إسئلنا

النبي والإمام…

نص الشبهة: 

قال الله عز وجل: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ … ﴾ فهذا نص في إبطال اتباع أحد دون رسول الله (صلی الله عليه آله). وإنما الحاجة إلى فرض الإمامة لينفذ الإمام عهود الله تعالى الواردة إلينا على من عبد فقط، لا لأن يأتي الناس بما لا يشاؤنه في معرفته من الدين الذي أتاهم به رسول الله (صلی الله عليه آله). ووجدنا علياً «رضي الله عنه» إذ دعي إلى التحاكم إلى القرآن أجاب، وأخبر بأن التحاكم إلى القرآن حق. فإن كان عليّ أصاب في ذلك فهو قولنا، وإن كان أجاب إلى الباطل فهذه غير صفته «رضي الله عنه»، ولو كان التحاكم إلى القرآن لا يجوز بحضرة الإمام لقال علي حينئذ: كيف تطلبون تحكيم القرآن، وأنا الإمام المبلغ عن رسول الله (صلی الله عليه آله)؟ فإن قالوا: إذ مات رسول الله (صلی الله عليه آله) فلابد من إمام يبلغ الدين. قلنا: هذا باطل ودعوى بلا برهان، وقول لا دليل على صحته، وإنما الذي يحتاج إليه أهل الأرض من رسول الله (صلی الله عليه آله) بيانه وتبليغه فقط، سواء في ذلك من كان بحضرته، ومن غاب عنه، ومن جاء بعده؛ إذ ليس في شخصه (صلی الله عليه آله) إذا لم يتكلم بيان عن شيء من الدين، فالمراد منه عليه السلام كلام باق أبداً مبلغ إلى كل من في الأرض، وأيضاً، فلو كان ما قالوا من الحاجة إلى إمام موجود إلى الأبد لكان منتقضاً ذلك عليهم بمن كان غائباً عن حضرة الإمام في أقطار الأرض، إذ لا سبيل إلى أن يشاهد الإمام جميع أهل الأرض الذين في المشرق والمغرب، من فقير وضعيف، وامرأة ومريض، ومشغول بمعاشه الذي يضيع إن أغفله، فلابد من التبليغ. فإذ لابد من التبليغ عن الإمام، فالتبليغ عن رسول الله (صلی الله عليه آله) أولى بالاتباع من التبليغ عمن هو دونه، وهذا ما لا انفكاك لهم منه (الفصل في الملل والأهواء والنِحَل: 4 / 159ـ 160.).

الجواب: 

بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
وبعد..
فإننا نجيب بما يلي:
أولاً: قال السائل: إن الآية الكريمة: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ … ﴾ 1. نص في إبطال اتباع أحد دون رسول الله «صلى الله عليه وآله»..
ونقول له:
إن هذا غلط، لأن الآية لم تشر إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» بشيء، لا من قريب ولا من بعيد. بل أشارت إلى ما أنزل على الرسول. وهو هذا القرآن، وأمرت باتباعه. فالآية نص في وجوب اتباع القرآن فقط، وهي ساكتة عن غيره..
ثانياً: ذكر السائل: أن وظيفة الإمام هي أن ينفذ عهود الله الواردة إلينا، وليس من وظائفه: أن ينطق عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولا من وظيفته التبليغ عن رسول الله «صلى الله عليه وآله».
وهذا الكلام غير مقبول أيضاً، فإن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد أمر بالتبليغ عنه، فقال: « بلغوا عني ولو آية» 2.
وقال: «ليبلغ الشاهد الغائب» 3.
وعن علي «عليه السلام»: «أنا القرآن الناطق» 4.
وقال تعالى: ﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي … ﴾ 5.
وقال عز وجل: ﴿ … فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ … ﴾ 6.
وفي قضية تبليغ سورة براءة قال «صلى الله عليه وآله»: إن جبرئيل أبلغه عن الله تعالى: أن يا محمد، لا يبلغ عنك إلا أنت أو رجل منك 7.. وأمثال ذلك كثير.
وقال «صلى الله عليه وآله»: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة، فليأت الباب.. أو نحو ذلك 8.
ثالثاً: بالنسبة لإجابة علي «عليه السلام» حين طلب منه التحاكم إلى القرآن نقول:
لم يكن يحق للخوارج أن يطلبوا من علي «عليه السلام» هذا الطلب. لأنه الإمام الذي أمروا بطاعته، وبالقبول منه.. أو بالرجوع إليه لأخذ علم رسول الله «صلى الله عليه وآله» منه. فهو كطلب بني إسرائيل من موسى «عليه السلام» أن يريهم الله جهرة.. فلم يردّ موسى طلب بني إسرائيل، ولم يرد علي «عليه السلام» طلب الخوارج.. وكان طلبهما باطلاً، وخروجاً عن جادة الصواب..
وقد كان يحق لعلي «عليه السلام» أن يقول للخوارج: كيف تطلبون تحكيم القرآن، ورسول الله «صلى الله عليه وآله» قد أمر الأمة بأن تأخذ علومها من علي «عليه السلام»؟!
وقال «صلى الله عليه وآله» للأمة: إن علياً مع القرآن، والقرآن مع علي «عليه السلام»، ولكنه لم يقل لهم ذلك، بل جاراهم رفقاً منه بهم، ورحمة لهم، وللمزيد من ظهور الحجة عليهم قبل منهم ما طلبوه تكرماً منه، وتفضلاً، ونبلاً..
وهذا يشبه قول الله تعالى لنبيه: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ … ﴾ 9، فإنه تعالى يريد أن يظهر عظمة النبي «صلى الله عليه وآله»، وأنه الغاية في كرم الأخلاق، فهو يأذن لهم ويظهر تصديقهم فيما يدعونه مع علمه بكذبهم، وبمقاصدهم رفقاً منه بهم.
وكذلك الحال في قوله تعالى: ﴿ … يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ … ﴾ 10، فإنه تعالى يعاتب نبيه ليظهر بذلك كرم أخلاقه «صلى الله عليه وآله»، وأنه بالرغم من شدة أذى زوجاته له، يمتنع عما أحله تعالى له، رغبة في رضاهن، وهن لا يزددن إلا إيذاءً له «صلى الله عليه وآله»، وتجنياً عليه..
رابعاً: إن أئمة المذاهب الفقهية والعقائدية عند أهل السنة يقولون: إنهم إنما يعرِّفون الناس بأمور دينهم وأحكامه، وحقائقه، ويستفيدون هذه الحقائق والأحكام من كتاب الله، ومن كلام الرسول، مع أنهم قد يخطئون وقد يصيبون، فلماذا تعتبر أقوالهم من الدين، ومن شريعة سيد المرسلين؟! ثم لا يقبل بتبليغ الأئمة الطاهرين «عليهم السلام»، ما سمعوه عن رسول «صلى الله عليه وآله»، ونقله إليهم عنه، آباؤهم عن أجدادهم، بأسانيد متصلة إليه «صلى الله عليه وآله»؟! ولا يأخذون عن أهل البيت «عليهم السلام» الذين طهرهم الله تعالى؟!
ولماذا يأخذون الأخبار من رواتها، وإنما هي بلاغات منهم عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!
خامساً: إن قول السائل: لا دليل على أن الناس بحاجة إلى إمام يبلغهم الدين بعد موت رسول الله غير مقبول أيضاً، فإن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان يرسل المبلغين والمعلمين، وحملة الفقه إلى الأقطار في حال حياته، وقد أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة ليعلم أهلها أحكام الدين، وحقائق الإيمان قبل الهجرة..
وما الفرق في الحاجة إلى المبلغ بين حال الحياة وبعد الممات؟!
وكيف يعرف الناس دينهم بعد موته «صلى الله عليه وآله» إذا لم ينصب لهم معلمين ويدلُّهم على المرشدين العارفين بما جاء به؟!
سادساً: أما النقض على الشيعة بمن كان غائباً عن حضرة الإمام في أقطار الأرض. فكيف يبلغهم الإمام الدين عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!
فجوابه:
أنه في حال حياة الرسول «صلى الله عليه وآله» كيف بلغ رسول الله من كان غائباً عن حضرته، ممن كان مشغولاً في أموره المعيشية؟!
فإن قالوا: إنه «صلى الله عليه وآله» بلغه مباشرة.
قلنا: إن ذلك غير صحيح.
وإن قيل: إنه قد بلغه بواسطة مبعوثين له..
قلنا: فلماذا لا يجوز للإمام أن يبلغ الغائبين عنه بواسطة مبعوثين له؟!
والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله.. 11.

  • 1. القران الكريم: سورة الأعراف (7)، الآية: 3، الصفحة: 151.
  • 2. مسند أحمد ج2 ص159 و 202 و 214 وسنن الدارمي ج1 ص136 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج4 ص145 وسنن الترمذي ج4 ص147 وعون المعبود ج10 ص70 والمصنف للصنعاني ج6 ص109 وج10 ص312 وكتاب العلم لأبي خيثمة النسائي ص14 وخلق أفعال العباد للبخاري ص59 وصحيح ابن حبان ج14 ص149 والمعجم الصغير للطبراني ج1 ص166 ومسند الشهاب ج1 ص387.
  • 3. صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج1 ص35 وسنن ابن ماجة ج1 ص86 ومسند ابن المبارك ص106 وخلق أفعال العباد للبخاري ص79 وبغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص34 والسنن الكبرى للنسائي ج2 ص442 و 443 وشرح معاني الآثار ج3 ص328 وجامع بيان العلم وفضله ج1 ص41 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج5 ص129 وج13 ص651 والجامع لأحكام القرآن ج6 ص343 وتاريخ مدينة دمشق ج13 ص198 وج19 ص96 وكتاب الفتن لابن حماد المروزي ص96 وإمتاع الأسماع ج12 ص348 و 349.
  • 4. ينابيع المودة (ط إسلامبول) ص69 و (ط دار الأسوة) ج1 ص214 عن المناقب لابن المغازلي ص50 حديث73 وشرح إحقاق الحق ج7 ص595 وج32 ص67 عن حسام الدين المردي الحنفي في كتابه: آل محمد ص45.
  • 5. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 108، الصفحة: 248.
  • 6. القران الكريم: سورة النحل (16)، الآية: 43، الصفحة: 272.
  • 7. المستدرك للحاكم ج3 ص51 وتخريج الأحاديث والآثار ج2 ص50 وشواهد التنزيل ج1 ص318 وذخائر العقبى ص69 ومسند أحمد ج1 ص151 ومجمع الزوائد ج7 ص29 وتحفة الأحوذي ج8 ص386 وتخريج الأحاديث والآثار ج2 ص50 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج2 ص422 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص346 والدر المنثور ج3 ص209 و 210 وفتح القدير ج2 ص334 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص348 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص76 والبداية والنهاية ج5 ص46 وج7 ص394 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص97 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص252 وينابيع المودة لذوي القربى ج2 ص161 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص124 والخصال ج2 ص369 وبحار الأنوار ج35 ص286 وج38 ص171 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص128 وشرح الأخبار ج1 ص304 والإختصاص للمفيد ص168 وإقبال الأعمال ج2 ص37 وحلية الأبرار ج2 ص365 ونور الثقلين ج2 ص178.
  • 8. المستدرك للحاكم ج3 ص126 و 127 ومجمع الزوائد ج9 ص114 والمعجم الكبير ج11 ص55 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1102 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج7 ص219 وج9 ص165 وفيض القدير ج3 ص60 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص148 والجامع الصغير ج1 ص415 ونظم درر السمطين ص113 وكشف الخفاء ج1 ص203 والمناقب للخوارزمي ص83 وفتح الملك العلى ص10 و 22 و 23 و 25 والكامل لابن عدي ج1 ص190 و 192 وج2 ص341 وج3 ص412 وتاريخ بغداد ج3 ص181 وج5 ص110 وج7 ص182 وج11 ص50 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص378 و 379 و 380 و 381 و 383 وأسد الغابة ج4 ص22 وتهذيب الكمال ج18 ص77 وج20 ص485 وتذكرة الحفاظ ج4 ص1231 وميزان الاعتدال للذهبي ج1 ص247 وج2 ص251.
  • 9. القران الكريم: سورة التوبة (9)، الآية: 43، الصفحة: 194.
  • 10. القران الكريم: سورة التحريم (66)، من بداية السورة إلى الآية 1، الصفحة: 560.
  • 11. ميزان الحق.. ( شبهات.. وردود )، السيد جعفر مرتضى العاملي، المركز الإسلامي للدراسات، الطبعة الأولى، 1431 هـ. ـ 2010 م، الجزء الرابع، السؤال رقم (177).
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى