سادة القافلةسيرة أهل البيت (ع)في رحاب نهج البلاغةمناسباتمنوعات

البرزخ في کلام أميرالمؤمنين عليه السلام

البرزخ في کلام أميرالمؤمنين عليه السلام

عن أمير المؤمنين عليه السلام :

أُولَئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ [١] وَفُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمْ [٢] الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزِّ وَحَلَبَاتُ [٣] الْفَخْرِ مُلُوكاً وَسُوَقاً [٤] سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَخِ سَبِيلًا سُلِّطَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ وَشَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لَا يَنْمُونَ وَضِمَاراً [٥] لَا يُوجَدُونَ لَا يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الْأَهْوَالِ [٦] وَلَا يَحْزُنُهُمْ تَنَكُّرُ الْأَحْوَالِ وَلَا يَحْفِلُونَ  [٧] بِالرَّوَاجِفِ وَلَا يَأْذَنُونَ [٨] لِلْقَوَاصِفِ [٩] غُيَّباً لَا يُنْتَظَرُونَ وَشُهُوداً لَا يَحْضُرُونَ وَإِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا [١٠] وَآلَافاً فَافْتَرَقُوا وَمَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ وَلَا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ عَمِيَتْ أَخْبَارُهُمْ وَصَمَّتْ دِيَارُهُمْ وَلَكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً وَبِالسَّمْعِ صَمَماً وَبِالْحَرَكَاتِ سُكُوناً فَكَأَنَّهُمْ فِي ارْتِجَالِ الصِّفَةِ [١١] صَرْعَى سُبَاتٍ جِيرَانٌ لَا يَتَأَنَّسُونَ وَأَحِبَّاءُ لَا يَتَزَاوَرُونَ بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرى التَّعَارُفِ [١٢] وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الْإِخَاءِ فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ وَهُمْ جَمِيعٌ وَبِجَانِبِ الْهَجْرِ وَهُمْ أَخِلَّاءُ [١٣] لَا يَتَعَارَفُونَ لِلَيْلٍ صَبَاحاً وَلَا لِنَهَارٍ مَسَاءً أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ [١٤] ظَعَنُوا [١٥] فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مِمَّا خَافُوا وَرَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا. [١٦]

عالم البرزخ

البرزخ لغةً الحاجز، والمراد هنا هو المرحلة الممتدّة من الموت إلى البعث والنشور. قال الله تعالى: ?وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ? [١٧].

وعالم البرزخ هذا هو عالم اجتماع الأرواح، فالأرواح المؤمنة تجتمع وتلتقي في نعيم ورحمة من الله، بل إنّها تنتظر ما يقدم عليها من أرواح لتسأله الخبر عمّن هم في هذه الدنيا، وبذلك يعرفون أنّه ما زال حيّاً أو هوى في الجحيم، فقد ورد في الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: “إنّ الأرواح في صفة الأجساد في شجر في الجنّة، تتسائل وتتعارف، فإذا قدمت الروح على الأرواح تقول: دعوها فإنّها قد أقبلت من هول عظيم، ثمّ يسألونها ما فعل فلان وما فعل فلان، فإن قالت لهم: تركته حيّاً، ارتجوه، وإن قالت لهم: قد هلك، قالوا: قد هوى هوى” [١٨].

وادي السلام

وأمّا مكان اجتماع أرواح المؤمنين فهو، وكما ورد في الروايات، وادي السلام في النجف الأشرف، ففي الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام لمّا قيل له إنّ أخي ببغداد وأخاف أن يموت به فقال: “ما تبالي حيث مات، أما أنّه لا يبقى مؤمن في شرق الأرض ولا غربها إلّا حشر الله روحه إلى وادي السلام، فقلت له: وأين وادي السلام؟ قال: ظهر الكوفة، أما كأنّي بهم حلق حلق قعود يتحدّثون” [١٩].

وادي برهوت

وأمّا أرواح الكفار، فإنّها تعيش العذاب الأليم في عالم البرزخ، وهي تجتمع في مكانٍ واحدٍ لتتلقّى العذاب. ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام: “إنّ لله ناراً في المشرق، خلقها الله ليسكنها أرواح الكفار، ويأكلون من زقّومها ويشربون من حميمها ليلهم، فإذا طلع الفجر هاجت إلى وادٍ باليمن، يقال له: برهوت، أشدّ حرّاً من نيران بئر الدنيا فكانوا فيه يتلاقون ويتعارفون، فإذا كان المساء عادوا إلى النار إلى يوم القيامة” [٢٠].

ورغم هذا العذاب الذي يلقونه، فإنّهم يدركون أنّ ما سيصيبهم من العذاب في يوم القيامة أشدّ ممّا هم فيه، فلذا يطلبون من الله أن يطيل الله عليهم حياة البرزخ، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام في أرواح الكفار: “في حجرات في النار، يأكلون من طعامها، ويشربون من شرابها، ويتزاورون فيها، ويقولون: ربّنا لا تقم لنا الساعة لتنجز لنا ما وعدتنا” [٢١].

——————————————————-
[١] . المتقدّمون والسابقون منكم، أي الأجداد والآباء.
[٢] . فراط مناهلكم: أي الذين وردوا إلى الموت قبلكم.
[٣] . ساحات.
[٤] . رعيّة.
[٥] . لا يرجى رجوعهم.
[٦] . المخاوف .
[٧] . لا يهتمون.
[٨] . لا يستمعون متعجّبين .
[٩] . الشدائد.
[١٠] . افترقوا.
[١١] . ارتجال الصفة: أفضل وصف لهم دون تفكير وتأمل أنهم وقعوا على الأرض في حالة نوم.
[١٢] . بليت بينهم عرى التعارف: انقطعت العلاقة بينهم.
[١٣] . الأخلاء: الأصدقاء.
[١٤] . الجديدان: الليل والنهار.
[١٥] . ظعنوا: رحلوا.
[١٦] . نهج البلاغة، الخطبة، ٢٢١.
[١٧] . سورة المؤمنون: الآية ١٠٠.
[١٨] . الفصول المهمّة في أصول الأئمّة – الحرّ العاملي – ج ١ ص ٣٣٠.
[١٩] . م.ن، ص ٣٢٩.
[٢٠] . م.ن، ص ٣٣٩.
[٢١] . ميزان الحكمة – محمّدي الريشهري – ج ١ ص ٢٥٣.

منقول من موقع التبيان (حياة القلوب، سلسة الدروس الثقافية)

المصدر: http://arabic.balaghah.net

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى