
قوله تعالى : «وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصّٰالِحٰاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولٰئِكَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ وَ لاٰ يُظْلَمُونَ نَقِيراً» هذا هو الشق الثاني المتضمن لجزاء عامل العمل الصالح و هو الجنة، غير أن الله سبحانه شرط فيه شرطا يوجب تضييقا في فعلية الجزاء و عمم فيه من جهة أخرى توجب السعة.
فشرط في المجازاة بالجنة أن يكون الآتي بالعمل الصالح مؤمنا إذ الجزاء الحسن إنما هو بإزاء العمل الصالح و لا عمل للكافر، قال تعالى: وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ» : (الأنعام: ٨٨)، و قال تعالى: « أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيٰاتِ رَبِّهِمْ وَ لِقٰائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فَلاٰ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ وَزْناً» : (الكهف: ١٠٥).
قال تعالى: «وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصّٰالِحٰاتِ» فأتى بمن التبعيضية، و هو توسعة في الوعد بالجنة، و لو قيل: و من يعمل الصالحات و المقام مقام الدقة في الجزاء أفاد أن الجنة لمن آمن و عمل كل عمل صالح، لكن الفضل الإلهي عمم الجزاء الحسن لمن آمن و أتى ببعض الصالحات فهو يتداركه فيما بقي من الصالحات أو اقترف من المعاصي بتوبة أو شفاعة كما قال تعالى: «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ»: (النساء: ١١٦) و قد تقدم تفصيل الكلام في التوبة و في قوله تعالى : «إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللّٰهِ» : (النساء: ١٧) في الجزء الرابع، و في الشفاعة في قوله تعالى «وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاٰ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً» : (البقرة: ٤٨) في الجزء الأول من هذا الكتاب.
و قال تعالى: «مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ» فعمم الحكم للذكر و الأنثى من غير فرق أصلا خلافا لما كانت تزعمه القدماء من أهل الملل و النحل كالهند و مصر و سائر الوثنيين أن النساء لا عمل لهن و لا ثواب لحسناتهن، و ما كان يظهر من اليهودية و النصرانية أن الكرامة و العزة للرجال، و أن النساء أذلاء عند الله نواقص في الخلقة خاسرات في الأجر و المثوبة، و العرب لا تعدو فيهن هذه العقائد فسوى الله تعالى بين القبيلين بقوله «مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ» .
و لعل هذا هو السر في تعقيب قوله «فَأُولٰئِكَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ» بقوله «وَ لاٰ يُظْلَمُونَ نَقِيراً» لتدل الجملة الأولى على أن النساء ذوات نصيب في المثوبة كالرجال، و الجملة الثانية على أن لا فرق بينهما فيها من حيث الزيادة و النقيصة كما قال تعالى: «فَاسْتَجٰابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاٰ أُضِيعُ عَمَلَ عٰامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» : (آل عمران: ١٩٥).
الميزان في تفسير القرآن ج٥ ص٨٧.
__
مدرسة أهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام
للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT


