مقالات

اذية المؤمن

كرّم الله تعالى الإنسان، مميّزًا إيّاه على كثيرٍ من خلقه، قال تعالى: ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ” 1.

ومن التفضل

بسم الله الرحمن الرحيم
أذيَّة المؤمن
كرّم الله تعالى الإنسان، مميّزًا إيّاه على كثيرٍ من خلقه، قال تعالى: ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ” 1.
ومن التفضل التشريعيّ للإنسان بما هو إنسان أنّ الله تعالى جعل له حرمة لإنسانيّته، قال تعالى: ” مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ” 2.
هذه الآية أعطت الحرمة للإنسان بعنوانه الإنساني بغضّ النظر عن أيّة صفة لاحقة به, مفيدةً أن الخروج عن أصل الحرمة هذه يحتاج إلى عنوان خاص كأن يكون قاتلاً أو مفسداً في الأرض.
وحرمة الإنسان هذه تعلو وتعظم كلّما علا الإنسان في تكامله, فإذا وصل إلى مرحلة الإيمان تصل درجة حرمته إلى الحدّ الذي عبّر عنه رسول الله(ص) حينما نظر إلى الكعبة وقال:” مرحباً بالبيت, ما أعظمك وأعظم حرمتك على الله, والله للمؤمن أعظم حرمة منك”3، والذي عبَّر عنه(ص) بقوله:” مثل المؤمن كمثل ملك مقرَّب, وإن المؤمن أعظم حرمةً عند الله من ملك مقرَّب” 4.
وحرمة المؤمن هذه تقتضي مراعاة خاصة في تعامل الناس معه, والحدّ الأدنى لهذه المراعاة هو عدم أذيّته وهذا ما أكدَّت عليه الأحاديث الواردة عن النبيّ(ص) وأهل بيته(ع).
فعن الرسول الأكرم(ص) أنه قال: “من آذى مؤمناً فقد آذاني” 5.
وعن الإمام الصادق(ع):” قال الله عزَّ وجل: ليأذن بحربٍ منّي من آذى عبدي المؤمن” 6.
كيف تتحقق الأذيّة ؟
إنَّ التأمل فيما تقدّم يجعل الإنسان حريصاً على عدم الإقدام على أيّ أمر يؤذي إلى الأذيّة التي تتحقّق بأمور كثيرة منها:
1- النظرة, فعن الرسول الأكرم(ص): “من نظر إلى مؤمن نظرة يخيفه بها أخافه الله تعالى يوم لا ظلّ إلا ظلّه” 7، وعن الإمام الصادق (ع): “من نظر إلى والديه نظر ماقت، وهما ظالمان له، لم تقبل له صلاة” 8.
2- الكلمة, فعن الإمام الصادق(ع): “من أعان على مؤمن بشطر كلمة لقي الله عزّ وجل يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه: (آيس من رحمتي)” 9.
3- الضرب, فعن الإمام علي(ع):” من ضرب رجلاً سوطاً ظلماً ضربه الله تبارك وتعالى بسوط من نار” 10.
إضافة إلى استحقاق فاعله للعقاب الإلهي, فإنّه موجب شرعاً لبدل مالي يجب على الضارب أن يقدِّمه لمن ضربه, وهذا يتضح من خلال الجداول التالية:
(أ) في الضرب على الوجه مع تغيُّر لون الوجه فقط دون جرح أو كسر أو ورم أو مرض نعرض الجدول التالي: 11
التغيّرالحاصلفيالوجه
بسببالضرب
الضريبةبالدينار

الضريبةبالذهب

إذااحمرَّالوجه

دينارونصف

5.4غرام

إذااخضرَّالوجه

ثلاثةدنانير

10.8غرام

إذااسودَّالوجه

ستةدنانير

21.6غرام

(ب) في الضرب على البدن مع تغيُّر لونه فقط كما تقدّم نعرض الجدول التالي: 12
التغير الحاصل في البدن
بسبب الضرب
الضريبة بالدينار

الضريبة بالذهب

إذا احمرَّ البدن

ثلاثة أرباع الدينار

غرام 7.2

إذا اخضرَّ البدن

دينار ونصف

غرام 4.5

إذا اسودَّ البدن

ثلاثة دنانير

غرام 8.10

(ج) في جرح الرأس والوجه نعرض الجدول التالي: 13
نوعالجرحفيالرأسوالوجه

الضريبة

إذا تقشَّر الجلد مندون إدماء

بعير

إذا دخل الجرح في اللّحم يسيراً وخرج الدم

بعيران

إذادخل الجرح في اللّحم كثيراً ولم يبلغ الجلدة الرقيقة المغشية للعظم

ثلاثة أبعرة
إذا دخل الجرح في اللّحم كثيراً وقطَّعت اللحم الجلدةالرقيقة المغشية للعظم

أربعة أبعرة

4- إشهار السلاح عليه
عن الرسول الأكرم(ص): “من أشار إلى أخيه المسلم بسلاحه لعنته الملائكة حتى ينحيه عنه” 14.
وروى محمد بن مسلم عن الإمام الباقر(ع) أنّه قال:
– “من شهر السلاح في مصر من الأمصار فعقر ، اقتص منه ونفي من تلك البلد.
– ومن شهر السلاح في غير الأمصار, وضرب, وعقر, وأخذ الأموال ولم يَقُتل، فهو محارب وجزاؤه جزاء المحارب وأمره إلى الإمام إن شاء قتله ، وإن شاء صلبه ، وإن شاء قطع يده ورجله . – وإن ضرب وقتل وأخذ المال, فعلى الإمام أن يقطع يده اليمنى بالسرقة ، ثم يدفعه إلى أولياء المقتول فيتبعونه بالمال، ثم يقتلونه” 15.
خلفيّات ايذاء الناس
للإيذاء خلفيّات وأسباب عديدة فمنها:
1- عُقَد نفسية عند المؤذي، وصاحب العقد قد يحتاج إلى علاج نفسي يخرجه من شقائه الداخلي.
2- حاكمية قوة الغضب على الإنسان بدل قوة العقل، وهذا بحاجة إلى برنامج أخلاقي لتقوية حاكمية العقل التي أرشد النبي (ص) إلى قاعدتها الأساسيّة بقوله: “إذا هممت بأمر فتدبّر عاقبته” 16.
3- الشعور بضعف الآخر، كما يشعر الغني بضعف الفقير والرئيس بضعف المرؤوس أمامه، والمخدوم بضعف خادمه، والأب بضعف أولاده، والزوج بضعف زوجته. وهؤلاء عليهم أن يطعلوا ويؤمنوا بحقوق هؤلاء الضعفاء، وبالأثر البالغ لإهانتهم، فعن الإمام الصادق (ع): “لا تحقّروا مؤمنًا فقيرًا، فإنّ من حقّر مؤمنًا، أو استخفّ به، حقّره الله، ولم يزل له ماقتًا حتى يرجع عن محقرته أو يتوب” 17.
كفّ الأذى
مقابل ما مرّ أكّدت الأحاديث الشريفة على أهميّة وحسن كفّ الأذى عن الناس، مبيِّنة آثاره وثوابه، ممّا روى في ذلك:
1-عن الإمام زين العابدين (ع): “كفّ الأذى من كمال العقل، وفيه راحة للبدن عاجلاً وآجلاً” 18.
2- عن الرسول الأكرم (ص): “كُفّ أذاك عن الناس؛ فإنّه صدقة تصدّق بها على نفسك” 19.
3- عن الإمام الصادق (ع): “من كفّ يده عن الناس، فإنّما يكف عنهم يدًا واحدة، ويكفّون عنه أيادي كثيرة” 20.
العفو عند الاعتذار
كما أراد منا الإسلام أن نكفّ الأذى عن الناس، أدّبنا أن نقبل اعتذار من آذانا، فعن الإمام زين العابدين (ع): “إن شتمك رجل عن يمينك، ثمّ تحوّل إليك عن يسارك، فاعتذر إليك، فاقبل عذره”21.
1 سورة الإسراء، الآية 70.
2 سورة المائدة، الآية 32.
3 المجلسي, بحار الأنوار, ج 64, ص 71.
4 المصدر السابق, ص 72.
5 المصدر السابق, ص 72.
6 الكليني, الكافي, ج 2, ص 350.
7 المرجع السابق نفسه.
8 الطبرسي، حسين،مستدرك الوسائل، ج 15، ص 195.
9 الكليني, الكافي, ج 3, ص 68.
10 القاضي, النعمان, دعائم الإسلام, ج 2, ص 541.
11 انظر الإمام الخميني, تحرير الوسيلة, منشورات السفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية, بيروت, ج 2, ص 539 (كان الحساب على أساس أن الدينار = 3.6 غرام من الذهب). الخوئي مباني تكلمة منهاج الصالحين, ج 2, ص 394-395.

12 انظر الإمام الخميني, تحرير الوسيلة, منشورات السفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية, بيروت, ج 2, ص 536.

13 الإمام الخوئي, تحرير الوسيلة, ج 2, ص 538. الخوئي, مباني تكملة منهاج الصالحين, ج 2, ص 378-380.

14 الميرزا النوري, مستدرك الوسائل, ج 9, ص 148.
15 الهندي, الفاضل, كشف اللثام, ج 10, ص 642.
16 الصدوق، محمد، من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 410.
17 الحر العاملي، محمد، هداية الأمة إلى أحكام الأئمة، ج 5، ص 186.
18 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 75، ص 141.
19 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 72، ص 54.
20 الصدوق،محمّد، الخصال، ص 17.
21 الحر العاملي، محمد، وسائل الشيعة، ج 12، ص 218.

المصدر:موقع سراج القائم

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق