مقالات

أثر التربية الأخلاقيّة في تطور الإنسانيّة

الدكتور حسين لفته /مركز دراسات الكوفة – جامعة الكوفة

ان للتربية الأخلاقية الأثر في تطور الأمم, فما ارتقت أمة في العالم القديم أو الحديث إلا وكان سببُ ذلك سموّ أخلاقِ أفرادها، وقناعتَهم، واقتصادَهم، وحبَّهم الناسَ محبتَهم أنفسَهم، وإخلاصَهم في العمل لوطنهم، وانتشار روح النشاط والإقدام بينهم، فالأخلاق الكريمة كانت وراء رفعتها وقوتها، وما انحطت أمة، ولا زال سلطانها إلا بزوال تلك الأخلاق الفاضلة.

وما الأمة العربية إلا خير مثال فانظر كيف تحوّلوا من قبائل متناثرة على عرض وطول الجزيرة العربية يأكل بعضهم بعضا ويغزو بعضهم بعضا, ولكن بعد ظهور الإسلام ونشره التعاليم الحنيفة , وعلى رأسها الإلتزام بالأخلاق,تحولت تلك القبائل إلى دولة عربية إسلامية, بلغت أوج عظمتها من تقدم وازدهار، حتى أصبحت مقصدا لطلاب العلم والمعرفة، واستمرت على هذه الحالة حتى أصابها الوهن والضعف وزال سلطانها بزوال تلك الأخلاق الفاضلة من نفوس أبنائها، وانغماسهم في الشر والفساد, لأن الأخلاق الرذيلة أدت إلى انحطاطها.
وإن ما أصاب الأمم والشعوب من انحطاط ما هو إلا نتيجة الابتعاد عن الأخلاق وعن الدين, وليست الأزمة في الأخلاق أزمة خاصة بالمسلمين أو الأمة العربية وإنما هي أزمة عالمية تشمل العالم.
حاول العالم المسيحي المتمثل بالغرب ومن تبعهم أن يواجهوا تلك الأزمة الأخلاقية ولكن من خلال دراسات تعتمد العقلانية المجردة البعيدة عن روح الدين، ولكن تلك الدراسات لم تحقق المطلوب(1).
الا ان ما أصاب الغرب أصاب الأمة العربية والإسلامية من تدني في الأخلاق وعدم الالتزام بمصادر الأخلاق الثابتة، لأنهم اعتمدوا كما اعتمد الغرب في مواجهة أزمات الأخلاق بدراسات اعتمدت مناهج للتربية ذات محتوى عصري من وضع الإنسان بعيداً عن محتوى الرسالة المحمديّة وثوابتها.
لذا فإن هناك أزمة أخلاقية تهدّد حضارة الإنسان المعاصر، وهي على أشكال منها حركات تمرد على السلطة والأعراف والتقاليد، ومنها على شكل انغماس كامل في الشهوات، أو حركات عنف ضد الأموال والأرواح والممتلكات، فالعالم كله يعاني من تلك الأزمة(2).
من الجدير بالذكر أننا يمكن أن نعالج المشكل الأخلاقي من خلال مؤسساتنا التعليمية المختلفة، ولا بد أن يكون أسلوب المعالجة بأسلوب يختلف عن الأساليب الغربية، حتى لا نقع في عزل القيم والأخلاق عن الدين, وهذا ما حدث في التعاليم المسيحية التي لم تعد مصدرا للأخلاق في الغرب الحديث، فلا بد من بدائل لملئ الفراغ، لأن المجتمعات لا يمكن أن تعيش في فراغ أخلاقي، حتى يمكن أن تعرف الصواب والخطأ، والمقبول والمرفوض اجتماعيا, فالملاحظ أن الغرب المسيحي وجد بدائل ولم يقف مكتوف الأيدي فهل نفعته تلك البدائل من أن تملأ الفراغ الأخلاقي؟ لا ننكر الجهد العقلي الذي بذله أصحاب تلك الفلسفات لإيجاد بدائل للإلزام الخلقي تحل محل النصوص المسيحية, فقد ظهرت فلسفات أخذت على عاتقها البحث عن مصادر للالتزام الأخلاقي لتحل محل الدين، وكان لكل مدرسة فلسفية اجتهاداتها الأخلاقية, كالمثالية والواقعية، والماركسية، والوجودية، وغيرها.(3)
ومن ثمّ فإن حضارة الغرب ليست هي الحضارة الأخلاقية النموذج، وليست هي الحضارة التي يمكن أن تقود النظام العالمي الجديد إلى عالم أخلاقي أفضل؛ ذلك لأن تلك الحضارة في جوهرها هي حضارة الأشياء وليست حضارة الإنسان في سموّه الأخلاقي ونبل غاياته (4).
إن التربية الحديثة لابد من أن تفسح المجال أمام التربية الأخلاقية، والتربية الأخلاقية الإسلامية هي من العلوم التي لا تعاني أي نقص في كتاباتها ورصدها, بل هي غنية وثرية ومستوعبة (5), وبناء على ذلك فقد تكونت لذلك مؤسسات ولجان وطنية للبحث لدراسة كل ما يتعلق بالتربية الأخلاقية سواء من حيث المنهج، والمعلم، والأنشطة، وطرق التدريس (6) المعتمدة على القرآن الكريم، والسنة المطهرة(7).
والتربية الأخلاقيّة الإسلاميّة جزء من التربية الدينية الإسلاميّة التي يجب أن تقدم للطلاب في جميع المراحل التعليمية بما فيها الجامعة(8).
إذ لابد من تضافر الجهود في مزاوجة الأخلاق الفردية والأخلاق الجماعية التي تتعلق بصلاح المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ووحدة الأمة ونهوضها حتى تجد مكانها في دروس الأخلاق الإسلامية.(9)
إلا أننا لا نغفل دور جميع المواد التعليمية الأخرى المقدمة للمتعلم, ذلك أن جميع تلك المواد والمعارف يمكن أن تساهم في التربية الأخلاقية للمتعلم وهو من باب التأكيد على أهمية مادة التربية الدينية الإسلامية كأحد مصادر التربية الأخلاقية الإسلامية (10) .
مع علمنا أن محتويات المنهج غنية وثرية، فالأمر يحتاج إلى أساليب عرض جديدة لتلك المحتويات بحيث لا نكتفي بالكتاب ولا بالمحاضرة، بل لابد من إعطاء الإخراج الفني لكتب التربية الدينية الإسلامية من حيث ما ينبغي أن تشتمل عليه من رسوم وصور وخرائط وأسئلة ومناقشات ومراجع ومواقع إنترنت بما يحقق أهداف المنهج بصورة أفضل، والاستعانة بالوسائل التعليمية المتعددة, كذلك فإن التدريسي لابد أن يوسع مجال المحاضرة بحيث يخرج لها أذرع من خلال استغلال الظروف والمواقف المختلفة لتقديم التفسيرات التي تساعد على غرس الفضائل الأخلاقية، كما يستطيع أن يعرض نماذج من السلوكيات الأخلاقية المرغوبة من دروس السيرة ودرس الآداب والتاريخ وغيرها من المناهج المقررة، ويمكنه أن يعرض لنماذج من الأزمات الأخلاقية الوطنية والعالمية يتبعها المناقشة لإيجاد الحلول الأخلاقية لتلك الأزمات، ويستطيع إدارة حوار أخلاقي حول مشكلة أو موقف أخلاقي، كما يمكنه أن يشجع الطلاب على كتابة مقالات أخلاقية أو المشاركة في عمل صحفي داخل المدرسة ذات توجه أخلاقي أو تكوين جماعة للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أو مساعدة المحتاجين أو نظافة المدرسة والحي إلى غير ذلك من الأساليب التي يمكن أن تستخدم في حصص التربية الأخلاقية دون الاعتماد على أسلوب المحاضرة والإلقاء فقط كما هو المعتاد حاليا, وحتى يتم نجاح ذلك فلابد لها من إعداد معلم التربية الدينية الإسلامية الذي يجب أن تتوفر لديه معرفة شرعية كافية، وإدراكا لقضايا العصر والأمة، وقدوة سلوكية(11).
على الرغم من ثقتنا بالدور الذي يمكن أن يلقى على عاتق المسؤولين لنجاح التربية الدينية الإسلامية ودورها الفاعل في مواجهة تحديات العصر، الا إننا من جانب آخر لا يمكن أن نلغى دور التربويين ودور المعلمين ودور الآباء أو نقلل من أدوارهم لنجاح التربية الدينية الإسلامية .

الهوامش:
1-عبد الودود مكروم : «طرق وأساليب التربية الخلقية فى السياق الثقافي المعاصر» في : القيم في الفكر الغربي، رؤية وتحليل، دار الفكر العربي ,68
(2)- ماجد عرسان الكيلانى : اتجاهات معاصرة فى التربية الأخلاقية، دار البشير، عمان، 1991، ص 5
(3)- محمد السيد الجلنيد : في الفلسفة الخلقية لدى مفكري الإسلام، مكتبة نهضة الشرق، جامعة القاهرة، 1990، ص 3 – ص 64، سعيد إسماعيل على : فلسفات تربوية معاصرة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة عالم المعرفة رقم 198، 1995م .
(4)- عبد الرحمن النقيب : التربية الإسلامية المعاصرة في مواجهة النظام العالمي الجديد، دار الفكر العربي، 1997م، ص 9، ص 44 .و أزمة القيم في المناهج التربوية على الصعيد العالمي وانعكاساتها على التربية في العالم الإسلامي عبد الرحمن النقيب :93
(5)- على زيعور: ميادين العقل العملي في الفلسفة الإسلامية الموسعة : الأخلاق والتربية والسياسة والاقتصاد والتدبير والأدائية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 2001، وعلى خليل أبو العينين : «مقدمة في مفهوم الأخلاق الإسلامية وأصالتها فى الفكر الإسلامي» دراسة مقدمة إلى دورة مناهج البحث التربوي في الدراسات العليا بمركز صالح عبد الله كامل – جامعة الأزهر الشريف، القاهرة، 23 – 27 / 7 / 2000م .
(6)- ماجد عرسان الكيلانى المشار إليها في كثير من هذا الجهد الغربي الأمريكي في هذا المجال .
(7)- عبد الفتاح أبو غدة: الرسول المعلم وأساليبه فى التعليم، مكتب المطبوعات الإسلامية، 1996:ص 14
(8)- عبد الرحمن النقيب : فى كيف نعلم أولادنا الإسلام بطريقة صحيحة، دار السلام، القاهرة، 2005، ص 5 – 20، ص 197 – 216 .
(9)- نبيل على : الثقافة العربية وعصر المعلومات، مرجع سابق، ص 402 – 475 .
(10)- خالد الصمدي : القيم الإسلامية فى المناهج الدراسية، مشروع برنامج لإدماج القيم فى التعليم الأساسي، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، ايسيسكو 2003م .
(11)- في إسلامية المعرفة راجع : المعهد العالمي للفكر الإسلامي، إسلامية المعرفة، المبادئ العامة، خطة العمل – الإنجازات، المعهد العالي للفكر الإسلامي – فيرجينيا – الولايات المتحدة الأمريكية، 1992م ,58

نشرت في الصحافة العدد 117

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق