التاريخ الإسلاميالقرآن الكريمسادة القافلةسيرة أهل البيت (ع)مناسباتمنوعات

حوادث السنة الرابعة من الهجرة: فاجعة فريق المبلّغين1

لقد ظهرت الآثار السياسية لنكسة المسلمين في معركة “اُحُد” بصورة واضحة بعد الحرب.

فمع أن المسلمين أظهروا مقاومة رائعة أمام العدوّ المنتصر ومنعوا من رجعته الى المدينة وتحقيق أهدافه الخطيرة في استئصال المسلمين إلا أن التحريكات الداخليّة والخارجية ضدّ الاسلام بهدف القضاء على هذا الدين، ورجاله قد تصاعد مدّها في أعقاب حادثة “اُحُد”.

وقد تجرّأ منافقو المدينة، ويهودها والمشركون المتواجدون في شتى النقاط البعيدة خارج المدينة على أثر ذلك، وبدأوا يحيكون المؤمرات ضدّ الاسلام والمسلمين ويجمعون الاسلحة والرجال لشن الحروب والغارات على المدينة.

وقد استطاع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وبمهارة كبيرة إطفاء كلّ تلك التحريكات، كما واستطاع قمع تحرّكات القبائل القاطنة خارج المدينة التي كانت تنوي الهجوم على المدينة وذلك بارسال السرايا والمجموعات القوية من المجاهدين.

وفي هذه الاثناء بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله نبأ مفاده أن قبيلة بني أسد تنوي الهجوم على المدينة وتسخيرها، وقتل المسلمين، ونهب أموالهم، فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من فوره جماعة من المقاتلين يبلغ عددهم (150) رجلاً بقيادة “أبي سلمة” الى منطقة تجمع المتآمرين.

ثم إنه صلّى اللّه عليه وآله أوصاهم بأن يخفوا مقصدهم الأصلي، ويسلكوا طريقاً آخر غير الطريق المتعارف، ويقيموا نهاراً ويسيروا ليلاً، ليعمّوا على القوم.

وقد فعل “أبو سلمة” وجماعته ما أوصاهم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فكانوا يسيرون الليل، ويكتمون النهار، حتى وردوا المنطقة فاحاطوا ببني أسد في عماية الصبح، وقضوا على المؤامرة في مهدها، وعادوا غانمين موفورين إلى المدينة، وقد وقعت هذه الحادثة في شهر المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهراً من الهجرة2.

خطة ماكرة للفتك بالمبلّغين:
كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقوم بافشال بارسال السرايا والمجموعات العسكرية جميع مؤامرات المتآمرين ضد الاسلام، كما أنه كان يقوم الى جانب ذلك ببعث المجموعات التبليغية الى القبائل، والجماعات وبذلك يجلب قلوب المحايدين منهم نحو العقائد الاسلامية.

وكان المبلّغون والدعاة الذين كانوا من قراء القرآن الكريم، ومن الملمين بالاحكام الاسلامية والتعاليم النبوية يبدون استعداداً عجيباً للقيام بهذه المهمّة الصعبة ولو كلَّفت حياتهم فكانوا ينقلون تعاليم الاسلام إلى الناس في المناطق النائية، والاماكن البعيدة بأوضح بيان وأوضح اسلوب.

ولقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ببعثه للمجموعات العسكرية من جانب، وارساله للفرق التبليغية من جانب آخر يقوم – في الحقيقة – بوظيفتين هامتين من وظائف المنصب النبوي. فهو ببعثه للسرايا والمجموعات العسكرية كان يقصد في الحقيقة القضاء على محاولات التمرّد والتآمر التي كانت في مرحلة التحقق والتكوّن لكي يتسنى للمجموعات التبليغية في ظل الأمن الحرية الدعوة إلى الاسلام، والقيام بوظيفتها الاساسية ألا وهي ارساء دعائم الحكومة الاسلامية في القلوب، وتنوير الافكار، وايقاظ العقول.

ولكن بعض القبائل المتوحّشة، والمنحطّة أخلاقياً وفكريّاً كانت تتحايل على المجموعات التبليغية التي كانت تمثل القوى المعنوية للاسلام، والتي لم يكن لها هدف سوى نشر التوحيد، واقتلاع جذور الكفر والوثنية، وكانوا يقتلونهم بصورة فظيعة ومفجعة.

وفيما يلي نلفت نظر القارئ الكريم إلى قصة مجموعة من الدعاة والمبلّغين الذين لقوا هذا المصير وكان عددهم يبلغ ستة أشخاص حسب رواية ابن هشام3، أو عشرة أشخاص حسب رواية ابن سعد4.

الغدر بالدعاة الى الإسلام وقتلهم:
لقد مشت جماعة من قبيلتي “عضل” و”القارة” إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقالوا – وهم يضمرون المكر – يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إن فينا إسلاماً فاشياً فابعث معنا نفراً من أصحاب يقرِئوننا القرآن، ويفقهوننا في الاسلام.

فرأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن من واجبه الاستجابة لمطلب تلك الجماعة التي كانت تمثل قبائل كبرى، كما رأى المسلمون أيضاً أن من واجبهم أن يستفيدوا من هذه الفرصة مهما كلّف الثمن.

من هنا بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله جماعة بقيادة “مرثد بن أبي مرثد الغنويّ” مع تلك الجماعة إلى القبائل المذكورة.

فخرج هؤلاء المبلغون ووفد القبيلتين من المدينة متوجّهين الى حيث تتواجد “عضل” و”قارة”، ولمّا كانوا بماء يسمى الرجيع تقطن عنده قبيلة تدعى “هذيل” كشف مندوبو القبيلتين عن نواياهم الشرّيرة، واستصرخوا هذيلاً وكميناً من رجالهم، وكانوا مائة رام وبأيديهم السيوف فاحاطوا بالدعاة يريدون أسرهم ثم قتلهم وابادتهم !!

فلم ير المبلّغون بدّاً – وهم محاطون بتلك الجماعات المسلحة – من اللجوء الى سيوفهم والدفاع عن أنفسهم.

ولكن العدوّ قال: ما نريد قتالكم، وما نريد إلا ان نصيب منكم من أهل مكة ثمناً، ولكم عهد اللّه وميثاقه لا نقتلكم !!

فنظر الدعاة بعضهم الى بعض، وقرر أكثرهم المقاومة وعدم الرضوخ لهذا العرض الغادر، والخطة الماكرة، وقال أحدهم: إني نذرت أن لا أقبل جوار مشرك5 ثم جعلوا يقاتلون القوم قتال الرجال الابطال، حتى قتلوا إلا ثلاث هم: “زيد بن دثنّة”، و”حبيب بن عديّ”، و”عبد اللّه بن طارق البلويّ” فقد أغمد هؤلاء سيوفهم وسلّموا، فاُخِذوا ووثّقوا بأوتار قسيّهم، ولكن “عبد اللّه” ندم على فعله، فنزع يده من رباطه ثم أخذ سيفه، وراح يقاتلهم حتى قتلوه رمياً بالحجارة، وقد انحازوا عنه وهو يشدّ فيهم وينفرجون عنه، ودفن في مر الظهران.

ثم أخذوا الأسيرين الآخرين “خبيباً” و”زيداً” وقدموا بهما مكة فباعوهما لأهل مكة !!

فأمّا زيد بن الدثنَّة فقد اشتراه “صفوان بن اُمية” وقتله ثأراً لابيه، ولقتله قصة عجيبة سطرّ فيها أروع آيات المقاومة والوفاء والاخلاص.

فقد اشتراه “صفوان بن امية” كما أسلفنا ليقتله بأبيه، وقد حبسه صفوان في الحديد، وكان يتهجّد بالليل ويصوم بالنهار، ولا يأكل شيئاً مما اُتي به من الذبائح، وهو في الاسر والحبس.

ثم إنه اُخرِج إلى “التنعيم”6 ليُصلب على مرأى حشد كبير من الناس.

فرفعوا له جذعاً، فقال: دعوني اُصلّي ركعتين، فصلّى ركعتين، ثم حملوه على الخشبة ثم جعلوا يقولون له: يا زيد إرجع عن دينك المُحدث، واتّبع ديننا، ونرسلك فيقول: واللّه لا اُفارق ديني أبداً.

فقال له أبو سفيان فرعون مكة وأشدّ المتآمرين على الاسلام ومدبر أغلب الحروب ضد رسول اللّه، والمسلمين: أنشدك باللّه يا زيد أيسرّك أن محمّداً في أيدينا مكانك وأنت في بيتك ؟. فقال زيد بشجاعة ووفاء عظيمين: ما يسرّني أنّ محّمداً اُشِيك بشوكة واني في بيتي، وجالس في أهلي !!!

وقد كان لهذه الكلمة أثر الصاعقة في نفس طاغية مكة أبي سفيان فقال: ما رأينا أصحاب رجلٍ قطّ أشدّ حبّاً من أصحاب محمّد بمحمّد !!

ولم تمض لحظات إلا وصار “زيد” على خشبة الاعدام وطارت روحه الى خالقها، ومضى ذلك المسلم الوفيّ، والمؤمن الشجاع شهيد الثبات في طريق العقيدة، والدفاع عن حياض الدين7.

واما “خُبيب” فقد حبس مدةً من الزمان حتى قرّر ندوة مكة قتله، فخرجوا به الى التنعيم ليصلبوه وخرج معه النساء والصبيان والعبيد وجماعة من أهل مكة، فقال لهم: إن رأيتم ان تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا، فقالوا دونك فاركع.

فركع ركعتين أتمّهما وأحسنهما ثم اقبل على القوم وقال: أما واللّه لولا أن تظنّوا أنّي إنما طوّلتُ جزعاً من القتل لاستكثرتُ من الصلاة !!

ثم رفعوه على خشبة ثم وجّهوه الى المدينة، وأوثقوه رباطاً، ثم قالوا له: إرجع عن الاسلام، نخلّ سبيلك. قال: لا واللّه ما أحبُّ أنّي رجعتُ عن الاسلام وأنّ لي ما في الأرض جميعاً. فقالوا: أما واللات والعزّى لئن لم تفعل لنقتلنّك !

فقال: إن قتلي في اللّه لقليل، فلمّا أبى عليهم وقد جعلوا وجهه من حيث جاء (أي نحو المدينة)، قال: أما صرفكم وجهي عن القبلة، فان اللّه يقول: “فأينَما تُولُّوا فثمَّ وجهُ اللّهِ” ثم قال: اللهم إني لا أرى إلا وجه عدوّ، اللهم أنه ليس ها هنا أحد يبلّغ رسولَك السلام عنّي فبلّغه أنت عنّي السلام. ثم دعا على القوم وقال: اللّهم أحصهِم عدداً واقتُلهُم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.

ثم دعوا أبناءً من أبناء من قُتِل ببدر فوجدوهم أربعين غلاماً، فأعطوا كل غلامٍ رمحاً، ثمّ قالوا هذا الّذي قتل آباءكم، فطعنوه برماحهم طعناً خفيفاً فاضطرب على الخشبة فانقلب، فصار وجهه الى الكعبة، فقال: الحمد للّه الّذي جعل وجهي نحو قبلته التي رضي لنفسه ولنبيه وللمؤمنين !!

فأثارت روحانيته الكبرى، وطمأنينته العظيمة غيظ أحد المشركين الحاضرين، وهو “عقبة بن الحارث” وتملكه غضب شديد من إخلاصه للاسلام فأخذ حربته وطعن بها خبيباً طعنة قاضية، قتلته، وهو يوحّد اللّه ويشهد أن محمّداً رسول اللّه. ويروي ابن هشام أن خبيباً أنشد قبل مقتله أبياتاً عظيمة نذكر هنا بعضها:
إلى اللّهِ أشكُو غُربتي ثم كُربتي     وما أرصد الأحزابُ لي عند مصرعي
فذا العرش صبّرني على ما يُرادُ بي     فقد بضّعوا لحمي وقدياس مطمعي
وذلك في ذات الاله وأن يش                يبارك على أوصالِ شلوٍ مُمزَّع
وقد خيّروني الكفر والموت دونه      وقد هملت عيناي من غير مجزع
وما بي حُذارُ الموت أني لميّت             ولكن حِذاري جحم نار ملفَّع
فو اللّه ما أرجو إذا متّ مسلم     على أي جنب كان في اللّه مصرعي
فلستُ بمُبدٍ للعدوّ تخشع                 ولا جزعاً إنّي إلى اللّهِ مرجعي


وقد أحزنت هذه الحادثة الاليمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، وكذا جميع المسلمين.

وأنشد فيهم “حسانُ بن ثابت” أبياتاً ذكرها ابن هشام في سيرته، كما أنه هجا هذيلاً في أبيات اُخرى لارتكابهم هذه الجريمة النكراء8.

ولقد خشي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن تتكرر مثل هذه الجريمة النكراء، وبذلك يواجه رجال التبليغ والدعوة الذين كان يعدهم بصعوبة بالغة مصاعب في سبيلهم، ويتعرضون لخسائر لا تجير، وعمليات غدر واغتيال اُخرى.

وقد بقي جثمان هذا المسلم المجاهد على الخشبة مدة من الزمن، يحرسه جماعة من المشركين حتى قام رجلان قويّان شجاعان من المسلمين بانزاله من فوق الصليب ليلاً، ومن ثم دفنه بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله9.

جريمة بئر معونة:
وفي شهر صفر من السنة الرابعة وقبل أن يصل نبأ مصرع الدعاة المذكورين واستشهادهم على أيدي المشركين في منطقة الرجيع الى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله، قدم أبو براء العامري المدينة فدعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الى الاسلام فلم يسلم ولكنّه قال للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله يا محمّد إني ارى أمرك حسناً، فلو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل “نجد” فدعوهم إلى أمرك رجوتُ أن يستجيبوا لك فان هم اتبعوك فما أعز أمرك.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: إنّي اخشى عليهم أهل نجد.
قال أبو براء: لا تخف، أنا لهم جار، فابعثهُم فليدعوا الناس الى أمرك.

فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أربعين رجلاً من خيار المسلمين من أصحابه ممن حفظوا القرآن وعرفوا احكام الاسلام، وأمّر عليهم “المنذر بن عمرو”، فساروا حتى نزلوا ببئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم وهم يحملون من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كتاباً إلى عامر بن الطفيل أحد زعماء “نجد”، وكلّف أحد المسلمين بايصال ذلك الكتاب إلى عامر، فلما أتاه الكتاب لم ينظر فيه حتى عدا على الرجل (حامل الكتاب) فقتله، ثم استصرخ بني عامر على المبلّغين، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن ننقض عهد أبي براء، وقد عقد لهم عقداً وجواراً.

فاستصرخ عليهم قبائل بني سُليم فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى نزلوا حيث نزل جماعة الدعاة، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم بعد أن أبدوا مقاومة كبرى، وبسالة عظيمة، ولم يكن يتوقع منهم غير ذلك.

فانّ مبعوثي النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لم يكونوا مجرد رجال فكر وعلم فقط، بل كانوا رجال حروب، وأبطال معارك، ولذا رفضوا الاستسلام للمعتدين، واعتبروا ذلك عاراً لا يليق بالمسلم الحرّ الأبيّ، فقاتلوهم حتى استشهدوا جميعاً، إلا كعب بن زيد، فانه جرح فعاد بجراحه الى المدينة، وأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بما جرى لأصحابه على أيدي قبائل بني سليم المشركة الغدرة.

فحزن رسول اللّه والمسلمون جميعاً لهاتين الحادثتين المفجعتين اشد الحزن بل ولم يجد على قتلى مثل ما وجد عليهم، وبقي رسول اللّه يذكر شهداء بئر معونة ردحاً من الزمان10.

هذا ولقد كانت هاتان الحادثتان المؤسفتان المؤلمتان جميعاً من نتائج النكسة التي أصابت المسلمين في “اُحُد” والتي جرّأت القبائل خارج المدينة على قتل رجال المسلمين ودعاتهم غدراً ومكراً.

كيدُ المستشرقين وجفاؤهم:

إن المستشرقين الذين دأبوا على نقد أبسط سوء يتعرض له مشرك على أيدي المسلمين فينالون من الاسلام والمسلمين أشدّ نيل، ويصرّون على أن يؤكّدوا على أن الاسلام لم ينتشر إلا بالسيف والقهر، التزموا صمتاً عجيباً تجاه هاتين الحادثتين المؤلمتين المفجعتين، ولم ينبسُوا في هذا المقام ببنت شفة أبداً، وكأن شيئاً من هذا لم يقع، وكأن ما وقع لا يستأهل إهتماماً وحديثاً.

ترى أيّ نظام من أنظمة العالم القديم والجديد يجيز أن يُقتل الدعاة والمبشرون ورجالُ العلم والفكر، والتعليم والتثقيف.

إذا كان الاسلام قد تقدّم بالسيف – كما يدّعي رجالُ الاستشراق – فلماذا تخاطر جماعات التبليغ والدعوة هذه بأنفسها وتزهق أرواحها في سبيل نشر الاسلام، والدعوة السلمية الفكرية إليه.

إنَّ هاتين الحادثتين تنطويان على نقاط حيوية، وعبر مفيدة جداً، فان قوة الايمان لدى تلك الجماعات، وعمق تفانيها، وتضحيتها، وبسالتها تستحق إعجاب المسلمين، واكبارهم. كما وتعتبر من أفضل الدروس وابلغها لهم.

المؤمن لا يلدغ من جحر مرّتين:
لقد أثارت حادثتا “الرجيع” و”بئر معونة” المفجعتان اللتان جرّتا إلى مصرع مجموعة كبيرة من خيرة الدعاة والمبلّغين موجة من الحزن والأسى في المسلمين وتركت أثراً مؤلماً في أوساطهم.

وهنا يتساءل القارئ: لماذا أقدم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على إرسال المجموعة الثانية من المبلّغين الى “نجد” مع أنه حصل على تجربة مرة ؟ ! ألم يقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: “لا يُلدغ المؤمن من جحر مرّتين”.

إن الإجابة على هذا السؤال تتضح من خلال مراجعة النصوص التاريخية لأن المجموعة الثانية قد بُعثت في جوارٍ من أبي براء (عامر بن مالك بن جعفر) والذي كان رئيساً لقبيلة بني عامر، ولم تفعل قبيلته ما خالف جوار رئيسهم ولم يشتركوا في تلك الجريمة وقد بقي أبو براء نفسه في المدينة تأكيداً لجواره، ريثما يرجع فريق التبليغ إلى المدينة.

لقد كانت خطة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خطة مدروسة وصحيحة لأن جماعة المبلّغين الثانية لم تقتل على يد قبيلة أبي براء، ومع أن ابن أخيه عامر بن الطفيل قد استصرخ قبيلة أبي براء التي كانت قبيلته أيضاً، ضدّ جماعة المبلّغين إلا أن قبيلة أبي براء أبت أن تنفر معه، ولم يستجب لندائه أحد منهم بل قالوا: لن يُخفر جوار أبي براء. ولما أيس منهم استصرخ قبيلةً اُخرى لا تمتُّ إلى قبيلة أبي براء بصلة، فاقدمت تلك القبائل على محاصرة الدعاة الأربعين ومقاتلتهم.

ثم إن جماعة المبلّغين المذكورة كانت قد بعثت عند مغادرتها المدينة وتوجهها الى منطقة أبي براء رجلين من رجالها هما: عمرو بن اُميّة و”حارث بن الصمة”11 ليرعيا إبل الجماعة ويحافظا عليها، وبينما كان الرجلان يقومان بواجبهما اذ أغار عليهما “عامر بن الطفيل”. فقتل حارث بن الصمة، واطلق سراح عمرو بن اُميّة.

فعاد عامر الى المدينة، في اثناء الطريق التقى رجلين من العامريين فرافقهما وأمهلهما حتى اذا ناما وثب عليهما فقتلهما، وهو يرى بأنه انتقم لزملائه من المسلمين من بني عامر، وقد أخطأ في تصوره هذا لأن بني عامر لم تخفر جوار سيدها أبي براء ولم تنقض أمانه كما أسلفنا، ولم تشترك في جريمة قتل الدعاة الأربعين.

فلما قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأخبره الخبر، حزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لذلك وقال لعمرو: “بئس ما صنعت، قتلت رجلين كان لهما مني أمان وجوار، لادفعن ديتهما”.

ولكن الاجابة الاكثر وضوحاً على هذا الاعتراض (او السؤال) هو ما يذكره ابن سعد صاحب الطبقات إذ يقول: وجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خبر أهل بئر معونة، وجاءه تلك الليلة أيضاً مصاب خبيب بن عديّ ومرثد بن أبي مرثد12.


1- وقعت حادثة قتل المبلّغين في الشهر السادس.
2- المغازي: ج 1 ص 340، وامتاع الاسماع: ج 1 ص 170، ولا بدّ أنك أيها القارئ الكريم تتذكر أن السنة الثالثة للهجرة تنتهي عند انتهاء الشهر الرابع والثلاثين، وتكون حوادث الشهر الخامس والثلاثين متعلقة بالسنة الرابعة من الهجرة.
3- السيرة النبوية: ج 2 ص 169، وقال في امتاع الاسماع: ج 1 ص 174 انهم سبعة اشخاص.
4- الطبقات الكبرى: ج 2 ص 55.
5- أو قالوا: واللّه لا نقبل من مشرك عهداً ولا عقداً أبداً (السيرة النبوية: ج 2 ص 170).
6- التنعيم ابتداء الحرم ومنها يحرم المعتمرون للعمرة المفردة.
7- السيرة النبوية: ج 2 ص 172، المغازي: ج 2 ص 362، امتاع الاسماع: ج 1 ص 174 و175.
8- المغازي: ج 1 ص 354 – 362، السيرة النبوية: ج 2 ص 169.
9- سفينة البحار: ج 1 ص 372.
10 السيرة النبوية: ج 2 ص 183 – 187، امتاع الاسماع: ج 1 ص 170 – 173.
11- السيرة النبوية: ج 2 ص 168 وصاحب السيرة يرى انه المنذر بن محمد.
12- الطبقات الكبرى: ج 2 ص 52 و53.

المصدر: http://alrasoul.almaaref.org

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق