منوعات

أبو طالب مؤمن آل قريش

“وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا” [1].

كثير من الناس يدخلون بعد النصر أفواجاً, لكنّ القليل الذين ينصرون الحقّ في أوقات المحن والبلاء.

من هؤلاء القليل أحد أولياء شهر رمضان أبو طالب عمران بن عبد المطلب(رض) الذي يجرّنا الحديث عنه إلى الحديث عن طهارة آباء النبيّ(ص).

طهارة آباء النبيّ

قال تعالى :” الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ* وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ[2].

وعن النبي(ص):”لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات, حتى أُسكنتُ في صلب عبد الله، ورحم آمنة[3].

وعن أمير المؤمنين(ع):”فاستودعهم في أفضل مستودع ، وأقرّهم في خير مستقر” . تناسختهم كرائم الأصلاب، إلى مطهَّرات الأرحام . كلما مضى منهم سلف قام منهم بدين الله خلف, حتى أفضت كرامة الله سبحانه إلى محمد صلى الله عليه وآله ، فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً وأعزِّ الأرومة مغرساً, من الشجرة التي صدع منها أنبياءه وانتجب منها أمناءه[4].

قال الشاعر:

تنقل أحمد نوراً عظيماً                                   تلألأ في جباه الساجدين

تقلّب فيهم قرناً فقرناً                                    إلى أن جاء خير المرسلين[5]

آزروالتوحيد

بناءًا على ما تقدَّم يرد سؤال حاصله:

كيف نجمع بين الاعتقاد بطهارة آباء النبي(ص) وقصّة آزر في القرآن الكريم, إذ قال تعالى: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُبينٍ “[6].

والجواب: إنَّ العرب كانوا يطلقون  على العمّ صفة الأب, ولهذا شاهداً في القرآن الكريم, قال تعالى :”أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ[7]. فاسماعيل(ع) هو عمّ يعقوب(ع) وليس أباه, ومع ذلك شمله لفظ “آبائك“.

أبو طالب كفيل النبيّ(ص)

من الأصلاب الشامخة أولد عبد المطلب عبد الله والد النبيّ(ص), الذي تكفلّه عمّه أبو طالب(عمران), الموحِّد لله تعالى, فهو الذي طالما كان يسمعه أهل قريش ينطق بشعر التوحيد والعبودية لله تعالى, فيقول:

مليك الناس ليس له شريك          هو الوهّاب والمبدي المعيد

ومَن فوقَ السماء له ملاك            ومن تحت السماء له عبيد

 وربّته فاطمة بنت أسد, التي قال عنها الرسول(ص) بعد وفاتها: “اللهم اغفر لأمّي فاطمة بنت أسد ولقّنها حجّتها ، ووسّع عليها مدخلها[8].

وقال(ص) عنها

“هذه المرأة كانت أمي بعد أمي التي ولدتني”[9].

في عمر 12 سنة أراد أبو طالب السفر في تجارة فأخذ معه محمّداً(ص) فلما خرج معه أظلَّته غمامة بقيت فوق رأسه حيثما حلّ وهذا ما زاد من تعلُّق أبي طالب (ع) بابن أخيه حتى قال فيه: وهناك لقيه بحيراء الراهب الذي رأى فيه تلاءم النبيّ الخاتم، فأخبره بنبوّته.

قال أبو طالب (رض): “إن ابن آمنة النبيّ محمداً عندي يفوق منازل الأولاد”[10].

أبو طالب يخطب طالباً يد خديجة للنبي محمد(ص)

قال في خطبته:

” الحمد لله الذي جعلنا من ذريّة إبراهيم (ع)، وزرع إسماعيل(ع) ، وجعل لنا بلداً حراماً، وبيتاً محجوباً، وجعلنا الحكام على الناس ، ثم إنَّ محمد بن عبد الله أخي من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه برّاً وفضلاً وحزماً وعقلاً ورأياً ونبلاً ، وإن كان في المال قلٌّ, فإنّما المال ظِلّ زائل، وعارية مسترجعة ، وله في خديجة بنت خويلد رغبة, ولها فيه مثل ذلك ، وما أحببتم من الصداق فعليَّ ، وله –والله- بعدُ نبأٌ شائع وخطب جليل”[11] .

أبو طالب المدافع عن النبيّ(ص)

1- روى ابن الأثير في النهاية: لمّا أراد النبيّ أن يتكلم اعترضه أبو لهب, فقال له أبو طالب(رض): “اسكت”, ثم قال للنبيّ (ص): “قمّ يا سيّدي, فتكلّم بما تحبّ, وبلِّغ رسالة ربِّك فإنك الصادق المصدَّق”.

2- وجاءت قريش تشكو محمداً(ص) بأنّه يؤذيها في الكعبة والديار, ويُسْمِعهم ما يكرهون, فراجع أبو طالب النبيَّ محمداً(ص), فأجابه(ص):”والله ما أنا بقادر أن أردَّ ما بعثني به ربّي ، ولو أن يشعل أحدَهم من هذه الشمس ناراً“، فقال أبو طالب : “والله ما كذب قط، فارجعوا راشدين[12] .

3- وجاء أهل قريش مرّة أخرى عند أبي طالب(رض) يطلبون منه أن يتحدَّث مع النبيّ أن يكفّ عن تعييب آلهتهم, وإلا فالحرب, فكان جواب النبيّ(ص): يا عم, والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه”[13],فأجابه أبو طالب(رض): “اذهب –يا ابن أخي- فقل ما أحببت, فوالله لا أسلّمك لشيء أبداً”. وأنشد يقول:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم                  حتى أوسَّد في التراب دفينا

فانفذ لأمرك ما عليك مخافة                            وأبشر وقرَّ بذاك منه عيونا

وقد علمت أنّ دين محمد                              ولقد صدقتَ وكنتَ قبل أمينا

وعرضت عن ديننا قد علمت بأنه              من خير أديان البرية دينا[14]

4- بينما كان الرسول(ص) في مناجاة ربّه يؤدي الصلاة جاء أحد المشركين وهو عبد الله بن الزَّبعري، ورمى عليه فرثَ ودم جزور, وعرف أبو طالب وجاء إلى أهل قريش الذين حاولوا الفرار من المجلس بعدما رأوا غضبه، لكنّه سمَّرهم بقوله “والله لئن قام رجلٌ جلَّلته بسيفي”[15].

والتفت إلى محمد(ص): يا بني, من الفاعل بك هذا؟ فدلّه رسول الله(ص) على ابن الزبعري, فوجأ أنفه, ثم مرَّ بالدن والفرث على القوم, ولطّخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم, وأغلط عليهم القول, ثم قال لمحمد(ص): يا ابن أخي! أرضيت، سئلت من أنت ؟

أنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب, أنت والله أشرفهم حسباً وأرفعهم منصباً.

وأردف يقول:

أنت النّبيّ محمّد           قرم أغرّ مسوّد

 لمسوّدين أكارم             طابوا وطاب المولد

أنيَّ تضام ولم أمت                  وأنا الشجاع العربد

وبنو أبيك كأنّهم           أسد العرين توقد

ولقد عهدتك صادقاً        في القول لا تتزيد

ما زلت تنطق بالصواب     وأنت طفل أمرد[16].

5- في ليلة الاسراء افتقد أبو طالب محمداً, فدعا فتيان بني هاشم, وأمر كلاًّ منهم أن يخبّئ تحت ثيابه سلاحاً, وأن يقف كل واحد منهم عند زعيم من رجال قريش, وبعد أن عاد النبيّ(ص) أعلن أبو طالب(رض) لقريش ما كان يريد أن يفعل, فقال لهم:

“يا معشر قريش أتدرون ما هممتُ به,….والله لو قتلتموه ما أبقيت منكم أحداً, حتى نتفانى نحن وأنتم”,وأنشد:

ألا أبلغ قريشاً حيث حلَّت                    وكل سرائر منها غرور

لآل محمد راع حفيظ                  وداد الصدر مني والضمير

ويشرب بعده الولدان رّياً             وأحمد قد تضمنه القبور

أيا ابن الأنف أنف بني قصي                  كان جبينك القمر المنير[17].

لقد كان رسول الله (ص) يشعر بدعم عمِّه الكبير الذي كان يحثّه على إظهار دعوته, بقوله:

لا يمنعنّك من حقٍّ تقوم به                     أيدٍ تصول ولا سلقٌ بأصوات

فإن كفَّك كفي إن بليت بهم                            ودون نفسك نفسي في الملمَّات

وفاة أبو طالب

في شهر رمضان وفيما كان شعره الإيماني يملأ قريشاً:

يا شاهد الله عليَّ فاشهدِ                       آمنت بالواحد ربِّ محمدِ

من ضلَّ في الدين فإني مهتدِ                           يا ربِّ فاجعل في الجنان موردِ

نزل جبرئيل قائلاً لمحمد : إن الله يأمرك أن تخرج من هذه القرية الظالم أهلها فإنّ ناصرك قد مات.


[1]سورة الانفال, الآية, 74.

[2]  سورة الشعراء, 218-219.

[3]المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج12, ص 48.

[4]نهج البلاغة, خطب الإمام علي(ع), ج, ص 185.

[5]الكجوري, محمد باقر, الخصائص الفاطمية, ط1, تحقيق علي أشرف, منشورات الشريف الرضي, 1380ش, ج2, ص 127.

[6]سورة الانعام, الآية 74.

[7]سورة البقرة الآية 133.

[8]المجلسي, محمد باقر, بحار الأنوار, ج35, ص 179.

[9]الأمين, محسن, أعيان الشيعة, تحقيق حسن الأمين، (لا،ط)، بيروت، دار التعارف، (لا،ت)، ج1, ص 325.

[10]المفيد، محمد، إيمان أبي طالب، تحقيق مؤسسة البعثة، ط2، بيروت، دار المفيد، 1993م، ص36.

[11]المجلسي, محمد باقر, بحار الأنوار, ج35, ص 158.

[12]الأميني, الغدير, ط3, دار الكتاب العربي, بيروت, 1387هـ, ج7, ص 354.

[13]الأمين, محسن, أعيان الشيعة, ج8, ص 115.

[14]المرجع السابق.

[15]القرطبي, تفسير القرطبي, تحقيق أحمد البردوني, (لا,ط), دار احياء التراث العربي, بيروت, (لا,ت), ج6, ص 406.

[16]محسن الأمين, أعيان الشيعة, ج8, ص 119.

[17]المصدر السابق, ص 121.

المصدر:موقع سراج القائم

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق