بالانكار، حتى اضطر عثمان لنفيه للشام، فاشتكى معاوية منه، فاعاده عثمان إلى المدينة. وعندما يئس من اسكاته، نفاه إلى الربذة، فقام علي بتوديع ابي ذر، قائلا له:

«يا ابا ذر، انك غضبت لله، فارج من غضبت له، ان القوم خافوك علي دنياهم، وخفتهم علي دينك، فاترك في ايديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه، فما احوجهم إلى ما منعتهم، وما اغناك عما منعوك! وستعلم من الرابح غدا..» . [٨]

كانت التجاوزات تتراكم بالتدريج، وكان الحنق الشعبي يزاد بازدياد تلك التجاوزات، وانقسم المجتمع الاسلامي إلى طبقتين، اقلية غنية مرفهة، لا تخوض غمار الحروب والفتوحات، وانما تكتفي بجني الثمار، واكثرية فقيرة معدمة، جديدة العهد بالاسلام، تخوض المعارك، وترى بام عينيها ان غيرها يجني ثمار تضحياتها.

كان وضع علي (عليه السلام) دقيقا للغاية، فمن ناحية كان قد اقسم قائلا: والله لاسلمن ما سلمت امور المسلمين، ولم يكن فيها جور الا على خاصة » ، وها هي امور المسلمين لم تعد سالمة، وها هو الجور لم يعد واقعا عليه خاصة، فعليه اذن واجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوقوف امام هذا الانحراف الكبير الذي بات يهدد وجود الامة باسرها.

لكن موقفه حرج من ناحية ثانية، لسببين، اولهما انه كان يرى نفسه احق بالخلافة، واي تحرك احتجاجي سيعطي ذريعة للملتفين حول عثمان، في اتهامه بالسعي نحوعرقلة المسيرة، ووضع العصا في العجلة، فالقرار لم يعد بيد عثمان، وانما بيد الملتفين حوله من ابناء عمومته.

السبب الثاني – وهو الاهم – ان الحركة الشعبية الاحتجاجية، وان كان قد وقع الظلم عليها، لكنها حركة غير ناضجة، جديدة العهد بالاسلام، هائجة، يصعب التحكم بمسارها، اختلط عليها الحق والباطل، واختلطت عليها المعايير.

وهذه النقطة سنتوقف عندها بعد قليل.

كانت الانظار تتجه نحو علي (عليه السلام)، يرىدون معرفة كيفية معالجته، لمعضلة غير مسبوقة، المت بالاسلام والمسلمين.فماذا صنع علي (عليه السلام) ؟

لقد حاول علي ان يمسك العصا من الوسط ما امكنه، فلعب دور الوسيط اكثر من مرة، بين جماهير هائجة، فلت زمامها، ولم تعد تستمع الا لمن يرىد ان يزيد تهييجها، او على الاقل لمن يرىد ان يتفهم معاناتها، وحاكم لم يعد قراره بيده، بسبب الشيخوخة وتسلط المحيطين به، وبالخصوص مروان.

لما اجتمع الناس اليه، وشكوا ما نقموه على عثمان، قام علي (عليه السلام) ودخل على عثمان، وقال له: «ان الناس ورائي، وقد استسفروني بينك وبينهم (جعلوني سفيرا)، ووالله ما ادري ما اقول لك! ما اعرف شيئا تجهله، ولا ادلك على امر لا تعرفه.انك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شي ء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشي ء فنبلغكه، وقد رايت كما راينا، وسمعت كما سمعنا، وصحبت رسول الله – صلى الله عليه وآله – كما صحبنا، وما ابن ابي قحافة ولا ابن الخطاب باولى بعمل الحق منك، وانت اقرب إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وشيجة رحم منهما، وقد نلت من صهره ما لم ينالا.

فالله الله في نفسك! فانك والله ما تبصر من عمى، ولا تعلم من جهل…وان شر الناس عند الله امام جائر، ضل وضل به، فامات سنة ماخوذة، واحيا بدعة متروكة، واني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وآله – يقول: «يؤتى يوم القيامة بالامام الجائر، وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى في نار جهنم، فيدور فيها كما تدور الرحي، ثم يرتبط في قعرها» واني انشدك الله، الا تكون امام هذه الامة المقتول، فانه كان يقال: يقتل في هذه الامة امام يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس امورها عليها، ويبث الفتن فيها، فلا يبصرون الحق من الباطل، يموجون فيها موجا، ويمرجون فيها مرجا، فلا تكونن لمروان سيقة، يسوقك حيث شاء، بعد جلال السن، وتقضي العمر» .

فقال له عثمان: كلم الناس في ان يؤجلوني، حتى اخرج اليهم من مظالمهم، فقال عليه السلام: ما كان بالمدينة فلا اجل فيه، وما غاب، فاجله وصول امرك اليه. [٩]

لكن عثمان لم يتخذ اي اجراء، فعلي يؤكد للناس ان الامور في طريقها إلى الحل.

بل على العكس، كان كلما حاول ان يتخذا اجراء من هذا القبيل، اما ان يثنيه عن ذلك المقربين منه – وبالخصوص مروان – او يقومون بخطوات تزيد من نقمة الناس، وترسل اليهم اشارات خاطئة، تؤكد لهم ان الامور يائسة بالفعل، ولا امل في الاصلاح، وان قرارات عثمان لم تعد بيده، وانما بيد ابناء عمومته، الذين لا سابقة لهم في الاسلام.

لما اشتد الطعن على عثمان، بدا الناس يهتفون باسم علي للخلافة، فاستاذن علي (عليه السلام) عثمان في بعض بواديه يتنحى إليها – حتى لا يتهم باستغلال الظرف لصالحه – فاذن له.

واشتد الطعن على عثمان بعد خروج علي، فارسل عثمان إلى علي يساله التوسط مرة اخرى.

وتكررت الوساطات، ومن المعلوم ان الوساطات حينما تتكرر تفقد بريقها، ويفقد الوسيط تاثيره.

كان عثمان تارة يطلب من علي التوسط، وتارة اخرى يطلب منه الخروج من المدينة والا يتدخل، لذا نجده يجيب ابن عباس حينما جاءه برسالة من عثمان، وهو محاصر في بيته، يساله الخروج من المدينة: «يا بن عباس، ما يرىد عثمان الا ان يجعلني جملا ناضحا بالغرب، اقبل وادبر! بعث إلى ان اخرج، ثم بعث إلى اقدم، ثم هو الآن يبعث إلى ان اخرج! والله لقد دفعت عنه حتى خشيت ان اكون آثما» .

والعبارة الاخيرة تهمنا للغاية: «والله لقد دفعت عنه حتى خشيت ان اكون آثما» ، لانها توضح تماما حقيقة المازق.

فمن ناحية هو يدافع عن الخليفة حتى لا تتورط الجماهير بهتك منصب الخلافة، وحتى لا ينفتح على الامة باب الفتن.

لكنه من ناحية ثانية يخشى من المبالغة في الدفاع عن الخليفة، الامر الذي قد يعد دفاعا عن امام جائر وركونا إلى ظالم، وخذلانا لامة مظلومة فبدل ان يكون ماجورا في وساطته، يصبح آثما.

وانصافا لعلي لابد ان نقول: لم يقف احد مدافعا عن عثمان كعلي (عليه السلام)، حتى اولئك الذين طالبوا بدمه بعد مقتله، حتى طلحة والزبير وعائشة، بل حتى مروان ومعاوية.

لقد كان موقف الفريق الاول يتمثل في استثارة الجماهير وتهييجهم، فالاول والثاني والثالث، كل واحد منهم، حرض الجماهير على عثمان والرابع والخامس كان يحرض عثمان على عدم التنازل للجماهير، لذا، بعد ان مرت تلك الحوادث المريرة عندما سئل علي عن مغزى ما وقع، يقول: «لو امرت به (يعني لو امرت الجماهير وحرضهم على قتله) لكنت قاتلا، او نهيت عنه لكنت ناصرا غير ان من نصره لا يستطيع ان يقول: خذله من انا خير منه، ومن خذله لا يستطيع ان يقول: نصره من هو خير مني » . ثم بعد ذلك يلخص تلك الفتنة بعبارة موجزة بالغة الدقة فيقول: «وانا جامع لكم امره، استاثر فاساء الاثرة، وجزعتم فاساتم الجزع، ولله حكم واقع في المستاثر والجازع » [١٠] .

والتعرض لفتنة مقتل عثمان، بالغ الاهمية – لبحثنا هذا – لان الصورة لن تتضح اذا عرفنا بالضبط حقيقة موقف علي (عليه السلام) من تلك الفتنة فاكثر الفتن اللاحقة، كان سببها ما قام به اولئك من خلط للاوراق لكن لماذا استطاعوا خلط الاوراق؟ ولماذا استطاعوا ارباك الساحة؟ والسؤال الاهم: هل كان علي ظالما ام مظلوما؟ هل سلب علي حق احد منهم؟ ام ان الاخرىن سلبوا حقه؟

 * حال المسلمين في تلك اللحظة:

١. طاقة حرارية لا وعيا:

حينما نطالع تاريخ الصحابة في صدر الاسلام، سوف تبهرنا انوارهم في المجال الروحي والفكري والنفسي، في مجال الجهاد والتضحية لقد قدمت هذه الامة من التضحيات – في سبيل رسالتها – ما لم تقدم مثله اي امة من امم الانبياء قبل الرسول (ص)، الايثار والتآخي اللذان شاعا بين المهاجرين والانصار، التسابق على الشهادة، لقد تفاعلوا وانصهروا، فرسموا اروع صور التضحية والفداء.

الا ان هذه الحالات كانت قائمة على اساس الطاقة الحرارية التي كانت تمتلكها الامة من لقاء قائدها العظيم، ولم تكن قائمة على اساس درجة كبيرة من الوعي الحقيقي للرسالة العقائدية نعم، كان الرسول ( صلى الله عليه وآله) يمارس عملية توعية الامة – هذه العملية التي كانت مضغوطة – لكن ما انجز في هذه العملية هو اعطاء الامة طاقة حرارية في الايمان بدرجة كبيرة جدا، وكان يفترض ان تستكمل هذه العملية، بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) مباشرة، مع خلافة علي (عليه السلام) [١١] .

هذه الامة التي عاشت مع اكمل قائد للبشرية، اكتسبت هذه الطاقة الهائلة من اشعاع الرسول (ص)، فصنعت البطولات والتضحيات التي يقل نظيرها في تاريخ الانسان.

هذه النماذج الرفيعة انما هي نتاج هذه الطاقة الحرارية التي جعلت الامة الاسلامية تعيش ايام الرسول (ص) محنة العقيدة والصبر، وتتحمل مسؤولية هذه العقيدة بعد وفاته (ص)، هذه هي طاقة حرارية وليست وعيا، لذا يجب ان نفرق بين الطاقة الحرارية وبين الوعي.

الوعي: عبارة عن الفهم الفعال الايجابي الذي يتاصل، ويستاصل جذور المفاهيم الجاهلية السابقة استئصالا كاملا.

اما الطاقة الحرارية: فهي عبارة عن توهج عاطفي حار، بشعور قد يبلغ في مظاهره نفس ما يبلغه الوعي في ظواهره، فيتحير المراقب، حيث يصعب عليه التمييز بين الامة التي تحمل طاقة حرارية، وبين امة تتمتع بذلك الوعي، الا بعد التبصر.

الا ان الفرق بين الامة الواعية، والامة التي تحمل طاقة حرارية كبيرة، فالطاقة الحرارية – بطبيعتها – تتناقص بالتدريج بالابتعاد عن مركز هذه الطاقة الحرارية.والمركز الذي كان يمون الامة بهذه الطاقة الحرارية هو شخص الرسول ( صلى الله عليه وآله) القائد، فكان طبيعيا ان تصبح الطاقة من بعده في تناقص مستمر، هكذا حال الشخص الذي يتزود من الطاقة الحرارية للشمس والنار، ثم يبتعد عنهما، فان هذه الحالة تتناقص عنده باستمرار.وتاريخ الاسلام يثبت ان الامة الاسلامية كانت في حالة تناقص مستمر من هذه الطاقة الحرارية التي خلفها الرسول ( صلى الله عليه وآله) في امته حين وفاته.

وهناك فرق آخر، هو ان الوعي لا تهزه الانفعالات، يصمد امامها، اما الطاقة الحرارية فتهزها الانفعالات.الطاقة الحرارية تبرز على سطح النفس البشرية، اما الوعي فهو شيء يثبت في اعماق هذه النفس. ففي حالة الانفعال، سواء كان الانفعال حزنا والما، او فرحا وانتصارا، في كلا الحالتين سوف يتفجر ما وراء الستار، ويبرز ما كان كامنا وراء هذه الطاقة الحرارية في الامة المزودة بهذه الطاقة فقط. اما الامة الواعية، فوعيها يتقوى على مر الزمن، فكلما مر بها انفعال جديد، اكدت شخصيتها الواعية في مقابل هذا الانفعال، وصبغته بما يتطلبه وعيها من موقف. [١٢]

والشواهد على ان الامة الاسلامية كانت تحمل طاقة حرارية، ولم تكن تحمل وعيا مستنيرا، مجتثا لاصول الجاهلية فيها…كثيرة، لا يسعنا المقام لاستعراضها.

الا ان الحوادث التي وقعت للامة بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله)، وابتداء من خلافة عثمان على وجه الخصوص، تؤكد هذه المقولة. فمع ازدياد الفاصل الزمني عن وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله)، بدات الصورة الاسلامية الناصعة تتغير، وبدات ملامحها تتبدل، حيث اختلطت المعايير في اذهان عامة المسلمين، واختلط الحق بالباطل، واصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا.

ويؤكد لنا علي (عليه السلام) ، هذه الحقيقة عندما يقول: «ايها الناس، انا قد اصبحنا في دهر عنود، وزمن كنود، يعد فيه المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوا، لا ننتفع بما علمنا: ولا نسال عما جهلنا، ولا نتخوف فارعة حتى تحل بنا» [١٣].

٢. جيل جديد لم ينضج بعد:

هناك نقطة نقطة اخرى لابد ان ناخذها بعين الاعتبار، وهي ان ثمة جيل جديد بدا يبرز على الساحة في عهد عثمان الطويل.هذا الجيل كثير منهم لم يوفق لرؤية الرسول ( صلى الله عليه وآله) وصحبته – اما لصغر سنه، او لكونه لم يولد بعد، فبات يعد من التابعين، او لدخوله في الاسلام بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله)، وهؤلاء – بمجموعهم – اصبحوا يمثلون اكثرية الامة.

هذا الجيل لم يعاصر الاسلام في بداياته، ولم يتعرف على الادوار التي لعبها رموز الجيل الطليعي، ولم يتشرف بالتزود حتى بالطاقة الحرارية من الرسول ( صلى الله عليه وآله) . كل ما عاصره، هو جيل الصحابة، يحكي له قصص ماض مجيد، ويفتخر بصحبته للرسول ( صلى الله عليه وآله)، لكن هذا الجيل – جيل الصحابة – كان يفقد بريقه ووهجه بالتدريج، بعدما تحلل من حياة الزهد، بعد فتح فارس والروم.

كان الجيل الجديد هو وقود الفتوحات الكبيرة، والجمهور المحتج على عثمان هو من هذا الجل الجديد، الذي شارك في الفتوحات، وقدم التضحيات، لكن كان آخرون من الصحابة وابنائهم «ياخذون العطايا ولا يغزون في سبيل الله » [١٤] .

انه جمهور مظلوم، مضطهد، مستضعف لكن من ناحية اخرى، لم يتلق هذا الجيل تربية اسلامية سليمة، ولم يفتح عينيه على الصور الرائعة التي دشن من خلالها المسلمون عهدهم، ولم يتنفس هواء نقيا، وانما هو جيل تم اهماله لفترة طويلة من الزمن – تبلغ ما يقرب من عقدين – وفتح عينيه على تطبيق معايير مزدوجة، وعلى مجتمع من الصحابة كل يدعي الفضيلة لنفسه، فاستوى لديه الصحابي المضحي، الذي كانت له سابقة استثنائية في الاسلام، بالصحابي الذي لم يسلم الا في وقت متاخر جدا، وهو ممن شارك في حروب ضد الاسلام، ولم يدخل في الدين الا بعد ان قويت شوكته، واصبح امرا واقعا، لا يمكنه تجاهله.

هذه الامة لم تترب على الائتمام بامام، يشبع حاجاتها الروحية والفكرية والنفسية، وانما وجدت امامها خليفة متحيزا لابناء عمومته، «يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع » [١٥] – على حد تعبير علي (عليه السلام) – فكانت النتيجة ان اصبح كل واحد امام نفسه !

يقول علي (عليه السلام) : «وما لي لا اعجب من خطا هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها! لا يقتصون اثر نبي، ولا يقتدون بعمل وصي، ولا يؤمنون بغيب، ولا يعفون عن عيب، يعملون في الشبهات، ويسيرون في الشهوات، المعروف فيهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما انكروا، مفزعهم في المعضلات انفسهم، وتعويلهم في المهمات على آرائهم، كان كل امرئ منهم امام نفسه، قد اخذ فيما يرى بعرى ثقات، واسباب محكمات » !

٣. التشتت والاختلاف:

الصورة التي رسمناها للجيل الجديد، قد تنطبق على اكثر ديار الدولة الاسلامية، الا ان الشام تختص بامر اضافي فبسبب ضعف الحكومة المركزية في عصر عثمان، استطاع معاوية في الشام ان ينشئ مظاهر ملكية مستقلة في الشام، لا تشبه الوضع السياسي في باقي الاقاليم، مما رسخ نوعا من الانفصالية في الشام عن باقي اجزاء كيان الدولة الاسلامية.

فالشام لم تعرف حاكما مسلما قبل معاوية بن ابي سفيان، وقبل اخيه يزيد، وقد اعطى صلاحيات استثنائية من قبل الخليفة الثاني، بدعوى ان هذا يكون مظهر عز وجلال للاسلام في مقابل دولة القياصرة. [١٦]

الجيل الجديد في الشام لم يكن غير متلق لتربية اسلامية صحيحة فحسب، وانما تلقى تربية مشوهة على يد معاوية. ولم يكن لعلي – ولا غيره من كبار الصحابة – اي رصيد او قاعدة شعبية في ذلك الاقليم على الاطلاق، لان هذا الاقليم عاش الاسلام من منظار آل ابي سفيان، ولم يسمع بعلي. [١٧]

هذا الامر يؤكده معاوية نفسه حينما قال لعمار بالمدينة: «ان بالشام مئة الف فارس، كل ياخذ العطاء، مع مثلهم من ابنائهم وعبدانهم، لا يعرفون عليا ولا قرابته، ولا عمارا ولا سابقته، ولا الزبير ولا صحابته، ولا طلحة ولا هجرته، ولا يهابون ابن عوف ولا ماله، ولا يتقون سعدا ولا دعوته »[١٨] .

* علي يستلم الخلافة:

في المدينة كانت عائشة تحرض الجمهورعلى الثورة من جهة، وطلحة والزبير يحرضانه من جهة اخرى، وعبدالرحمن بن عوف يبدي اسفه وندمه، على ترجيحه عثمان، ومروان ومعاوية وعمروبن العاص يحرضون عثمان على العناد والتمسك بمواقفه.

والجمهور الهائج المحتج على عثمان، القادم من الكوفة ومصر، لم يكن يعرف عليا حق المعرفة.

لم يكن ينظر لعلي الا بوصفه ابن عم للرسول ( صلى الله عليه وآله)، واقرب الناس اليه، صحابي جليل، لم تلوثه الدنيا بزخارفها – كما لوثت كثير من الصحابة – كانوا ينظرون اليه على انه بديلا ملائما لعثمان، متفهما لمشاعرهم، ومتحسسا لآلامهم ومظلوميتهم. لم يكن ينظر اليه على انه المنصوب من قبل الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله)، بل لم ينظر اليه حتى كمرشح منافس للخليفة الاول، فضلا عن الثاني. لقد كانت مشكلتهم مع عثمان، والزمرة الملتفة حوله، ولم يكن همهم الا ازاحة هذا الكابوس الذي جثم على صدورهم.

بمجرد ان انتهوا من تصفية عثمان، هجموا على دارعلي يطالبونه قبول البيعة.

ويصف علي هذا الموقف بقوله: «فتداكوا عليّ تداك الابل الهيم يوم ورودها، وقد ارسلها راعيها، وخلعت مثانيها، حتى ظننت انهم قاتلي، او بعضهم قاتل بعض لدي » [١٩] .

انه لموقف مخيف حقا: جمهور هائج، يموج غضبا، يتطاير شررا، إلى درجة ان عليا ظن ان الشرر قد يطاله شخصيا.

ويصف الموقف في خطبته الشقشقية: «فما راعني الا والناس – كعرف الضبع – يناثلون علي من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم » [٢٠] .

ماذا كان موقف علي؟ لقد رفض البيعة، وقال لهم: «دعوني والتمسوا غيري، فانا مستقبلون امرا له وجوه والوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول وان الآفاق قد اغامت، والمحجة قد تنكرت، واعلموا اني ان اجبتكم ركبت بكم ما اعلم، ولم اصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وان تركتموني فانا كاحدكم، ولعلي اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امركم، وانا لكم وزيرا، خير لكم مني اميرا» [٢١] .

لاحظ…انه يؤكد على ان قبول البيعة – ان تم – فهو مشروط بان يقرر ما يمليه عليه ضميره، وما يراه صوابا، ولن يتاخر في اتخاذ القرارات المصيرية عند راي هذا او ذاك، لان الوضع لم يعد يتحمل اي تاخير، ولن تكن تلك القرارات الا بمثابة انقاذ ما يمكن انقاذه  فان قبلتم الشرط فهو، والا اتركوني، فقد اكون اطوعكم لمن وليتموه امركم.

وينقل ابن قتيبة ان عليا رفض بيعة الجماهير الغاضبة، على اساس انهم ليسوا من اهل الحل والعقد، قائلا لهم: «ليس ذلك لكم، انما هو لاهل الشورى واهل بدر، فمن رضى به اهل الشورى واهل بدر فهو الخليفة، فنجتمع وننظر.

فيسمعون بقتله، ولا يسمعون انه بويع لاحد بعده، فيثور كل رجل منهم في ناحية، فلا نامن ان يكون في ذلك الفساد، فارجعوا إلى علي، فلا تتركوه حتى يبايع. [٢٢]

وبعد اصرار شديد من الجماهير، وبعد ان اجتمع كبار الصحابة في المسجد، بايع الناس عليا، «وكان اول من صعد المنبر طلحة، فبايعه، وكانت اصابعه شلاء، فتطير منها علي، فقال: ما اخلقها ان تنكث، ثم بايعه الزبير وسعد، واصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – جميعا» [٢٣] .

ما اريد التاكيد عليه ان صحة بيعة علي (عليه السلام) لم تشبها اي شائبة، بل لعلها اكثر البيعات شعبية، حيث اجمع عليها الصحابة وعامة الناس على السواء، باستثناء مروان ونفرا من بني امية وابن ابي معيط، الذين هربوا من المدينة، اما معاوية وعمرو بن العاص فلم يكونا بالمدينة اصلا.

عند هذه اللحظة نبدا بالتعرف على علي، باعتباره حاكما شرعيا، منتخبا من الصحابة وعامة الناس.عند هذه اللحظة تبدا الاستحقاقات، وتبدا سلسلة من الواجبات والحقوق بين الحاكم والمحكوم.

لكن قبل ان ندرس ما اذا التزم الطرفان بواجباتهما، لابد ان نؤكد على ان عليا باشر على الفور اجراء تحقيق في مقتل عثمان; فقد جاء علي بنفسه إلى امراة عثمان، وسالها عما اذا كانت تعرف قتلة عثمان، فقالت له: لا ادري، دخل عليه رجال لا اعرفهم، الا ان ارى وجوههم، وكان معهم محمد بن ابي بكر، فدعا علي محمدا، فساله عما ذكرت امراة عثمان، فقال محمد: صدقت، والله قد دخلت عليه، فذكر لي ابي، فقمت عنه، وانا تائب إلى الله، والله ما قتلته، ولا امسكته، فقالت: صدق. [٢٤]

نذكر هذا حتى يتضح ان عليا لم يتوان في البحث عن قتلة عثمان، لكن من الواضح ان من طبيعة حالات الهيجان الشعبي – خصوصا اذا كانت تعبرعن حالة من الانفجار العفوي – ان يقوم البعض بتصرفات لا واعية، فتجدهم بعد ان يتفرقون، كل يلقي المسؤولية على غيره، ولا يعرف الجاني الحقيقي.لا نقول هذا لتبرير تصرف الجماهير الغاضبة، وانما نصف حالة نفسية تعيشها الجماهير الغاضبة عادة، حالة اشبه ما تكون بالغوغاء، الذين يصفهم علي: «هم الذين اذا اجتمعوا غلبوا، واذا تفرقوا لم يعرفوا» [٢٥] .

مضافا إلى ذلك ان هدير الجماهير لم يكن يسمح لعاقل ان يستعجل في مواجهته، وهم على ما هم عليه من الانفعال والغضب، فكان لابد ان تهدا الامور قليلا حتى يتسنى للخليفة الجديد التعرف على القتلة، وانزال القصاص العادل بهم.

اذن فعلي استعجل اجراء التحقيق، لكن لم يستعجل القصاص. وحينما طلب بعض الصحابة عليا بمعاقبة قتلة عثمان اجابهم قائلا: «يا اخوتاه، اني لست اجهل ما تعلمون، ولكن كيف لي بقوة والقوم المجلبون على حد شوكتهم، يملكوننا ولا نملكهم! ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، والتفت اليهم اعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاؤوا، وهل ترون موضعا لقدرة على شيء تريدونه؟ ان هذا امر جاهلية…فاصبروا حتى يهدا الناس، وتقع القلوب مواقعها..» [٢٦] .

هذه الحالة الغوغائية – للاسف الشديد – لم تهدا مع خلافة علي (عليه السلام)، الا بعد حرب الجمل والنهروان، بعد ان تصدى لها علي تصديا مباشرا، حيث قال: «ايها الناس، فاني فقات عين الفتنة، ولم يكن ليجترئ عليها احد غيري، بعد ان ماج غيهبها، واشتد كلبها…ان الفتن ان اقبلت شبهت، واذا ادبرت نبهت، ينكرن مقبلات، ويعرفن مدبرات (اي ان انساق البعض – في وقت من الاوقات – إلى تلك الفتن، واشتبهت عليه الامور، فلا يفوتنه اخذ الدروس والعبر منها…) الا وان اخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني امية، فانها فتنة عمياء مظلمة، عمت خطتها، وخصت بليتها..» [٢٧] .

بعد ان شرحنا الاجواء العامة، التي جاء من خلالها علي إلى الخلافة، علينا ان ندرس موقف المسلمين – بوصفهم محكومين – من حاكمهم; هل ادوا حقه؟ هل قاموا بواجبهم تجاهه؟ ثم بعد ذلك علينا ان ندرس موقف علي – بوصفه حاكما – من المسلمين، هل ادى حق المسلمين؟ وهل قام بواجبه تجاههم؟ حينما نقارن بين هذا وذاك، سنعرف اي الطرفين كان عادلا؟ وايهما كان ظائما؟

* واجبات المحكوم:

١. الوفاء بالبيعة:

نتناول هنا موقف القاسطين، والناكثين، والمارقين، بالاضافة لاولئك الذين اعتزلوا المعارك بحجة التحرز عن التورط في سفك دماء المسلمين.

* علي والقاسطون:

لنبدا من معاوية، ومن التف حوله من بني امية.لقد كانت اكثر الصعاب التي واجهها على بعد بيعته، هو انشقاق معاوية، وتخلف الشام بكامله، عن الانضمام إلى بيعته.

هذا التناقض، شق المجتمع الاسلامي في الدولة الاسلامية إلى شقين، ووجد في كل منهما جهاز سياسي واداري لا يعترف بالآخر. [٢٨]

فمعاوية لم يعص عليا لانه عزل عن الولاية، وانما كان ذلك في اكبر الظن جزءا من مخطط  لمؤامرة طويلة الامد للاموية على الاسلام. [٢٩]

لكن قد يقال بان معاوية لم يكن في المدينة اصلا، ولم يبايع عليا، حتى نقول بوجوب الوفاء بالبيعة. وعلى هذا فمعاوية – وغيره ممن لم يشهد البيعة – لم يلتزم بعقد البيعة، حتى نلزمه بما الزم نفسه. مضافا إلى ذلك ان معاوية اتهم عليا بالتورط في دم عثمان، ومعاوية بوصفه ابن عم لعثمان، يعتبر نفسه ولي الدم، فلابد ان نتفهم موقف معاوية!

لقد اجاب علي عن افكار من هذا القبيل، كان يروج لها معاوية، في كتاب بعثه له، يقول فيه: «انه بايعني القوم الذين بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد ان يختار، ولا للغائب ان يرد، وانما الشورى للمهاجرين والانصار، فان اجتمعوا على رجل وسموه اماما، كان ذلك لله رضى، فان خرج عن امرهم خارج بطعن او بدعة، ردوه إلى ما خرج منه، فان ابى، قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى. ولعمري، يا معاوية، لئن نظرت بعقلك دون هواك، لتجدني ابرا الناس من دم عثمان، ولتعلمن اني كنت في عزلة عنه، الا ان تتجنى، فتجن ما بدا لك! والسلام » [٣٠] .

موقف علي واضح، فمعيار شرعية الحاكم في الاسلام ان كان هو النصب الالهي، فهذا ينطبق على علي لحظة وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله) . وان كان معيار شرعية الحاكم شورى اهل الحل والعقد، فهذا قد تحقق بعد مقتل عثمان.

فعلي هو الحاكم الشرعي بكل المقاييس، ولا يحل لاي مسلم ان يتجاهل النصب الالهي – ان كان هو المعيار المعتمد – او اختيار اهل الحل والعقد – الذي جرت عليه سيرة المسلمين فعد وفاة الرسول (ص) – بدعوى انه لم يكن حاضرا لحظة الاختيار، لان الشورى ان كانت لاهل الحل والعقد، فمعاوية ليس منهم اصلا، حتى يقال انه تم تجاوز رايه. اذن فعلى اي اساس يستند معاوية في رفضه لبيعة علي؟ !

كان جواب معاوية هو التالي: «سلام عليك، اما بعد، فلعمري لو بايعك الذين ذكرت وانت بري ء من دم عثمان، لكنت كابي بكر وعمر وعثمان، ولكنك اغريت بدم عثمان، وخذلت الانصار، فاطاعك الجاهل، وقوي بك الضعيف. وقد ابى اهل الشام الا قتالك، حتى تدفع اليهم قتلة عثمان! فان فعلت كانت شورى بين المسلمين. وانما كان الحجازيون هم الحكام على الناس، والحق فيهم، فلما فارقوه كان الحكام على الناس اهل الشام! ! ولعمري ما حجتك على اهل الشام كحجتك على طلحة والزبير، ان كانا بايعا، فلم ابايعك انا. فاما فضلك في الاسلام وقرابتك من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلست ادفعه » .

يقول العقاد: «من رد معاوية هذا، تبدو النية الواضحة في فتح ابواب الخلاف واحدا بعد آخر. كلما اغلق باب منها بقي من ورائه باب مفتوح. فتسليم قتلة عثمان لا يكفي، لان عليا نفسه متهم بالاغراء والتخذيل.

وبراءة علي من هذه التهمة لا تكفي، لان المرجع بعد ذلك إلى الشورى والنظر في البيعة من جديد. وشورى الحجازيين والعراقيين لا تكفي، لان الحق قد خرج منهم إلى اهل الشام، وهم الحكام على الناس، لانهم يحكمون لمعاوية ولا يحكمون لغيره.

ومن ثم بطلت الحجج والرسائل، كما تبطل كل حجة وكل رسالة، عندما يقال باللسان غير ما يجول في الصدور»  [٣١].

اما اتهامه بالتورط في التساهل مع قتلة عثمان، فيقول: «طالبوه بالقود (القصاص)، ولم يبايعوه، مع ان القود لا يكون الا من ولي الامر المعترف له باقامة الحدود» [٣٢] .

فان كانوا ممن اعترف بشرعية ولايته، فعليهم ان يمهلوه حتى تستقر له الامور، ثم يسالوه القصاص. وان لم يعترفوا بشرعية ولايته، فلماذا يطالبونه بالقصاص اذن؟

خلاصة القول: ان معاوية لم يظلم عليا فحسب – بحيث يكون تحفظه على البيعة، مجرد موقف شخصي – بل ارتكب خيانة عظمى بحق المسلمين، حين شق عصا وحدتهم، في وقت هم احوج ما يكونوا إلى وحدة الكلمة، ورص الصفوف، حتى يندمل جرح مقتل عثمان، وتهدأ النفوس، وتعود الامور إلى نصابها.

* علي والناكثون:

لننتقل الآن إلى موقف طلحة والزبير; لقد راينا ان طلحة والزبير بايعا عليا بشكل واضح لا لبس فيه، اذن علام نكثا البيعة اذن؟

لقد كان يامل طلحة والزبير ان يستعملهما علي على اليمن والعراق، وحينما  تبين لهما انه لن يفعل، نكثا البيعة. ولم يكتفيا بذلك، بل البّا الناس عليه، وهاجرا بصحبة عائشة إلى البصرة، وحرضوا اهلها على قتاله.

ينقل ابن قتيبة: «ان الزبير وطلحة اتيا عليا بعد فراغ البيعة، فقالا: هل تدري على ما بايعناك ؟ … بايعناك على انا شريكاك في الامر، فقال علي: لا، ولكنكما شريكان في القول والاستقامة، والعون على العجز والاود…وكان الزبير لا يشك في ولاية العراق، وطلحة في اليمن، فلما استبان لهما ان عليا غير موليهما شيئا، اظهرا الشكاة، فتكلم الزبير في ملا من قريش، فقال: هذا جزاؤنا من علي، قمنا له في امر عثمان، حتى اثبتنا عليه الذنب، وسببنا له القتل، وهو جالس في بيته وكفى الامر، فلما نال بنا ما اراد، جعل دوننا غيرنا. فقال طلحة: ما اللوم الا انا كنا ثلاثة من اهل الشورى، كرهه احدنا وبايعناه، واعطيناه ما في ايدينا، ومنعنا ما في يده، فاصبحنا قد اخطانا ما رجونا» [٣٣] .

ويبدو انهما بادئ الامر لم ينكثا البيعة علنا، وانما عتبا على علي (عليه السلام) من ترك مشورتهما، والاستعانة في الامور بغيرهما، وكان جوابه لهم: «لقد نقمتما يسيرا، وارجاتما كثيرا، الا تخبراني اي شيء كان لكما فيه حق دفعتكما عنه؟ ام اي قسم استاثرت عليكما به؟ ام اي حق رفعه إلى احد من المسلمين ضعفت عنه، ام جهلته، ام اخطات بابه؟ والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية اربة، ولكنكم دعوتموني إليها، وحملتموني عليها..» [٣٤] .

وعندما نصح ابن عباس عليا، في ان يستعملهما على البصرة والكوفة، لاسترضائهما، اجابه علي: «لولا ما ظهر لي في حرصهما على الولاية، لكان لي فيهما راي » [٣٥] .

لقد فكر طلحة والزبير بمبرر لخروجهما من المدينة، ليهيئا نفسيهما للخطوة التالية، فاتيا عليا فقالا: يا اميرالمؤمنين، أءذن لنا في العمرة، فان تقم إلى انقضائها رجعنا إليك، وان تسر تبعناك، فنظر اليهما علي، وقال: نعم، والله ما العمرة تريدان، وانما تريدان ان تمضيا إلى شانكما، فامضيا [٣٦] .

بعد ذلك خرجا إلى البصرة، يحرضان اهلها عليه، ويعدان العدة للحرب، تحت مبرر الطلب بدم عثمان، واعانتهما على ذلك عائشة. وقد اشرنا من قبل إلى انهما – بالاضافة إلى عائشة – كانا من اشد الناس تحريضا على قتل عثمان! !

حاول علي توضيح الحقيقة للناس، حتى لا يلتبس عليهم الامر، فقال والالم يعتصر قلبه: «والله ما انكروا عليّ منكرا، ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا، وانهم ليطلبون حقا هم تركوه، ودما هم سفكوه، فان كنت لهم شريكا فيه، فان لهم نصيبهم منه. وان كانوا ولّوّه  دوني، فما الطلبة الا قبلهم…ان معي لبصيرتي، ما لبست وما لبس عليّ…اللهم انهما قطعاني وظلماني، ونكثا بيعتي، والبّا الناس عليّ، فاحلل ما عقدا، ولا تحكم لهما ما ابرما، وارهما المساءة فيما املا وعملا، ولقد استثبتهما قبل القتال، واستانيت بهما امام الوقاع، فغمطا النعمة، وردا العافية » [٣٧] .

لقد كانت حجة الناكثين واهية، وعندما حاول الزبير – مثلا – تبرير بيعته لعلي، بانه بايع بيده، ولم يبايع بقلبه! اجاب علي: «يزعم انه قد بايع بيده، ولم يبايع بقلبه، فقد اقر بالبيعة، وادعى الوليجة، فليات عليها بامر يعرف، والا فليدخل فيما خرج منه » [٣٨] .

قررعلي ان يصبر على ناكثي بيعته، طالما لم يؤثر ذلك على وحدة المسلمين. وقد اكد ذلك بقوله: «ان هؤلاء قد تمالؤوا على سخطة امارتي، وساصبر ما لم اخف على جماعتكم، فانهم ان تمموا على فيالة هذا الراي، انقطع نظام المسلمين، وانما طلبوا هذه الدنيا حسدا لمن افاءها الله عليه، فارادوا رد الامور على ادبارها، ولكم علينا العمل بكتاب الله تعالى، وسيرة رسول الله – صلى الله عليه وآله – والقيام بحقه، والنعش لسنته » [٣٩] .

وتطورت الامور دراماتيكيا عندما وصل طلحة والزبير إلى البصرة، وقاما – بالاستعانة بمروان – بالهجوم على عثمان بن حنيف – وإلى علي على البصرة – في منتصف الليل في جماعة معهم، في ليلة مظلمة، سوداء مطيرة، وعثمان نائم، فقتلوا اربعين رجلا من الحرس، فخرج عثمان، فشد عليه مروان فاسره، وقتل اصحابه، فاخذه مروان، فنتف لحيته وراسه وحاجبه. [٤٠]

ولا يخفى ان تصرفات كهذه، فضلا عن كونها بمثابة اعلان حرب، فانها تنطوي على تصغير لشان علي، وتوهينا له امام انضاره واتباعه.

عندما وقعت هذه الحادثة عندئذ اضطر علي للاستعداد لقتالهم، وشرح الموقف لاصحابه بعد أن توجه إلى ربه قائلا: «…اللهم اني استعديك على قريش ومن اعانهم، فانهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، واجمعوا على منازعتي امرا هو لي…فخرجوا يجرون حرمة رسول الله – صلى الله عليه وآله – كما تجر الامة عند شرائها، متوجهين بها إلى البصرة…فقدموا على عاملي بها، وخزان بيت مال المسلمين، وغيرهم من اهلها، فقتلوا طائفة صبرا، وطائفة غدرا. فوالله لو لم يصيبوا من المسلمين الا رجلا واحدا، متعمدىن لقتله، بلا جرم جره، لحل لي قتل ذلك الجيش كله، اذ حضروا فلم ينكروا، ولم يدفعوا عنه بلسان ولا بيد، دع ما انهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدة التي دخلوا بها عليهم » [٤١] .

وتطورت الامور حتى وقعت واقعة الجمل، فتسبب الناكثون باراقة دماء كثيرة للمسلمين، فضلا عن الفتنة التي اوجدوها بين صفوفهم.

لقد سلب الناكثون حق علي، فلم يفوا ببيعتهم له، وحرضوا الناس وألبوهم عليه، فظلموه وسلبوه ابسط حق من حقوقه، بوصفه حاكما شرعيا على المسلمين.

* علي وقريش:

اذ انتقلنا إلى اهل قريش، نرى ان اقرب الناس اليه ترك عليا، ورحل إلى معاوية طمعا في رفده. وعندما كتب اليه عامله في المدينة في ذلك، اجابه علي: «اما بعد، فقد بلغني ان رجالا ممن قبلك يتسللون إلى معاوية، فلا تاسف على ما يفوتك من عددهم، ويذهب عنك من مددهم، فكفى لهم غيا، ولك منهم شافيا، فرارهم من الهدى والحق، وايضاعهم إلى العمى والجهل، وانما هم اهل دنيا مقبلون عليها، ومهطعون إليها، وقد عرفوا العدل وراوه، وسمعوه ووعوه، وعلموا ان الناس عندنا في الحق اسوة، فهربوا إلى الاثرة، فبعدا لهم وسحقا» .

حتى عقيل بن ابي طالب، خذل اخاه والتحق بركب معاوية، بعد حادثة وقعت بينه وبين اخيه، نعترض لها في الصفحات الآتية. لقد وضع عقيل ورقة قوية بيد معاوية يعزر بها موقفه امام اصحابه، عندما التفت معاوية إلى اصحابه قائلا: «يا اهل الشام، هذا سيد قريش، وابن سيدها، عرف الذي فيه اخوه من الغواية والضلالة، فاثاب إلى اهل الدعاء إلى الحق » …ثم امر له بثلاث مئة الف دينار، قائلا: هذه مئة الف تقضي بها ديونك، ومئة الف تصل بها رحمك، ومئة الف توسع بها على نفسك. [٤٢]

اما كبار الصحابة كعبد الله ابن عمرو، وسعد بن ابي وقاص، ومحمد بن مسلمة، فقد اعتزلوا عن مشاهدة علي وحروبه حتى ان عمار بن ياسر قام إلى علي، وطلب منه الاذن بان ياتي اليهم لعلهم يخفون معه في هذا الامر. وعندما اتاهم اعتذر بعضهم، واظهر بعض آخر الكلام القبيح. [٤٣] وطبعا قرارهم بالاعتزال كان له اكبر الاثر على قبائلهم والمتاثرين بمواقفهم الذين تبعوهم في ذلك.

وقد يقال بان موقفهم لم يكن ظلما لعلي. لكن اذا عرفنا بايعوه، وكان لقرارهم الاثر الكبير في تثبيط الناس وتشكيكهم في رسالية معارك علي، سنجزم ان موقفهم ان لم يكن انتصارا للباطل على نحو مباشر، فهو خذلان للحق، لذا يصف علي موقفهم بقوله: «خذلوا الحق، ولم ينصروا الباطل » [٤٤] .

لقد قلنا ان اجابة دعوة الحاكم الشرعي من الواجبات المفروضة على المحكوم، فاذا تباطا، او رفض، او اعتزل عن نصرته، فقد ارتكب ظلما بحقه. لقد كان عليا يدعو الله بالم شديد، وهو على منبره، فيقول: «اللهم ايما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة غير الجائرة، والمصلحة غير المفسدة، في الدين والدنيا، فابى بعد سمعه لها الا النكوص عن نصرتك، والابطاء عن اعزاز دينك، فانا نستشهدك عليه يا اكبر الشاهدين – شهادة، ونستشهد عليه جميع ما اسكنته ارضك وسماواتك، ثم انت بعد، المغني عن نصره، والآخذ له بذنبه » [٤٥] .

—————————————————————————-
[١] . المصدر السابق، رقم (٣)، ص ٤٨- ٤٩.
[٢] . المصدر السابق، رقم (٧٤)، ص ١٠٢.
[٣] . المصدر السابق، رقم (١٦٢)، ص ٢٣١.
[٤] . المصدر السابق، رقم (٦٢)، ص ٤٥١- ٤٥٢.
[٥] . المصدر السابق، رقم (٣)، ص ٥٠.
[٦] . ابن قتيبة الدينوري، الامامة والسياسة، ص ٥٠.
[٧] . المصدر السابق، ص ٥١.
[٨] . نهج البلاغة، رقم (١٣٠)، ص ١٨٨.
[٩] . المصدر السابق، رقم (١٦٤)، ص ٢٣٤- ٢٣٥.
[١٠] . المصدر السابق، رقم (٣٠)، ص ٧٣.
[١١] . محمد باقر الصدر، اهل البيت تنوع ادوار ووحدة هدف، ص ٧٦- ٧٧.
[١٢] . المصدر السابق، ص ٨٨- ٨٩.
[١٣] . نهج البلاغة، رقم (٣٢)، ص ٧٤.
[١٤] . ابن قتيبة، الامامة والسياسة، ص ٥٢.
[١٥] . نهج البلاغة، رقم (٣)، ص ٤٩.
[١٦] . محمد باقر الصدر، اهل البيت تنوع ادوار ووحدة هدف، ص ٢٤.
[١٧] . المصدر السابق، ص ١٠٤.
[١٨] . ابن قتيبة، الامامة والسياسة، ص ٤٦.
[١٩] . نهج البلاغة، رقم (٥٤)، ص ٩٠- ٩١.
[٢٠] . المصدر السابق، رقم (٣)، ص ٤٩.
[٢١] . المصدر السابق، رقم (٩٢)، ص ١٣٦.
[٢٢] . ابن قتيبة، الامامة والسياسة، ص ٦٥- ٦٦.
[٢٣] . المصدر السابق، ص ٦٦.
[٢٤] . المصدر السابق، ص ٦٦.
[٢٥] . نهج البلاغة، الكلمات القصار، ص ٥٠٤.
[٢٦] . المصدر السابق، رقم (١٨٦)، ص ٢٤٣.
[٢٧] . المصدر السابق، رقم (٩٣)، ص ١٣٧.
[٢٨] . محمد باقر الصدر، اهل البيت تنوع ادوار ووحدة هدف، ص ١٠٤.
[٢٩] . المصدر السابق، ص ٢٥.
[٣٠] . نهج البلاغة، رقم (٦)، ص ٢٦٦- ٢٦٧.
[٣١] . عباس محمود العقاد، عبقرية الامام علي، ص ٩٨.
[٣٢] . المصدر السابق، ص ١٣٢- ١٣٣.
[٣٣] . ابن قتيبة، الامامة والسياسة، ص ٧٠- ٧١.
[٣٤] . نهج البلاغة، رقم (٢٠٥)، ص ٣٢١.
[٣٥] . ابن قتيبة، الامامة والسياسة، ص ٧١.
[٣٦] . المصدر السابق، نفس الموضع.
[٣٧] . نهج البلاغة، رقم (١٣٧)، ص ١٩٤- ١٩٥.
[٣٨] . المصدر السابق، رقم (٨)، ص ٥٤.
[٣٩] . المصدر السابق، رقم (١٦٩)، ص ٢٤٤.
[٤٠] . ابن قتيبة، الامامة والسياسة، ص ٨٩.
[٤١] . المصدر السابق، رقم (١٧٢)، ص ٢٤٦- ٢٤٧.
[٤٢] . ابن قتيبة، الامامة والسياسة، ص ١٠١- ١٠٢.
[٤٣] . المصدر السابق، ص ٧٢- ٧٣.
[٤٤] . المصدر السابق، ص ٤٧١.
[٤٥] . المصدر السابق، رقم (٢١٢)، ص ٣٢٩.

يتبع ……

المصدر: http://arabic.balaghah.net

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق