بين يدي القائم (عج)

دولة القائم (عج)

تمذهب القضية المهدوية

إن كثيراً من قضايانا العقائدية صبغت بطابع مذهبي أو طائفي، بسبب عوامل معينة، طرأت عليها، فقولبتها في إطار ذلك المذهب، أو نطاق تلك الطائفة.. مما أفقدها طابعها العام، بصفتها عقيدة إسلامية عامة.

وراحت تتغلغل في تمذهبها نتيجة دفع كثير من الدراسات والبحوث، غير المقارنة، أو غير الموضوعية، التي تدور حول القضية على اعتبار أنها من عقائد مذهب معين، أو طائفة معينة.
وقضيتنا هذه (قضية المهدي المنتظر)، إحدى تلكم القضايا التي حولتها العوامل الطارئة، إلى قضية خاصة، فقولبتها في إطار مذهب الشيعة، وقوقعتها في نطاق هذه الطائفة من طوائف المسلمين.

القضية إسلامية عامة
في حين أن دراسة هذه القضية أو بحثها بشيء من الوعي والموضوعية، ينهي بنا حتماً إلى أنها قضية إسلامية، قبل أن تكون مذهبية، شيعية أو غيرها.
وقد رأيت – في حدود مراجعاتي حول القضية – أن باحثي موضوع المهدي المنتظر، من سنة وشيعة، يمتدون بجذور المسألة إلى أحاديث صادرة عن النبي صلى الله عليه وآله.. ثبتت صحة صدورها، إما لأنها متواترة – كما سيأتي – أو لأنها أخبار آحاد توفرت على شرائط الصحة.

وإذا كانت المسألة التي ينتهي بها إلى النبي صلى الله عليه وآله – والجميع يؤمنون بأن النبي صلى الله عليه وآله في سنته المقدسة هو عدل القرآن الكريم في الإرشاد إلى العقيدة الحقة، وفي تشريع الأحكام – لا تعد مسألة إسلامية… فإذن ما هي المسألة الإسلامية؟!…

ورأيتنا أننا متى أبعدنا من حسابنا الانفعال العاطفي، والرواسب الفرقية التي خلفتها وعمقتها أفاعيل الحكام المنحرفين من المسلمين، والحكام المستعمرين من الكافرين،.. ودخلنا المسألة بذهنية العالم الموضوعي، الذي ينشد معرفة الواقع، مستمداً من مصادره الإسلامية الأصيلة، وعلى ضوء المقاييس الإسلامية المعتبرة… وقفنا أمام مسألة إسلامية حتى فيما نعتقده أو نخاله مذهبياً منها.

تواتر أحاديثها عن النبي
وذلك أن الأحاديث في المسألة الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله، قد قال بتواترها غير واحد من العلماء…
وهي – في حدود ما وقفت عليه – على طوائف ثلاث هي:
1- القول بتواترها عند المسلمين.
2- القول بتواترها عند أهل السنة.
3- القول بتواترها عند الشيعة1.

والقول بالتواتر لدى طائفتي المسلمين – في واقعه – قول بالتواتر عند المسلمين عامة.
وقال بصحة صدورها من لم يصرح بتواترها من العلماء، أمثال: أبي الأعلى المودودي.. قال: (غير أن من الصعب – على كل حال – القول بأن الروايات لا حقيقة لها أصلاً، فإننا إذا صرفنا النظر عما أدخل فيها الناس من تلقاء أنفسهم، فإنها تحمل حقيقة أساسية، هي القدر المشترك فيها، وهي: إن النبي صلى الله عليه وآله أخبر أنه سيظهر في آخر الزمان زعيم، عامل بالسنة، يملأ الأرض عدلاً، ويمحو عن وجهها أسباب الظلم والعدوان، ويعلي فيها كلمة الإسلام، ويعمم الرفاه في خلق الله)2.

طوائف أحاديثها
وبغية الانتهاء إلى النتيجة التي أشرت إليها آنفاً:لا بدلنا من دراسة الأحاديث المشار إليها، دراسة مقارنة وموضوعية، ولو بشيء من الإيجاز:
إن الأحاديث في المسألة على طوائف هي:
1- ما لم يصرح فيها بذكر المهدي.
2- ما صرح فيها بذكر المهدي.

وقد حمل العلماء القسم الأول من الأحاديث (وهي التي لم يصرح فيها بذكر المهدي) لأنها مطلقة، على القسم الثاني (وهي التي صرح فيها بذكر المهدي) لأنها مقيدة.
يقول المودودي: (قد ذكرنا في هذا الباب نوعين من الأحاديث: أحاديث ذكر فيها المهدي بالصراحة، وأحاديث إنما أخبر فيها بظهور خليفة عادل بدون تصريح بالمهدي.
ولما كانت هذه الأحاديث من النوع الثاني تشابه الأحاديث من النوع الأول في موضوعها، فقد ذهب المحدثون إلى أن المراد بالخليفة العادل فيها هو المهدي)3 .

وتنقسم الطائفة الأخيرة منهما إلى طوائف أيضاً هي:
أ- ما صرح فيها بأن المهدي من الأمة.
ب – المهدي من العرب.
ج – المهدي من كنانة.
د – من قريش.
هـ – من بني هاشم.
و – من أولاد عبد المطلب.
وإلى هنا يحمل المطلق منها على المقيد، نظراً إلى عدم وجود ما يمنع من ذلك، فتكون النتيجة هي: ما تصرح به الطائفة الأخيرة – رقم و- (المهدي من أولاد عبد المطلب).

وهي تنقسم إلى طائفتين أيضاً هما:
1- ما صرح فيها بأن المهدي من أولاد أبي طالب.
2- ما صرح فيها بأن المهدي من أولاد العباس.

وهنا نظراً لتكافؤ الاحتمالين وهما: احتمال حمل المطلق المتقدم (وهو ما تضمن أن المهدي من أولاد عبد المطلب)، على القسم الأول (وهو ما تضمن أن المهدي من أولاد أبي طالب)،.. واحتمال حمله على القسم الثاني (وهو ما تضمن أن المهدي من أولاد العباس)،.. لا يستطاع تقييده بأحدهما إلا مع ثبوت المرجح.

وحيث قد ثبت أن الأحاديث التي تضمنت أن المهدي من أولاد العباس موضوعة – كما سيأتي بيانه مفصلاً في البحث عن عوامل الغيبة الصغرى – تبقى الأحاديث من القسم الأول (وهي التي تضمنت أن المهدي من أولاد أبي طالب) غير معارضة، فيقيد بها إطلاق ما قبلها، فيحمل عليها.. فتكون النتيجة: هي أن المهدي من أولاد أبي طالب.

وهي – أعني الأحاديث المتضمنة أن المهدي من أولاد أبي طالب – تنقسم إلى طوائف أيضاً هي:
1- المهدي من آل محمد صلى الله عليه وآله.
2- من العترة عليهم السلام.
3- من أهل البيت عليهم السلام.
4- من ذوي القربى عليهم السلام.
5- من الذرية.
6- من أولاد علي عليه السلام.
7- من أولاد فاطمة عليها السلام.
والأخيرة – في هذا السياق – تقيد ما قبلها فتحمل عليها.

وهي تنقسم إلى طائفتين هما:
أ – المهدي من أولاد الإمام الحسن عليه السلام.
ب – المهدي من أولاد الإمام الحسين عليه السلام.

وهنا نعود فنقول: نظراً لتكافؤ الاحتمالين (احتمال حمل المطلق على القسم الأول، واحتمال حمله على القسم الثاني)، لا يمكن حمل المطلق المتقدم على أحدهما من غير ومرجح.
ولما كانت الأحاديث المتضمنة أن المهدي من أولاد الحسن موضوعة، لما يشابه العوامل السياسية التي حملت بني العباس على وضع أحاديث المهدي من أولاد العباس، يحمل المطلق المتقدم على القسم الثاني، فيقيد بها.. فتكون النتيجة: المهدي من أولاد الإمام الحسين عليه السلام.
ولا أقل من أن أحاديث القسم الأول لضعفها وقلتها، لا تقوى على مناهضة أحاديث القسم الثاني لصحتها وكثرتها.

وتنقسم الطائفة الأخيرة منهما إلى طوائف هي:
1- المهدي من أولاد الإمام الصادق عليه السلام.
2- من أولاد الإمام الرضا عليه السلام.
3- من أولاد الإمام الحسن العسكري عليه السلام4.
وشأن هذه الطوائف الأربع الأخيرة، في حمل المطلق منها على المقيد، شأن ما تقدمها من طوائف.

النتيجة
وفي النهاية تكون النتيجة الأخيرة هي:
المهدي المنتظر، هو: (ابن الإمام الحسن العسكري) عليهما السلام.

محاولة الرجوع بالقضية إلى واقعها العام
وهذا اللون من المحاولة في الدراسة والبحث لإرجاع المسألة إلى واقعها العام، والخروج بها عن الأطر المذهبية الضيقة، أمثال: اعتبارها شيعية خاصة – كما يذهب البعض – أو اعتبارها سنية – كما يذهب الشيخ ناصف في كتابه (غاية المأمول) فيما نقل عنه –5.

أقول: إن هذا اللون من المحاولة يتطلب منا الرجوع إلى أصول عامة في بحث الحديث، توفر للعالم الأجواء الكافية للدراسة المقارنة والبحث الموضوعي.
أمثال: أن نعتبر الشرط الأساسي في توثيق الراوي هو: كونه مسلماً صادقاً معاصراً لن ينقل عنه بلا واسطة، قادراً على الاتصال به، مشافهة، أو تحريراً مع توفر شروط الأمانة في التدوين والنقل.

عوامل التمذهب:
وإلى هنا… ربما يتساءل عن العوامل التي حوّلت قضية المهدي المنتظر إلى قضية طائفية؟!…
إن الذي يبدو لي: أن العوامل التي ساعدت على ذلك نوعان هما:

1- العامل السياسي: ويتمثل في استغلال العباسيين القضية لصالح ملكهم الخاص – كما سيأتي بيانه مفصلاً في موضوع عوامل الغيبة الصغرى -، وفي استغلال الحسنيين القضية أيضاً، بغية التوصل إلى الحكم، كما مرت الإشارة إليه -.

2- العامل الطائفي: ويتمثل في لون من الصراع المذهبي بين الشيعة والسنة، وهو الذي كان يقوم على أساس غير موضوعي، وإنما على الرواسب والنزعات الطائفية، وفي إطار الانفعالات العاطفية، التي وسعت فجوة الخلاف بين الطائفتين، فحولت كثيراً من المسائل العامة إلى قضايا خاصة.

وعليه، فالبحث حول المسألة – في واقعه – ليس بحثاً ترفياً، أو حول مسألة تجريدية قليلة الجدوى.. وإنما هو بحث عن العقيدة الإسلامية.. وفي الصميم6.


1- للوقوف على الأقوال يقرأ: إسماعيل الصدر، محاضرات في تفسير القرآن الكريم، ص131 وما بعدها. محمد أمين زين الدين، مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي والمهدوية، ص 16 وما بعدها. السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج 4 ق 3، سيرة الإمام المنتظر (عليه السلام).
2- البيانات ص 116. 
3- البيانات ص 161. 
4- للوقوف على متون الأحاديث في جميع هذه الطوائف يراجع: السيد صدر الدين الصدر، (المهدي).. والمودودي، (البيانات).
5- يقرأ: السيد إسماعيل الصدر، ص 133. 
6- دولة القائم المنظر / العلامة عبد الهادي الفضلي .

المصدر:شبكة المعارف الإسلامية

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق