اماكن دينية

النجف الاشرف وأسمائها

مدينة تقع في طرف الصحراء، بينها وبين الكوفة زهاء ستة أميال، قريبة من الحيرة، عاصمة المناذرة بل إنها ضاحية من ضواحيها الجميلة، وقد انتشرت الأديرة المسيحية في منطقة النجف، ومن أشهرها دير فاثيون وهو في أعلا النجف ودير ابن مزعوق في جنوبها، قال الشاعر محمد بن عبد الرحمن الثرواني:

       ****

قلت له والنجوم طالعةٌ 

في ليلة النصح أول السحر

       ****

 هل لك في مار فاثيون وفي 

  دير ابن مزعوق غير مختصر

       ****

 يفيض هذا النسيم من طرف الشام     

  ودرّ الندى على الشج 

        ****

     ومن الأديرة المشهورة، ديارات الأساقف، وهذه الديارات بالنجف، بظاهر الكوفة، وهو أول الحيرة، وهي قباب وقصور تسمى ديارات الأساقف وبحضرتها نهر يعرف بالغدير، عن يمينه قصر أبي الخصيب مولى أبي جعفر، وعن شماله السدير، وفيه يقول علي بن محمد جعفر العلوي الحماني:

       ****

كم وقفة لك بالخور 

 نق ما توازى بالمواقف

       ****

بين الغدير إلى السدير  

  إلى ديارات الأساقف

       ****

     وقصر أبي الخصيب، هو أحد المنتزهات يشرف على النجف وعلى ذلك الظهر كله، يصعد من أسفله في خمسين درجة إلى سطح آخر، أفيح في غاية الحسن وهو عجيب الصنعة، وفي قصر ابي الخصيب يقول بعضهم:

       ****

  يا دار غير رسمها

 مَرُّ الشمال مع الجنوب

       ****

بين الخورنق والسدير

 فبطن قصر أبي الخصيب

       ****

فالدير فالنجف الأشم

جبال أرباب الصليب     

      ****

     ومن الأديرة المشرفة على النجف، دير مارث مريم، دير قديم من بناء آل المنذر بنواحي الحيرة بين الخورنق والسدير وبين قصر ابي الخصيب، وفيه يقول الثرواني:

     ****

بمارث مريم الكبرى

 وظل فنائها فِقِف   

       ****

فقصر ابي الخصيب المشرف

الموفي على النجف

       ****

     ويبدو أن النجف كانت مسرحاً للوقائع الحربية في أثناء الفتوحات الإسلامية، وقد نزل فيها خالد بن الوليد وقواده الذين شاركوا في فتح منطقة الحيرة، وبالقرب من النجف الأشرف دارت المعركة الفاصلة في تاريخ الفتوحات الإسلامية، تلك هي معركة القادسية، في آخر سنة 16 هـ. والقادسية بين الكوفة والعذيب، وقد انتصر المسلمون في تلك الوقعة المشهورة، انتصاراً عظيماً، وفتحوا السواد..

    والنجف في اللغة، مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد ويكون في بطن الوادي وقد يكون ببطن من الأرض، جمعه (نجاف) والنجف محركة، التَلُّ وقشور الصليان، وهو بظهر الكوفة كالمسناة تمنع مسيل الماء أن يعلو الكوفة ومقابرها.

     إن أهم القبائل التي كانت تُحوِّل في أطراف الحيرة والنجف هي قبيلة تغلب التي هاجرت بعد حرب البسوس في أيام عمرو بن هند، وكذلك قبيلة بكر ومن أشهر فروعها قبيلة شيبان، وكانت لهذه القبيلة الأخيرة مواقف مشهورة وقد انتصرت مع حليفاتها القبائل العربية على الجيوش الساسانية في موقعة ذي قار.

     وقد أصبحت منطقة النجف ضمن الأراضي التي تم فتحها بأيدي المسلمين، وبنيت الكوفة سنة سبع عشرة للهجرة،  واستمرت هذه المدينة ولاية مهمة من ولايات الدولة الإسلامية حتى سنة 36هـ، ففي هذه السنة قدم إليها الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) بعد فراغه من موقعة الجمل، وأقام فيها، وأضحت الكوفة عاصمة للخلافة الإسلامية مدة أربع سنوات.

     وفي الحادي والعشرين من رمضان سنة 40 هـ 661م أستشهد الإمام علي متأثراً من جرحه أثر الضربة التي أصابه بها أحد الخوارج وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وقام بدفنه أولاده وأعضاء اسرته المقربون سراً في النجف، وطوال الحكم الأموي لم يشيد لمدفنه الشريف ضريح، وإنما كان التقاء وزيارة العلويين لقبره هو الذي شخص مدفنه حتى زال الحكم الأموي.

اسماء النجف:

     تعددت معاني النجف وأسماؤها في معاجم اللغة والبلدان، وأشير فيها إلى الرواية الدينية والتاريخية والجغرافية توثيقاً لما يوردون ، وقد أورد المرحوم العلامة الشيخ محمد حسين حرز الدين تسعاً وعشرين اسماً شمل موقع النجف وما يحيطها[1].

  ونورد هنا ما اشتهرت وعرفت به وسبب التسمية مع ذكر بقية الأسماء لما له علاقة من الجانب التأريخي والجغرافي فضلاً عن الجوانب الدينية والسياسية:

بانيقيا

     تسمى النجف الأشرف باسم: ( بانيقيا), قال الحموي: بكسر النون، ناحية من نواحي الكوفة ذكرها في الفتوح, وفي أخبار إبراهيم الخليل (عليه السلام)، خرج من بابل على حمار له ومعه ابن أخيه لوط، يسوق غنماً، ويحمل دلواً على عاتقه حتى نزل بانقيا، وكان طولها إثني عشر فرسخاً. وكانوا يزلزلون في كل ليلة، فلما بات إبراهيم عندهم لم يزلزلوا. فقال لهم شيخ، بات عنده إبراهيم (عليه السلام): والله ما دفع عنكم إلا بشيخ بات عندي فإني رأيته كثير الصلاة، فجاؤوه وعرضوا عليه المقام عندهم، وبذلوا له البذول، فقال: إنما خرجت مهاجراً إلى ربي، وخرج حتى أتى النجف، فلما رآه رجع أدراجه، أي من حيث مضى، فتباشروا وظنوا أنه رغب فيما بذلوا له، فقال لهم: لمن تلك الأرض؟ يعني النجف، قالوا: هي لنا. قال: فتبيعونيها؟ قالوا: هي لك فوالله ما تنبت شيئاً.

فقال: لا أحبها إلا شراء، فدفع إليهم غنيمات كن معه بها. والغنم: يقال لها بالنبطية نقيا. فقال: أكره أن آخذها بغير ثمن، فصنعوا ما صنع أهل بيت المقدس بصاحبهم وهبوا له أرضهم. فلما نزلت بها البركة رجعوا عليه، وذكر إبراهيم عليه السلام: أنه يحشر من ولده من ذلك الموضع سبعون ألف شهيد.

ولما رأى (عليه السلام) غدرهم به تركهم، ومضى نحو مكة في قصة لها طول. وقد ذكرها الأعشى، فقال:

         ****

 فما نيل مصر إذ تسامى عبابه

  ولا بحر بانقيا إذا راح مفعما

         ****
بأجود منه نائلاً إنّ بعضــــــهم

 إذا سئل المعروف صد وجمجما

         ****

وقال أيضاً:

 وقد سرت ما بين بانقيا إلى عدن
 وطال في العجم تكراري وتسياري

         ****

      وقال أبو الحسن أحمد بن يحيى البغدادي البلاذري، المتوفى سنة تسع وسبعين ومائتين (279): لما قدم خالد بن الوليد العراق، بعث بشير بن سعد أبا النعمان بن بشير الأنصاري، إلى بانقيا فلقيته خيل الأعاجم عليها فرخبنداذ، فرشقوا من معه بالسهام، وحمل عليهم فهزمهم، وقتل فرخبنداذ، ثم انصرف وبه جراحة انتقضت به، وهو بعين التمر فمات منها. ويقال: أن خالداً ألقى فرخبنداذ بنفسه، وبشير معه. ثم بعث خالد جرير بن عبد الله البجلي إلى أهل بانقيا، فخرج عليه بصبهرى بن صلوبا، فاعتذر إليه من القتال وعرض الصلح فصالحه جرير على ألف درهم وطيلسان. ويقال: أن ابن صلوبا أتى خالداً، فاعتذر إليه وصالحه هذا الصلح.

     وقال: ليس لأحد من أهل السواد عهد إلا لأهل الحيرة، وأليس، وبانقيا، فذلك قالوا: لا يصلح بيع أرض دون الجبل إلا أرض بني صلوبا، وأرض الحيرة، وذكر إسحاق بن بشير ابو حذيفة فيما قرأته، بخط أبي عامر العبدري بإسناده إلى الشعبي، أن خالد بن الوليد، سار من الحيرة حتى نزل بصلوبا، صاحب بانقيا، وسميا، على الف درهم وزن ستة، وكتب لهم كتاباً فهو عندهم إلى اليوم المعروف. قال: فلما نزل بانقيا على شاطئ الفرات قاتلوه ليلة حتى الصباح.

وفي رواية أخرى أن خالداً لما نزل الحيرة، صالح أهلها، ولم يقاتلوا، وقال ضرار بن الأزور الأسدي، يذكر بانقيا وجرحه بها أيام الفتح:

         ****

أرقت ببانقيا ومن يلق مثلما

  لقيت ببانقيا من الجرح يأرق

         ****

     والصواب أنهم قاتلوه فلما رأوا أنه لا طاقة لهم بحربه، طلبوا إليه الصلح، فصالحهم وكتب لهم كتاباً فيه (بسم الله الرحمن الرحيم… هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن بصهبرى، ومنزله بشاطئ الفرات، إنك آمن بأمان الله على حقن دمك في إعطاء الجزية عن نفسك، وجيرتك، وأهل قريتك بانقيا، وسميا، على الف درهم جزية، وقد قبلنا منك ورضي من معي من المسلمين بذلك، فلك ذمة الله وذمة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وذمة المسلمين، على ذلك، شهد هشام بن الوليد، وجرير بن عبد الله ابن أبي عوف، وسعيد بن عمرو، وكتب سنة 13، والسلام) ويروى أن ذلك كان سنة 12هـ.

     أما ابن الأثير فقال في حوادث سنة اثنتي عشرة: – ذكر مسير خلاد بن الوليد إلى العراق، وصلح الحيرة – في هذه السنة في المحرّم منها، أرسل أبو بكر خالد بن الوليد، وهو باليمامة يامره بالمسير إلى العراق. وقيل: بل قدم المدينة من اليمامة فسيره أبو بكر إلى العراق، فسار حتى نزل ببانقيا، وبار، وسما، وأليس، وصالحه أهلها. وكان الذي صالحه عليها ابن صلوبا، على عشرة آلاف دينار، سوى حرزة كسرى، وكانت على كل رأس أربعة دراهم، وأخذ منهم الجزية، ثم سار حتى نزل الحيرة فخرج إليه أشرافها مع أياس بن قبيصة الطائي. وكان أميراً عليها بعد النعمان بن المنذر، فدعاهم خالد إلى الإسلام، أو الجزية، أو المحاربة، فاختاروا الجزية فصالحهم على تسعين ألف درهم. فكانت أول جزية أخذت من الفرس في الإسلام هي والقريات التي صالح عليها.

ومهما يكن من أمر فالنصوص التاريخية، والدينية، تدل بصراحة أن بانقيا قرية بالكوفة، والمراد به ظهر الكوفة، وهو الغري.

الجودي

     ورد هذا الاسم في عدة أحاديث، جاءت على لسان أهل البيت (عليهم السلام)، عند تفسيرهم لآية (وقيل يا أرض ابلعي مائك، ويا سماء أقلعي، وغيض الماء، وقضي الأمر، واستوت على الجودي، وقيل بعداً للقوم الظالمين) فقالوا: المراد من الجودي جبل في النجف استوت عليه سفينة نوح (عليه السلام)، لما نضب الماء وأصبح علماً لهذه البقعة الشريفة، وليس غيره ومن ذهب إلى غير هذا المعنى فلا يعبأ بقوله لأنه الأصح.

     وذهب جمع من المفسرين، واللغويين، أنه جبل مطل على جزيرة ابن عمر في الجانب الشرقي، من دجلة من أعمال الموصل عليه استوت سفينة نوح(عليه السلام)، مستدلين على صحة قولهم بما جاء في سفر التكوين، من الكتاب المقدس، ولفظه: (ثم ذكر الله نوحاً وكل الوحوش وكل البهائم التي معه في الفلك وأجاز الله ريحاً على الأرض فهدأت المياه، وانسدت ينابيع الغمر وطاقات السماء فامتنع المطر من السماء. ورجعت المياه عن الأرض رجوعاً متوالياً، وبعد مائة وخمسين يوماً نقصت المياه. واستقر الفلك في الشهر السابع، في اليوم السابع عشر، من الشهر على جبال أراراط. وكانت المياه تنقص نقصاً متوالياً إلى الشهر العاشر، وفي العاشر في أول الشهر ظهرت رؤوس الجبال.

     فذكروا أنه بديار بكر من الموصل، في جبال تتصل بجبال أرمينية، وقد سماه في التوراة أراراط. قال في القاموس: والجودي، جبل بالجزيرة استوت عليه سفينة نوح عليه السلام، ويسمى في التوراة (أراراط).

    قال بطرس البستاني في كلامه عن جبل (أراراط) وموقعه الطبيعي: ومن الموافق أن نذكر آراء العلماء بخصوص الموضع الذي استوت عليه الفلك بعد الطوفان كما هو مذكور في سفر التكوين. فقد ذهب بروزس الكلداني، معاصر الإسكندر الأكبر، أن الفلك استوت على جبال كردستان، وهو حد أرمينية الجنوبي، ووافقته في ذلك النسخ السريانية، والكلدانية التي ذكرت جبال الأكراد عوضاً عن أراراط. ووافقه أيضاً القرآن الشريف، ولا تزال الروايات تشير إلى أن الجودي كان مركز الحادثة المذكورة، وهي تسند هذا الرأي الذي ذكره بروزس إلى وجود آثار الفلك على قمة ذلك الجبل

الربوة

     وهذا الاسم (الربوة) جاء أيضاً في أخبار أهل البيت عليهم السلام، عند تفسيرهم لقوله تعالى: [وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين] ، فقد أورد المفسرون في تفاسيرهم أحاديث صحيحة، بأسانيد حسنة، دالة على أن المراد من (الربوة) ظهر الكوفة النجف… كما أن المقصود من (المعين) الفرات كما صرّح بذلك أيضاً بعض اللغويين وإليك ما جاء على لسان الأئمة عليهم السلام.

     حدثنا المظفر بن جعفر المظفر العلوي السمرقندي رضي الله عنه، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود، عن الحسين بن أشكيب، عن عبد الرحمن بن حماد، عن أحمد بن الحسن، عن صدقة بن حسان، عن مهران بن أبي نصر، عن يعقوب بن شعيب، عن سعد الإسكاف، عن ابي جعفر (عليه السلام)، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، في قول الله عز وجل: [وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين] قال: الربوة، الكوفة، والقرار، المسجد، والمعين الفرات.

وقال الصادق (عليه السلام)، في تفسير الآية المذكورة: الربوة، نجف الكوفة. والمعين، الفرات.

الطور

    وجاء (طور سيناء) وهو أيضاً من الأسماء التي وردت في أحاديث العترة الطاهرة (عليه السلام) وقصدوا به بقعة النجف… وتناقلت كتب الحديث، هذه الروايات، وصححوا أسانيدها، واخبتوا على توثيقها، واستدلوا بها وأذعنوا إليها، وإليك بعضاً من نصوصها، مع تبيان أسانيدها الثابتة، وأن نقلها بعضهم في بحوثهم مع حذف الأسانيد، وهذا ما لا أستسيغه لأن ذكر السند، ورجال الحديث، يزيد في درجة الحديث واعتباره من ناحية الصحة والوثاقة.

    علي بن إبراهيم، في معنى السورة قوله: (والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين) التين المدينة، والزيتون بيت المقدس، وطور سينين الكوفة، وهذا البلد الأمين مكة.

 وسينين، وسيناء واحد، ومعناه الجبل المبارك الحسن بلغة النبط.

    ومعنى طور سيناء جبل البركة، وهو ما بين مصر وايلة، وفي أخبارنا إشارة إلى أن طور سيناء نجف الكوفة، وأنه الموضع الذي فيه مشهد امير المؤمنين عليه السلام.

     وقال مؤلف كتاب (معارف الرجال) عند ترجمته للمولى عبد الله اليزدي النجفي المتوفى 981هـ، والمعروف المتسالم عليه أنه أتى به السلطان الشاه عباس الأول الصفوي الموسوي من إيران إلى العراق، ليتولى نقابة الحرم المقدس، وسلمه مفاتيح الحرم والخزانة الكبيرة… وبنى له الشاه عباس مدرسة في النجف في الجانب الشمالي الغربي منها، وسماها بمدرسة الآخوند، تقع في محلة المشراق، حوالي دور السادة آل كمونة، والمدرسة اليوم أعني سنة 1295هـ اندرست آثارها، وجلب له الطيور من الهند المعروفة عند العامة في النجف بطيور (الحضرة) تارة و(الطورانية) أخرى… نسبة إلى قطعة جبل يسمى بجبل الطور عند قدماء النجفيين، حيث أن هذه الطيور كانت تألف له دائماً. يقع هذا الجبل حول بلد النجف من شرقيه إلى الشمال، يقرب من خندق سور النجف الأخير غطاه تراب عمارة البلد اليوم.

ظهر الكوفة

     ان اسم (ظهر الكوفة) يعد من الأسماء المعروفة المتداولة بين أرباب الرواية، والدراية، واللغويين، والمؤرخين، لشهرته الكبيرة الواسعة وكثرة وقوعه في كلامهم، ويمتاز بإشاعته ووروده في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، وفي كتب المتقدمين… وإليك ما جاء في هذا الباب من الأحاديث الصحيحة الثابتة، ومن ورائها كلمات اللغويين، والمؤرخين:

     قال غياث الدين السيد ابن طاووس: رأيت في كتاب عن الحسن بن الحسين ابن طحال المقدادي، قال: روى الخلف عن السلف، عن ابن عباس ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): يا علي، إن الله عز وجل عرض مودتنا أهل البيت على السموات، فأول من أجاب منها السماء السابعة، فزينها بالعرش والكرسي، ثم السماء الرابعة، فزينها بالبيت المعمور. ثم السماء الدنيا فزينها بالنجوم ثم أرض الحجاز فشرفها بالبيت الحرام. ثم ارض الشام فشرفها ببيت المقدس. ثم أرض طيبة فشرفها بقبري. ثم ارض كوفان، فشرفها بقبرك يا علي.

   فقال يا رسول الله: أقبر بكوفان العراق؟ فقال: نعم يا علي، تقبر بظاهرها قتلاً بين الغريين، والذكوات البيض، وهذا خبر حسن كاف في هذا الموضع ناطق بالحجة والبرهان.

   روى أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن عبد الرحمان العلوي الحسيني، في كتاب (فضل الكوفة) بإسناد رفعه إلى عقبة بن علقمة أبي الجنوب، قال: اشترى أمير المؤمنين علي(عليه السلام) ما بين الخورنق إلى الحيرة إلى الكوفة من الدهاقين، بأربعين ألف درهم، وأشهد على شرائه، قال: فقيل له يا أمير المؤمنين، تشتري هذا بهذا المال، وليس تنبت قط؟ فقال: سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: كوفان يرد أولها على آخرها، يحشر من ظهرها سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، واشتهيت أن يحشروا في ملكي.

    أقول: هذا الحديث فيه إيناس بما نحن بصدده، وذلك أن ذكره ظهر الكوفة، إشارة إلى ما خرج عن الخندق، وهي عمارة آهلة إلى اليوم، وإنما اشترى أمير المؤمنين (عليه السلام) ما خرج عن العمارة إلى حيث ذكروا. والكوفة مصرت سنة سبع عشرة من الهجرة، ونزلها سعد في محرمها، وأمير المؤمنين دخلها سنة ست وثلاثين، فدل على أنه اشترى ما خرج عن الكوفة الممصرة بدفنه بملكه أولى، وهو إشارة إلى دفن الناس عنده، وكيف يدفن بالجامع ولا يجوز أو بالقصر، وهو عمارة الملوك ولم يكن داخلاً في الشراء لأنه معمور من قبل.

    خاتم العلماء نصير الدين، عن والده، عن السيد فضل الله الحسني الراوندي، عن ذي الفقار بن نعبد عن الطوسي، ومن خطه نقلت عن المفيد، عن محمد بن أحمد بن داود، عن محمد بن بكار، عن الحسن بن محمد الفزازي، عن الحسن بن علي النحاس، عن جعفر الرماني، عن يحيى الحماني، عن محمد بن عبيد الطيالسي، عن مختار التمار، عن أبي مطر، قال: لما ضرب ابن ملجم الفاسق أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له الحسن (عليه السلام): أقتله؟ قال: لا، ولكن أحبسه، فإذا مت فاقتلوه. فإذا مت فادفنوني في هذا الظهر في قبر أخوي، هود، وصالح.

    علي بن محمد عن علي بن الحسن، عن الحسين بن راشد، عن المرتجل بن معمر، عن ذريح المحاربي، عن عباية الأسدي، عن حبة العرني، قال: خرجت مع أمير المؤمنين إلى ظهر الكوفة، فوقف بوادي السلام، كأنه مخاطب لأقوام، فقمت بقيامه حتى أعييت، ثم جلست حتى مللت، ثم قمت حتى نالني مثل ما نالني أولاً، ثم جلست حتى مللت ثم قمت وجمعت ردائي، فقلت يا أمير المؤمنين إني قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة ثم طرحت الرداء ليجلس عليه فقال يا حبة: إن هو إلا محادثة مؤمن أو مؤانسته. قال: قلت يا أمير المؤمنين، وإنهم لكذلك؟ قال: نعم لو كشف لك لرأيتهم حلقاً حلقاً، محتبين يتحادثون، فقلت: أجسام أم أرواح؟ فقال: أرواح وما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلا قيل لروحه، الحقي بوادي السلام، وإنها لبقعة من جنة عدن.

    عن سهل، عن الحسن بن علي، عن أحمد بن عمر، رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له إن  أخي ببغداد، وأخاف أن يموت بها، فقال: ما تبالي حيث ما مات أما أنه لا يبقى مؤمن في شرق الأرض وغربها، إلا حشر الله روحه إلى وادي السلام. فقلت له: واين وادي السلام؟ قال: ظهر الكوفة، أما إني كأنهم بهم حلق حلق قعود يتحدثون.

    أقول: روى السيد علي بن عبد الحميد في كتاب الغيبة بإسناده إلى الفضل ابن شاذان، من أصل كتابه بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة، قال: خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى ظهر الكوفة فلحقناه، فقال: سلوني قبل أن تفقدوني، فقد ملئت الجوانح مني علماً، كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتديت، ثم مسح بيده على بطنه، وقال: أعلاه علم، وأسفله ثفل. ثم مر حتى أتى الغريين فلحقناه، وهو مستلقي على الأرض بجسده، ليس تحته ثوب فقال له قنبر: يا أمير المؤمنين ألا أبسط تحتك ثوبي؟ قال: لا هل هي إلا تربة مؤمن ومن أحمته في مجلس فقال الأصبغ: تربة المؤمن قد عرفناها كانت أو تكون، فما من أحمته بمجلسه؟ فقال: يا ابن نباتة لو كشف لكم لألفيتم أرواح المؤمنين في هذه حلقاً حلقاً يتزاورون ويتحدثون، إن في هذا الظهر روح كل مؤمن، وبوادي برهوت روح كل كافر. ثم ركب بغلته.

    عن بدر بن خليل الأسدي، عن رجل من أهل الشام، قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه، أول بقعة عبد الله عليها ظهر الكوفة، لما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم سجدوا على ظهر الكوفة.

وروى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) نظر إلى ظهر الكوفة فقال: ما أحسن منظرك وأطيب قعرك، اللهم أجعل قبري بها21].

الغري أو الغريان

     يعتبر في طليعة الأسماء المتداولة الشائعة، لبقعة النجف عند كافة طبقات أهل الفضل والمعرفة، لكثرة وروده في معاجم الحديث، وقواميس اللغة، وكتب التاريخ، والأدب إلى جانب ما في اللغة العربية على قسميها، الدارجة، والفصحى، في التحقيق، والبحث، والشعر على اختلاف أغراضه وفنونه… بالإضافة إلى أن الكثيرين من أهالي مدينة الغري المقدسة، منذ القدم يضيفون إلى أسمائهم كلمة (الغروي) و(النجفي) ويتخذوه لقباً لهم ولعائلتهم وذراريهم، ليشعروا الآخرين والأجيال، من أنهم ينتسبون إلى بلد الغري، أما من جهة الولادة، أو من ناحية الدراسة، والتوطن والإقامة… فكما يقال على سبيل المثال: الرازي… الأصفهاني… اللبناني… السوري… نسبة إلى البلدة، كذلك النسبة إلى الغري، والنجف، وهذا ما لا مشاحة فيه ولا يفتقر إلى توضيح وشرح.

      قال ياقوت: الغريّ الحسن من كل شيء، والغريَّان: تثنية الغري وهو المطلي بالغراء.. والغري نصب كان يذبح عليه العتائر، والغريَّان طربالان وهما بناءان كالصومعتين بظاهر الكوفة قرب قبر علي بن أبي طالب (عليه السلام)، بناهما المنذر بن امرئ القيس بن ماء السماء[3]، وكان السبب في ذلك انه كان له نديمان من بني أسد فثملا فراجعا الملك ليلة في بعض كلامه فأمر وهو سكران فحُفر لهما حفيرتان في ظهر الكوفة ودفنهما حيّين، فلما أصبح استدعاهما فاخبر بالذي أمضاه فيهما فغمّه ذلك وقصد حفرتهما وأمر ببناء طربالين عليهما وهما صومعتان، فقال المنذر: ما أنا بملك إن خالف الناس أمري، لا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما، وجعل لهما في السنة يوم بؤس ويوم نعيم، يذبح في يوم بؤسه كل من يلقاه ويغري بدمه الطربالين[4].

    ويظهر أن احد البناءين هدم ولم يبق حتى اسمه وبقي الآخر وهو القائم المائل. وهو الوجه في تسمية البقعة باسم (الغري) بالإفراد وقد مر معن بن زائدة الشيباني بالغريين فرأى أحدهما وقد شعت وهدم فانشأ يقول:

لو كان شيء له أن لا يبيد على

طــــول الزمان لما بـاد الغريَّان
فــفـرق الــدهــر والأيام بـيـنـهـما
وكل إلف إلى بين وهجران[5]
 

     ونهجنا في متابعة هذا الموضوع، تبيان بعض الروايات الدينية التي جاءت بخصوص (الغري) أو (الغريان) وأن المراد منه بقعة النجف. ومن ثم عرض كلمات اللغويين، والمؤرخين، والأدباء فيه.

     روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما حضرته الوفاة قال للحسن، والحسين (عليه السلام): إذا أنا مت فأحملاني على سرير، ثم اخرجاني واحملا مؤخر السرير، فإنكما تكفيا مقدمه ثم أتيا بي الغريين، فإنكما ستريان صخرة بيضاء فاحتفروا فيها فإنكما تجدان فيها شيئاً فادفناني فيه. قال: فلما مات أخرجنا وجعلنا نحمل بمؤخر السرير، ويكفي مقدمه وجعلنا نسمع دوياً وحفيفاً حتى أتينا الغريين فإذا صخرة بيضاء تلمع نوراً.

      ويقول ياقوت الحموي بهذا الصدد: – الغريان تثنية الغري، وهو المطلى بالغراء ممدود. وهو الغراء الذي يطلى به. والغري فعيل بمعنى مفعول. والغري الحسن من كل شيء يقال رجل غري الوجه، إذا كان حسناً مليحاً. فيجوز أن يكون الغري مأخوذاً من كل واحد من هذين. والغري نصب كان يذبح عليه العتائروالغريان طربلان، وهما بناءان كالصومعتين بالكوفة قرب قبر علي بن أبي طالب (عليه السلام). إلى أن قال بعد حديث طويل:

      وأن الغريين بظاهر الكوفة، بناهما المنذر بن امرئ القيس بن ماء السماء، وكان السبب في ذلك أنه كان له نديمان من بني أسد، يقال لأحدهما خالد بن نضلة، والآخر عمرو بن مسعود، فثملا فراجعا الملك ليلة في بعض كلامه فأمر وهو سكران فحفر لهما حفيرتان في ظهر الكوفة، ودفنهما حيين. فلما أصبح استدعاهما فأخبر بالذي أمضاه فيهما فغمه ذلك، وقصد حفرتهما وأمر ببناء طربالين عليهما، وهما صومعتان. فقال المنذر: ما أنا بملك إن خال الناس أمري. لا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما وجعل لهما في السنة  يوم بؤس، ويوم نعيم. يذبح في يوم بؤسه كل من يلقاه، ويغرى بدمه الطربالين فإن رفعت له الوحش طلبتها الخيل، وإن رفع طائر أرسل عليه الجوارح، حتى يذبح ما يعن ويطليان بدمه. ولبث بذلك برهة من دهره، وسمى أحد اليومين يوم البؤس وهو  اليوم الذي يقتل فيه ما ظهر له من إنسان وغيره، وسمي الآخر يوم النعيم يحسن فيه إلى كل من يلقى من الناس ويحملهم ويخلع عليهم.

وبعد أن ذكر قصة طويلة عن المنذر قال:

     وروى الشرقي، قال: الغري الحسن من كل شيء. وإنما سميا الغريين لحسنهما. وكان المنذر قد بناهما على صورة غريين كان بعض ملوك مصر بناهما. وقرأت على ظهر كتاب شرح سيبويه للمبرد، بخط الأديب عثمان بن عمر الصقلي النحوي الخزرجي ما صورته: وجدت بخط أبي بكر السراج، رحمه الله على ظهر جزء من أجزاء كتاب سيبويه، أخبرني أبو عبد الله اليزيدي، قال: حدثني ثعلب، قال: مر معن بن زائدة بالغريين فرأى أحدهما وقد شعث وهدم فأنشأ يقول:

           ****

لو كان شيء له أن لا يبيد على  

 طول الزمان لما باد الغريان 

            ****

ففرّق الدهر والأيام بينهما

  وكل ألف إلى بين وهجران

            ****

     ويظهر من نصوص بعض كتب السير والتاريخ، أن أحد البناءين هدم أمر بهدمه المنصور لكنز توهم أنه تحتهما فلم يجد شيئاً، ولم يبق حتى اسمه، وبقي الآخر وهو القائم المائل كما في بعض الأحاديث والقائم المنحني كما في بعض آخر، وهو الوجه في تسمية البقعة باسم (الغري) بالأفراد.

وقال أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني المتوفى 110هـ، وهو آخر من مات من الصحابة، يذكر الغريين:

             ****

الا طرقتنا بالغريين بعد ما    

 كللنا على شحط المزار جنوب

             ****

أتوك يقودون المنايا وإنما    

  هدتها بأولانا إليك ذنوب

             ****

 ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له  

 من الله في دار القرار نصيب

              ****

    وروي أن الفرزدق نزل بالغريين، فعراه بأعلى ناره ذئب فأبصره مقعياً يصيء، ومع الفرزدق مسلوخة فرمى إليه بيده فأكلها، فرمى إليه بما بقي فأكله، فلما شبع ولّى عنه فقال:

             ****

 وليلة بتنا بالغريين ضافنا      

 على الزاد موشي الذراعين أطلس

             ****

 تلمسنا حتى أتانا ولم يزل    

   لدن فطمته أمه يتلمس

             ****

 فلو أنه إذا جاءنا كان دانيا    

    لألبسته لو أنه يتلبس

             ****

   ولكن تنحى جنبة بعدما دنا    

   فكان كقاب القوس أو هو أنفس

             ****

فقاسمته نصفين بيني وبينه      

 بقية زاد والركائب نعس

             ****

  وكان ابن ليلى إذ قرى الذئب زاده

  على طارف الظلماء لا يتعبس.

             ****

      ومر أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابي، في جيشه بالغري، وبالحاير، فلم يعرّج على واحد منهما ولا دخل ولا وقف.

     وقد جاء ذكر (الغري) وأنها مدفن الإمام أمير المؤمنين (ع) في الأدب العربي بصورة مبسوطة أودعها الشعراء في قصائدهم خلال القرون المتمادية، وتراهم في أشعارهم يحنون إليها ويتشوقون إلى معاهدها، ويتمنون لشم تربتها المقدسة، والتوطن والمجاورة بها، من حيث الفضل والقداسة والبركة والرحمة والمغفرة والإحسان والمحبة، والفضيلة المتجمعة فيها لتضمنها البدن المعظم.

     وإليك بعض الشواهد من الشعر القديم على سبيل المثل، لا على سبيل الانتقاء والاختيار وعلى سبيل الإحصاء والجمع، ذلك لأن تأليف وجمع ما ورد عن اسم الغري، والنجف، والمشهد، ووادي السلام… كناية وتصريحاً لتعجز عن جمعه دواوين ضخمة ..

     قال أبو محمد سفيان بن مصعب العبدي الكوفي… من الشعراء المجيدين والمكثرين ومن حملة الحديث ورواة نوادره، وفي طليعة رجال الرواية، ومن أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) وزميل السيد الحميري المولود سنة 105 والمتوفى 178هـ. وكان السيد الحميري، يقول: أنا أشعر الناس إلّا العبدي، في قصيدته البائية.

             ****

يا راكبا جسرة تطوي مناسمها      

 ملاءة البيد بالتقريب والجنب

             ****

تقيد المغزل الأدماء في صعد   

وتطلح الكاسر الفتحاء في صبب

             ****

بلغ سلامي قبراً بالغري حوى  

 أو في البرية من عجم ومن عرب

             ****

واجعل شعارك لله الخشوع به  

وناد خير وصي صنو خير نبي

             ****

وقال أبو علي دعبل بن علي بن رزين بن عثمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، المقتول ظلماً وعدواناً سنة 246هـ:

             ****

  سلام بالغداة وبالعشي            

 على جدث بأكناف الغري

             ****

 ولا زالت عزالى النوء تزجي     

  إليه صبابة المزن الروي

             ****

 ألا يا حبذا ترب بنجد    

 وقبر ضم أوصال الوصي

             ****

وصي محمد بأبي وأمي  

 وأكرم من مشى بعد النبي

             ****

الصاحب كافي الكفاة إسماعيل بن أبي الحسن عباد بن العباس بن عباد بن أحمد ابن إدريس الطالقاني، المتوفى 358هـ وكان في طليعة الأمراء والفقهاء، والمحدثين، والشعراء، والفصحاء، والبلغاء. افرد غير واحد من رجال التأليف كتاباً في ترجمته. فقد ذكر الغري في أرجوزتين له، قال في واحدة:

             ****

  يا زائراً قد قصد المشاهدا

  وقطع الجبال والفدافدا

             ****

 فأبلغ النبي من سلامي    

 ما لا يبيد مدة الأيام

             ****

  حتى إذا عدت لأرض الكوفة  

   البلدة الطاهرة المعروفة

             ****

 وصرت في الغري في خير وطن  

  سلم على خير الورى أبي الحسن

             ****

اللسان

     ان : ( اللسان) تعد من أسماء النجف غير المشهورة ولا المتداولة، ولم يكن عنه أثر ولا ذكر في الأحاديث الدينية، وكتب التأريخ والأدب، وإنما تفرد به بعض اللغويين، والمؤرخين، مع العلم بأنه لم يكن مستعملاً كغيره من أسماء النجف الأشرف. وإليك النصوص الواردة بشأنه:

      قال ياقوت الحموي: (وظهر الكوفة يقال له اللسان، وهو فيما بين النهرين إلى العين عين بني الجراء. فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط، وما كان يلي البط منه فهو النجاف.

     واللسان، لسان البر الذي أدلعه في الريف عليه الكوفة اليوم، والحيرة قبل اليوم. قالوا: لما أراد سعد تمصير الكوفة أشار عليه من رأى العراق من وجوه العرب باللسان.

     وسميت هذه الأرض المتعادية التي منها النجف (النجاف) وكأنه جمع النجفة، وهي التي تلي الصحراء، ويقابلها مما يلي الفرات الملطاط.

     وقال في موضع آخر: (الملطاط بالكسر ثم السكون، وتكرير الطاء المهملة، قال ابن النجار، في كتابة الكوفة: وكان يقال لظهر الكوفة اللسان، وما ولي الفرات منه الملطاط) ..

     وقد جاء ذكر الملطاط في خطبة علي (عليه السلام)، عند المسير إلى الشام فقال: أما بعد فقد بعثت مقدمتي وأمرتهم بلزوم هذا الملطاط حتى يأتيهم أمري) فقال ابن أبي الحديد: الملطاط شاطئ الفرات.

     وذكره ابن الأثير عز الدين، فقال في حوادث سنة ثلاث وثلاثين: – وفي هذه السنة سير عثمان نفراً من أهل الكوفة إلى الشام. وكان السبب في ذلك أن سعيد بن العاص، لما ولاه عثمان الكوفة، حين شهد على الوليد بشرب الخمر أمره أن يسير الوليد إليه، فقدم سعيد الكوفة، وسير الوليد وغسل المنبر، فنهاه رجال من بني أمية كانوا قد خرجوا معه عن ذلك فلم يجبهم واختار سعيد وجوه الناس وأهل القادسية، وقراء أهل الكوفة فكانوا هؤلاء دخلته إذا خلا، وأما إذا خرج فكل الناس يدخل عليه فدخلوا عليه يوماً فبيناهم يتحدثون، قال حبيش بن فلان الأسدي: ما أجود طلحة ابن عبيد الله؟ فقال سعيد: إن من له مثل النشاستج لحقيق أن يكون جواداً. والله لو أن لي مثله لأعاشكم الله به عيشاً رغيداً. فقال عبد الرحمن بن حبيش، وهو حدث: والله لوددت أن هذا الملطاط لك يعني لسعيد وهو ما كان للأكاسرة على جانب الفرات الذي يلي الكوفة.

المشهد

     ان من اسماء مدينة النجف الاشرف, هي مشهد , وهي تعني: مجمع الخلق ومحفلهم وكل مكان يشهده البشر وتحتشد به فهو مشهد. وحيث أن المراقد المقدسة لم تزل مزدحمة بالزوار من كل بقاع الأرض عرفت بالمشاهد، بيد أنَ استعمال المشهد في الحرم العلوي أكثر وإطلاقه عليه اظهر حتى كاد أن يختص بها، ولهذا يقال في النسبة إليه مشهدي كما يقال نجفي[6].

وقال الحسن بن محمد الديلمي: كان لمشهد علي في النجف أهمية تفوق أهمية المشاهد الشريفة عند الشيعة الأمامية[7].

     وهذا الاسم وإن كان مشتركاً بين بقعة النجف، وبين بقاع أخرى إلا أنه أصبح خاصاً بالنجف لشهرته وكثرة وقوعه في الكلام. والمشهد، معناه مجمع الخلق ومحفلهم، وكل مكان يشهده الإنسان وتحتشد فيه الجموع، ولما كانت المراقد المقدسة في كل بقعة وبلدة، مزدحمة بالوافدين ومحتشدة بالزائرين من جميع النقاط والجهات الشاسعة والقريبة، عرفت بالمشاهد، فيقال: مشهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومشهد الإمام الحسين (عليه السلام)، ومشهد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، ومشهد الإمام الرضا (عليه السلام)، غير أن إطلاق كلمة المشهد على النجف أكثر، وإطلاقه عليه أظهر، كما جاء في الأحاديث الدينية، بحيث كاد أن يختص به، ولهذا يقال في النسبة إليه المشهدي، كما يقال: الغروي، والنجفي.

وقد كان الاسم هذا (المشهد) متداولاً وشائعاً في التاريخ قديماً وحديثاً، وجاء في أحاديث المحدثين، والرواة وقصائد الشعراء، وكلمات المؤرخين، والأدباء بصورة واضحة، وإليك النصوص الدينية، والتاريخية، والأدبية الناطقة به.

     حدثني الحسين بن محمد بن مصعب الزراع، وأخبرني أبو الحسين زيد بن علي ابن محمد بن يعقوب بن زكريا بن حرب الشيباني الخلال، قراءة عليه، في رحا أبي أيوب بالكوفة، قال: أخبرني الحسين بن محمد، عن مصعب إجازة عنه، قال الحسين ابن مصعب الزراع: حدثني محمد بن الحسين بن ابي الخطاب، قال: حدثني صفوان ابن علي البزاز، قال: حدثني صفوان الجمال، إنه قال: خرجت مع الصادق (عليه السلام) من المدينة اريد الكوفة، فلما جزنا باب الحيرة، قال يا صفوان: قلت لبيك، يا ابن رسول الله، قال: تخرج المطايا إلى القائم وجد الطريق إلى الغري، قال صفوان فلما صرنا إلى قائم الغري، أخرج رشاء معه دقيقاً قد عمل من الكنبار ثم تبعد من القائم مغرباً خطى كثيرة ثم مد ذلك الرشاء حتى انتهى إلى آخره. فوقف ثم ضرب بيده إلى الأرض فأخرج منها كفاً من تراب فشمه ملياً، ثم اقبل يمشي حتى وقف على موضع القبر الآن، ثم ضرب بيده المباركة إلى التربة فقبض منها قبضة ثم شهق شهقة حتى ظننت أنه فارق الدنيا، فلما أفاق، قال: ها هنا والله مشهد أمير المؤمنين (عليه السلام).

     ثم خط تخطيطاً، فقال: يا ابن رسول الله ما منع الأبرار من أهل بيته من إظهار مشهده؟ قال: حذراً من بني مروان، والخوارج أن تحتال في أذاه.

     وذكر محمد بن المشهدي، في مزاره أن الصادق (عليه السلام) علم محمد بن مسلم الثقفي، هذه الزيارة، وقال: إذا أتيت مشهد أمير المؤمنين، فاغتسل غسل الزيارة وألبس أنظف ثيابك.

     وقال ابن أبي الحديد، عند ترجمته لأبي القاسم علي بن الحسين المغربي: قال أبو جعفر (يحيى بن محمد بن زيد العلوي نقيب البصرة) وكان أبو القاسم المغربي، ينسب في الأزد، ويتعصب لقحطان على عدنان، وللأنصار على قريش… فقد كتب القادر إلى شرف الدولة بإلقاء القبض عليه اتصل الخبر بأبي القاسم قبل وصول الكتاب إلى شرف الدولة، فهرب ليلاً ومعه بعض غلمانه وجارية كان يهواها ويتحظاها، ومضى إلى البطيحة ثم منها إلى الموصل، ثم إلى الشام، ومات في طريقه. فأوصى أن تحمل جثته إلى مشهد علي، فحملت في تابوت ومعها خفراء العرب حتى دفن بالمشهد بالقرب منه عليه السلام.

     وقد عبر عز الدين علي بن محمد بن الأثير، عن النجف في كثير من مواضع تاريخه بالمشهد، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الاسم هذا كان متداولاً ومعلوماً عند الأقدمين قال:

– في شوال اشتدت علة عضد الدولة، وهو ما كان يعتاده من الصرع فضعفت قوّته عن دفعه فخنقه فمات منه ثامن شوال ببغداد، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام فدفن به.

– في هذه السنة (379) توفى الملك شرف الدولة ابو الفوارس شيرزيل بن عضد الدولة مستسقياً، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام فدفن به.

– وكان الوزير أبو الحسن المغربي، قد سار من مشهد علي (عليه السلام)، إلى العزيز بمصر، وأطمعه في حلب فسير جيشاً.



المشهد

     ان من اسماء مدينة النجف الاشرف, هي مشهد , وهي تعني: مجمع الخلق ومحفلهم وكل مكان يشهده البشر وتحتشد به فهو مشهد. وحيث أن المراقد المقدسة لم تزل مزدحمة بالزوار من كل بقاع الأرض عرفت بالمشاهد، بيد أنَ استعمال المشهد في الحرم العلوي أكثر وإطلاقه عليه اظهر حتى كاد أن يختص بها، ولهذا يقال في النسبة إليه مشهدي كما يقال نجفي[8].

وقال الحسن بن محمد الديلمي: كان لمشهد علي في النجف أهمية تفوق أهمية المشاهد الشريفة عند الشيعة الأمامية[9].

     وهذا الاسم وإن كان مشتركاً بين بقعة النجف، وبين بقاع أخرى إلا أنه أصبح خاصاً بالنجف لشهرته وكثرة وقوعه في الكلام. والمشهد، معناه مجمع الخلق ومحفلهم، وكل مكان يشهده الإنسان وتحتشد فيه الجموع، ولما كانت المراقد المقدسة في كل بقعة وبلدة، مزدحمة بالوافدين ومحتشدة بالزائرين من جميع النقاط والجهات الشاسعة والقريبة، عرفت بالمشاهد، فيقال: مشهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومشهد الإمام الحسين (عليه السلام)، ومشهد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، ومشهد الإمام الرضا (عليه السلام)، غير أن إطلاق كلمة المشهد على النجف أكثر، وإطلاقه عليه أظهر، كما جاء في الأحاديث الدينية، بحيث كاد أن يختص به، ولهذا يقال في النسبة إليه المشهدي، كما يقال: الغروي، والنجفي.

وقد كان الاسم هذا (المشهد) متداولاً وشائعاً في التاريخ قديماً وحديثاً، وجاء في أحاديث المحدثين، والرواة وقصائد الشعراء، وكلمات المؤرخين، والأدباء بصورة واضحة، وإليك النصوص الدينية، والتاريخية، والأدبية الناطقة به.

     حدثني الحسين بن محمد بن مصعب الزراع، وأخبرني أبو الحسين زيد بن علي ابن محمد بن يعقوب بن زكريا بن حرب الشيباني الخلال، قراءة عليه، في رحا أبي أيوب بالكوفة، قال: أخبرني الحسين بن محمد، عن مصعب إجازة عنه، قال الحسين ابن مصعب الزراع: حدثني محمد بن الحسين بن ابي الخطاب، قال: حدثني صفوان ابن علي البزاز، قال: حدثني صفوان الجمال، إنه قال: خرجت مع الصادق (عليه السلام) من المدينة اريد الكوفة، فلما جزنا باب الحيرة، قال يا صفوان: قلت لبيك، يا ابن رسول الله، قال: تخرج المطايا إلى القائم وجد الطريق إلى الغري، قال صفوان فلما صرنا إلى قائم الغري، أخرج رشاء معه دقيقاً قد عمل من الكنبار ثم تبعد من القائم مغرباً خطى كثيرة ثم مد ذلك الرشاء حتى انتهى إلى آخره. فوقف ثم ضرب بيده إلى الأرض فأخرج منها كفاً من تراب فشمه ملياً، ثم اقبل يمشي حتى وقف على موضع القبر الآن، ثم ضرب بيده المباركة إلى التربة فقبض منها قبضة ثم شهق شهقة حتى ظننت أنه فارق الدنيا، فلما أفاق، قال: ها هنا والله مشهد أمير المؤمنين (عليه السلام).

     ثم خط تخطيطاً، فقال: يا ابن رسول الله ما منع الأبرار من أهل بيته من إظهار مشهده؟ قال: حذراً من بني مروان، والخوارج أن تحتال في أذاه.

     وذكر محمد بن المشهدي، في مزاره أن الصادق (عليه السلام) علم محمد بن مسلم الثقفي، هذه الزيارة، وقال: إذا أتيت مشهد أمير المؤمنين، فاغتسل غسل الزيارة وألبس أنظف ثيابك.

     وقال ابن أبي الحديد، عند ترجمته لأبي القاسم علي بن الحسين المغربي: قال أبو جعفر (يحيى بن محمد بن زيد العلوي نقيب البصرة) وكان أبو القاسم المغربي، ينسب في الأزد، ويتعصب لقحطان على عدنان، وللأنصار على قريش… فقد كتب القادر إلى شرف الدولة بإلقاء القبض عليه اتصل الخبر بأبي القاسم قبل وصول الكتاب إلى شرف الدولة، فهرب ليلاً ومعه بعض غلمانه وجارية كان يهواها ويتحظاها، ومضى إلى البطيحة ثم منها إلى الموصل، ثم إلى الشام، ومات في طريقه. فأوصى أن تحمل جثته إلى مشهد علي، فحملت في تابوت ومعها خفراء العرب حتى دفن بالمشهد بالقرب منه عليه السلام.

     وقد عبر عز الدين علي بن محمد بن الأثير، عن النجف في كثير من مواضع تاريخه بالمشهد، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الاسم هذا كان متداولاً ومعلوماً عند الأقدمين قال:

– في شوال اشتدت علة عضد الدولة، وهو ما كان يعتاده من الصرع فضعفت قوّته عن دفعه فخنقه فمات منه ثامن شوال ببغداد، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام فدفن به.

– في هذه السنة (379) توفى الملك شرف الدولة ابو الفوارس شيرزيل بن عضد الدولة مستسقياً، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام فدفن به.

– وكان الوزير أبو الحسن المغربي، قد سار من مشهد علي (عليه السلام)، إلى العزيز بمصر، وأطمعه في حلب فسير جيشاً.

النجف

     النجف اسم عربي وهو أشهر أسمائها والغالب عليها كلها، قال الفيروز آبادي في القاموس: (النجف محرَّكة، وبهاء، (النجفة): مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد، ويكون في بطن الوادي، وقد يكون ببطن من الأرض، جمعه نجاف، أو هي أرض مستديرة مشرفة على ما حولها، والنجف محرَّكة: التَّلَّ.. والمسناة ومسناة بظاهر الكوفة تمنع ماء السيل أن يعلو مقابرها ومنازلها..)[10]، وقال الجوهري في الصحاح (النجف والنجــفة بالتحريك: مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد والجمع نجاف..)[11]، وقال الزمخشري في أساس البلاغة: (وفي بطن الوادي نجفة ونجاف وهي مكان مستطيل كالجدار لا يعلوه الماء)[12].

     قال الدكتور مصطفى جواد رحمه الله: (وفذلكة الأقوال أن النجف إنما سمي بهذا الاسم لأنه يعني أرضا عالية معلومة تشبه المسناة تصد الماء عما جاورها وينجفها الماء من جوانبها أيام السيول ولكنه لا يعلوها فهي كالنجد والسد[13].

     يكاد أن لا تعرف تربة بقعة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) باسم، من بين شتى أسماءها إلا بالنجف… منذ القدم إلى يومنا هذا، وإن اشتهارها به أظهر من بقية الأسماء السالفة، لذلك كان أكثر استعمالاً ووقوعاً في الأحاديث الدينية، وكلمات اللغويين، والمؤرخين، والرحالين، والشعراء، والأدباء، وعند سواد الناس من الرجال والنساء بصورة عامة، على اختلاف طبقاتهم، ونحلهم، ولغاتهم، وجنسياتهم. حتى أن أكثر المصنفات التي تناولت دراسة النجف، وتبيان تاريخها وجوانبها نجدها مشفعة عناوينها باسم النجف، مع ذكرهم لواحد من أسماءها، أمثال: كتاب شعراء الغري أو النجفيات… وفرحة الغري في تعيين قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف… ومشهد الإمام أو مدينة النجف… إلى غيره من المؤلفات التي يطول بنا الحديث إذا ما توخينا ذكرها ففي كتب الفهارس نماذج مفصلة منها.

وإليك بيان بعض الأحاديث الدينية التي جاءت فيها اسم النجف…

    محمد بن علي بن الحسن العلوي في كتاب (فضل الكوفة) بإسناد رفعه إلى عقبة ابن علقمة أبي الجنوب، قال: اشترى أمير المؤمنين (عليه السلام) ما بين الخورنق إلى الحيرة إلى الكوفة. وفي حديث ما بين النجف إلى الحيرة إلى الكوفة، من الدهاقين بأربعين ألف درهم وأشهد على شرائه.

     ابن أبي قرة عن محمد بن عبد الله عن إسحاق بن محمد بن مروان، عن أبيه عن علي بن سيف بن عميرة، عن أبين عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان أبي علي بن الحسين (عليه السلام) قد اتخذ منزله من بعد مقتل أبيه الحسين بن علي (عليه السلام) بيتاً من شعر، وأقام بالبادية فلبث بها عدة سنين كراهية لمخالطة الناس وملابستهم. وكان يصير من البادية بمقامه إلى العراق زائراً لأبيه وجده (ع). ولا يشعر بذلك من فعله. قال محمد بن علي: فخرج سلام الله عليه متوجهاً إلى العراق لزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وأنا معه وليس معنا ذو روح إلا الناقتين. فلما انتهى إلى النجف من بلاد الكوفة، وصار إلى مكان منه فبكى حتى اخضلت لحيته بدموعه.

     أبو القاسم بن سعيد، عن شمس الدين فخار الموسوي، عن شاذان بن جبرئيل، عن محمد بن القاسم، عن الحسن، عن أبيه محمد بن الحسن، عن المفيد، عن الصدوق، عن ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن صفوان عن الصادق (عليه السلام) قال: سار وأنا معه في القادسية حتى أشرف على النجف، فقال: هو الجبل الذي اعتصم به ابن جدي نوح (عليه السلام) فقال: (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) فأوحى الله (عز وجل) إليه، أيعتصم بك مني أحد؟ فغار في الأرض وتقطع إلى الشام. فقال (عليه السلام): اعدل بنا فعدلت به فلم يزل سائراً حتى أتى الغري، فوقف على القبر، وقال: هذا قبر جدي علي بن أبي طالب (عليه السلام).

     حدثنا علي بن أحمد بن محمد (رضي الله عنه)، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسن بن يزيد النوفلي، عن علي ابن أبي حمزة، عن ابي النعمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إن النجف كان جبلاً، وهو الذي قال ابن نوح: (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) ولم يكن على وجه الأرض جبل أعظم منه، فأوحى الله (عز وجل) إليه، يا جبل أيعتصم بك مني؟ فتقطع قطعاً قطعاً إلى بلاد الشام، وصار رملاً دقيقاً وصار بعد ذلك بحراً عظيماً. وكان يسمى ذلك البحر (ني) ثم (جف) بعد ذلك، فقيل: ني جف فسمى بنجف. ثم صار الناس بعد ذلك يسمونه نجف، لأنه كان أخف على ألسنتهم.

     هذا وإن أكثر الأحاديث الدينية التي وردت في اسم الغري، هي بعينها التي جاءت في اسم النجف… ننتقل إلى قواميس اللغة، لنقرأ كلمات اللغويين، والمؤرخين في هذا الاسم.

     النجف اسم عربي، ومعناه (المنجوف) كالعدد بمعنى المعدود، قال ابن فارس، النون، والجيم، والفاء أصلان صحيحان، أحدهما يدل على تبسيط في شيء مكان أو غيره. والآخر يدل على استخراج شيء. فالأول، النجف مكان مستطيل منقاد، ولا يعلوه الماء، والجمع نجاف. ويقال: هي بطون من الأرض في أسافلها سهولة تنقاد في الأرض، لها أودية تنصب إلى لين من الأرض، ويقال لابط الكثيب نجفة الأرض. ومن الباب النجيف من السهام العريض، ونجفت السهم بريته. كذلك وأصلحته وسهم منجوف ونجيف وغار منجوف واسع.

     قال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: النجف، والنجفة بالتحريك، مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد، والجمع نجاف وأورد بعد ذلك كبعض ما نقلناه آنفاً.

وقال أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري: وفي بطن الوادي نجفة ونجف، وهي مكان مستطيل كالجدار لا يعلوه الماء وجاء في لسان العرب: النجفة أرض مستديرة مشرفة، والجمع نجف ونجاف.

     ابن سيده: النجف، والنجاف شيء يكون في بطن الوادي، شبيه بنجاف الغبيط جنداً، وليس بجد عريض له طول منقاد من بين معوج ومستقيم الماء، وقد يكون في بطن الأرض… والنجفة شبه التل… وقال الليث: النجفة تكون في بطن الوادي، شبه جدار ليس بعريض… ابن الأعرابي: النجفة، المسناة، والنجف التل. قال الأزهري: والنجفة التي بظهر الكوفة، وهي كالمسناة تمنع ماء السيل أن يعلو منازل الكوفة ومقابرها.

      وقال الفيروز آبادي: النجف، محركة وبهاء (النجفة) مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد، وقد يكون في بطن الوادي، وقد يكون ببطن من الأرض، جمعه نجاف أو هي ارض مستديرة مشرفة على ما حولها، والنجف محركة، التل، والمسناة، ومسناة بظاهر الكوفة تمنع ماء السيل أن يعلو مقابرها ومنازلها.

      وقال المطرزي في المغرب: النجف بفتحتين كالمسناة بظاهر الكوفة على فرسخين منها، يمنع ماء السيل أن يعلو منازلها ومقابرها، ومنه قول القدوري، كان الأسود إذا حج قصر من النجف وعلقمة من القادسية.

     وقال ابن الأثير: وفي الحديث، أي رب قدمني إلى باب الجنة فأكون تحت نجاف الجنة… قيل: هو اسكفة الباب. وقال الأزهري: هو دروندة. يعني أعلاه. والنجفة: شبه التل. وفي حديث عمرو بن العاص، أنه جلس على منجاف السفينة، قيل: هو سكانها الذي تعدل به. سمي به لارتفاعه.

     وقال الخوري الشرتوتي: النجاف بالكسر مصدر. وفي الأساس على بابه نجاف، وهو ما بنى فوق الباب مشرفاً عليه كنجاف الغار. ونجاف الغار، صخرة ناتئة تشرف عليه، النجف: محركة مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد، ويكون في بطن الوادي، وقد يكون في بطن من الأرض. والنجفة: محركة النجف، للمكان المذكور والمسناة. ومسناة بظواهر الكوفة، تمنع ماء السيل أن يعلو مقابرها ومنازلها.

     وقال ياقوت الحموي: النجف بالتحريك… وهو بظهر الكوفة كالمسناة، تمنع مسيل الماء أن يعلو الكوفة ومقابرها. وبالقرب من هذا الموضع قبر أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب(عليه السلام). وقد ذكرته الشعراء في أشعارها فأكثرت.

     وقال أبو الفداء الملك المؤيد إسماعيل بن علي. في وصف الحيرة:- والحيرة مدينة جاهلية كثيرة الأنهار، وهي عن الكوفة على نحو فرسخ. والحيرة على موضع يقال له النجف، زعم الأوائل أن بحر فارس كان يتصل به وبينها اليوم مسافة بعيدة.

وادي السلام

     من أسماء النجف المشهورة، هذا الاسم الذي ورد في بعض الأحاديث الدينية، وعلى لسان بعض الأئمة عليهم السلام، وقد اختصت هذه البقعة المقدسة بفضل الدفن فيها، والتختم بحصبائها، وجوارها المقدس. وثبت لها مزية على سائر بقاع الأئمة (عليه السلام) من رفع عذاب القبر عمن دفن بها وعدم سؤال منكر، ونكير في البرزخ، وأنها محشر أرواح المؤمنين… وطار صيتها في آفاق الشيعة في حياة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبعد وفاته أخذت الشيعة باختلاف فرقها، تقبر موتاها بتلك التربة الطاهرة، قبل أن يقبر بها مشرفها (عليه السلام) وتنقلهم إليها من الأقطار النائية، رغم وعثاء السفر ومشقة الطريق، ومؤونة النقل، فهم مع هذه المشاق والمتاعب يتفانون في نقل موتاهم إليها طمعاً في خلاصهم من العذاب ورجاء لشفاعته (عليه السلام) لهم.

     لذلك يمكن القول بصراحة أن وادي السلام، من اكبر وأوسع مقابر العالم، وأن النجف بمجموعها مقابر ومدافن، وسراديب البيوتات القديمة وغرفها مكتظة بالأموات، وقد حدث هذا خلال محاصرة الروم للنجف سنة 1032هـ، حين تحصن أهلها داخل البلد، وأغلقوا الأبواب ومنعوا من الدخول والخروج، أخذت الناس تقبر موتاهم في بيوتهم، وكذلك خلال الحوادث الدامية التي اجتازت النجف في القرون الأربعة الأخيرة.

     عند الدخول إليها يتملك المرء شعور أزاء هذا الصمت الرهيب الذي يحيط بالمكان ووسط هذه القبور التي تمتد حيث يمتد البصـر تدرك ان عالم الأحياء في طريقه إلى هنا حيث عالم الأموات وكأن الناس ينتظمون في طابور طويل ليأخذوا مكاناً لهم بين هذه القبور.

     أغلب القبور كتب عليها عبارة (كل من عليها فان) وهي آية من آيات القرآن الكريم وإذا كانت تتمايز بما شيّد عليها من بناء فان تحت الأرض لا فرق بين غنـي وفقير ، إنها مقبرة وادي السلام في أرض النجف الأشرف

     تعدّ مقبرة النجف أو مقبرة وادي السلام أو الغري من أكبر مقابر العالم يحدها من بعض جوانبها معالم العمران بينما هي في جانب آخر لا تحدها حدود وهي دائمة التوسع تضم في جنباتها ملوك ورؤساء ووزراء وفقراء وضحايا لكوارث وضحايا لحروب وضحايا للجرائم المنظمة التي عاشها العراقيون حقباً طويلة من الزمان. فقد تداخلت القبور في أرض النجف تلاصقت مع معالم المدينة وامتدت شمالا وجنوباً وشرقاً وغرباً ولم تكتف من الموتى بل ما فتئت تطلب المزيد.

     وتعد هذه البقعة مباركة حيث تضم مرقد النبيين هود وصالح (عليه السلام) كما تضم قبور عدد كبير من أولياء الله الصالحين والعلماء والمؤمنين الشيعة الذين دفنوا منذ أن عرف قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف سنة 170 هجرية.

     ومنذ أكثر من الف سنة والشيعة تجهد في نقل جثث ورفاة موتاهم من شتى بلدان العالم إلى وادي السلام لما وردت في فضيلته روايات كثيرة تدل على قدسية المكان كما أن هناك روايات تؤكد على أن وادي السلام بقعة من بقاع جنة عدن وأن أرواح المؤمنين تجتمع إلى بعضها في هذا الوادي.

     فقد روي عن حبة بن جوين العرني قال خرجت مع أمير المؤمنين (عليه السلام )إلى الظهر فوقف بوادي السلام كأنه مخاطب لأقوام فقمت بقيامه حتى عييت ثم صليت حتى مللت ثم قمت حتى نالني مثل ما نالني أولا ثم صليت حتى مللت ثم قمت وجمعت ردائي فقلت : يا أمير المؤمنين أني قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة ثم طرحت الرداء ليجلس عليه فقال لي: يا حبة أن هو إلا محادثة مؤمن أو مؤانسته قال قلت : يا امير المؤمنين وأنهم كذلك قال نعم، ولو كشف لك لرأيتهم حلقاً حلقاً محتبين يتحادثون فقلت أجسام أم أرواح فقال : أرواح وما من مؤمن يموت في بقعة من بقع الأرض الا قيل لروحه الحقي بوادي السلام وأنها لبقعة من جنة عدن.

     فأنها مرسى لسفينة نوح ومرقد آدم وهود وصالح وتذكر الأحاديث بأن في هذه الأرض أتخذ نبي الله نوح (عليه السلام) مكاناً للسفينة وفي سنة 40 هجرية دفن فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) فمنذ أقدم العصور تشكّلت اقدم مقبرة في التاريخ ويصح القول بأنها أقدم مقبرة إسلامية ان اتجهت بناظريك في شمال النجف وغربها ترى آلاف القبور المشيّدة وعند دخولك هذه المقبرة الواسعة ستدرك عمق هذه المقبرة في التاريخ من خلال المواد التي بنيت بها القبور فضلاً عن تواريخ الدفن المدوّنة على القبور: ووادي السلام ليس مقبرة للنجف وحدها ولا للعراق وحده بل لكثير من البلدان كإيران والهند وباكستان والكويت وغيرها فأن كثير من عظماء هذه البلدان تنقل جنائزهم إلى النجف الأشرف.

     وفي وادي السلام لا يشعر الإنسان انه في مقبرة بل يشعر انه يقف على أطلال العالم وخرائب الدنيا ويشعر بصمت عميق غمر الملوك والرعايا ويرى قبوراً مائلة للانهدام وقبوراً جديدة والقبور بين قبر عليه دكة تختلف صغراً وكبراً وآخر حوله سور يختلف سعة وارتفاعاً وثالث عليه بنية والبنيات قد تكون ذات فخامة وأتقان تشبه داراً من أحسن الدور يقيم فيها شخص يقرأ القرآن في أوقات معينة ويتقاضى راتباً من ذوي العلاقة ويوجد في تلك المقابر وغيرها ماء مبذول لمن يحتاج يسمى (السبيل) وكثير من المقابر عليها قباب تختلف كبراً وصغراً ولوناً وتصميماً وكثير من القبور تاريخي وعلى كل قبر صخرة نحت عليها اسم الميت وتاريخ وفاته وبعض الكلمات الأخرى،

     والصخور التي نقش عليها الاسم بين صخر طبيعي بسيط وبين صخر من الرخام الجديد وقد كتب عليها بالإضافة إلى الاسم بيت من الشعر القريض أو الشعبي وقد يتضمن تاريخاً في بعض فقراته وهو بين رثاء للميت ومدح وموعظة.

     ويراد بوادي السلام جبَّانة النجف الواسعة، ودلالة لفظ وادي السلام على النجف من باب ذكر لفظ الجزء والمراد منه الكل، وتسمية الوادي بوادي السلام لاعتقاد أن الأجساد والنفوس تنعم فيه بسلام وأمان من الوحشة والعذاب لقربها من مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام)[14].

     ووردت روايات كثيرة عن أهل البيت (عليهم السلام) في فضل هذه البقعة وقدسيتها واستحباب الدفن فيها، عن أبي عبد الله الأمام الصادق (عليه السلام) انه قال: (ما من مؤمن يموت في شرق الأرض أو غربها إلا وحشر الله روحه إلى وادي السلام، قيل أين وادي السلام؟ قال: بين وادي النجف والكوفة)[15].

     (وكان أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يأتي النجف ويقول: وادي السلام ومجتمع أرواح المؤمنين، ونعم المضجع للمؤمن هذا المكان، اللهم اجعل قبري بها)[16].

لقد كانت العرب تسمي أرض النجف قديما بـ (خدّ العذراء)، حيث تنبت أرضه المعشبة من أزهار الطيب أشذاها وأحلاها كالخزامى والأقحوان والشيح والقيصوم والزعفران وشقائق النعمان وغيرها.

ولشقائق النعمان وتربة النجف علاقة حميمة، فقد روي عن ابن الجوزي قوله في كتابه الأذكياء: “مر النعمان يوما بالشقائق فأعجبته فقال: من نزع من هذا شيئا فانزعوا كتفه، قال: فسميت شقائق النعمان”[17].

     لذلك وغيره فقد غدت النجف وأرضها متنزها للساسانيين والمناذرة قبل الإسلام، والعباسيين ومن تبعهم بعده، فقد أورد الطبري أن النعمان بن المنذر ذكر “أنه جلس يوما في مجلسه من الخورنق فاشرف منه على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان والأنهار، مما يلي المغرب، وعلى الفرات مما يلي المشرق، وهو على متن النجف في يوم من أيام الربيع فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار”[18] .

     وذكر صاحب كتاب المناقب المزيدية: ان كسرى أقطع النعمان عدة قطائع بينها (طباق السلالم) وأنها معروفة بأرض النجف في غرب بلاد تستر، فكان خراج ذلك للنعمان في كل سنة مائة ألف درهم .

     أما بعد الإسلام وبخاصة زمن تقدم الحضارة وشيوع الترف عند الحكام والأمراء والأغنياء فقد بهرت طبيعة أرض النجف ألباب بعض من خلفاء بني العباس تلك الآونة ومن أقدمهم السفاح والمنصور وهارون العباسي، فبنوا القصور المشرفة عليها كقصر أبي الخصيب والقصر الأبيض وغيرها ليتنزهوا بها أيام الربيع[19].

    أما بقية الأسماء التي تعني النجف وما حولها فهي: (ظهر الحيرة، نجف الكوفة، نجف الحيرة، النجفة، الملطاط، اللسان، الرحى، دومة الكوفة، دومة الحيرة، الجرف، الطف المجاز، الربوة، طور سيناء، الجودي، براثا، الثوية)[20].  

—————————————————————————-

[1] تاريخ النجف الاشرف:1/ 23.

[2] المصدر السابق: 1/ 39.

[3] تاج العروس م 10 /648.

[4] معجم البلدان: 4/ 196 ــ 200.

[5] المصدر السابق: 4 / 196 ــ 200.

[6] ماضي النجف وحاضرها: 1/11.

[7] أرشاد القلوب: 2 /231.

[8] ماضي النجف وحاضرها: 1/11.

[9] أرشاد القلوب: 2 /231.

[10]موسوعة العتبات المقدسة: قسم النجف: 1/ 9 ــ 10.

[11] المصدر السابق: 1 /9 ــ 10.

[12] المصدر السابق: 1/ 9 ــ 10.

[13] موسوعة العتبات المقدسة: قسم النجف: 1 ــ 9 ــ 10.

[14] النجف الاشرف عاداتها وتقاليدها: 9.

[15] تاريخ النجف الاشرف: 1/ 38، أرشاد القلوب: 2/ 231.

[16] المصدر السابق: 1/ 39.

[17]  ماضي النجف وحاضرها. سابق:1/4. هامش1 نقلا عن المصدر المذكور.

[18]  موسوعة العتبات المقدسة 6. جعفر الخليلي.  قسم النجف: 1/135.

[19]  أنظر مثلا: ماضي النجف وحاضرها. سابق: 1/4 وما بعدها والنجف والحيرة. د. مصطفى جواد: 58 وما بعدها  والجواهري شاعر من القرن العشرين. د. جليل العطية:14 وما بعدها.

[20] تاريخ النجف الاشرف: 1/ 23 ــ 41.


المصدر: https://www.imamali.net

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى