محاسن الكلام

{حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَ لَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ(١١٠)} يوسف

قوله تعالى: «حَتّٰى إِذَا اِسْتَيْأَسَ اَلرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جٰاءَهُمْ نَصْرُنٰا» إلى آخر الآية ذكروا أن يأس و استيئس بمعنى، و لا يبعد أن يقال: إن الاستيئاس هو الاقتراب من اليأس بظهور آثاره لمكان هيئة الاستفعال و هو مما يعد يأسا عرفا و ليس باليأس القاطع حقيقة.

و قوله: «حَتّٰى إِذَا اِسْتَيْأَسَ‌» إلخ متعلق الغاية بما يتحصل من الآية السابقة و المعنى تلك الرسل الذين كانوا رجالا أمثالك من أهل القرى و تلك قراهم البائدة دعوهم فلم يستجيبوا و أنذروهم بعذاب الله فلم ينتهوا حتى إذا استيئس الرسل من إيمان أولئك الناس، و ظن الناس أن الرسل قد كذبوا أي أخبروا بالعذاب كذبا جاء نصرنا فنجيء بذلك من نشاء و هم المؤمنون و لا يرد بأسنا أي شدتنا عن القوم المجرمين.

أما استيئاس الرسل من إيمان قومهم فكما أخبر في قصة نوح: «وَ أُوحِيَ إِلىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ‌ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّٰ مَنْ قَدْ آمَنَ‌» : هود: ٣٦ «وَ قٰالَ نُوحٌ رَبِّ لاٰ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكٰافِرِينَ‌ دَيّٰاراً `إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبٰادَكَ وَ لاٰ يَلِدُوا إِلاّٰ فٰاجِراً كَفّٰاراً» : نوح: ٢٧ و يوجد نظيره في قصص هود و صالح و شعيب و موسى و عيسى (ع).

و أما ظن أممهم أنهم قد كذبوا فكما أخبر عنه في قصة نوح من قولهم: «بَلْ نَظُنُّكُمْ‌ كٰاذِبِينَ‌» : هود: ٢٧، و كذا في قصة هود و صالح و قوله: «فَقٰالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يٰا مُوسىٰ مَسْحُوراً» : أسرى ١٠١.

و أما تنجية المؤمنين بالنصر فكقوله تعالى: «وَ كٰانَ حَقًّا عَلَيْنٰا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ‌:» الروم: ٤٧ و قد أخبر به في هلاك بعض الأمم أيضا كقوله: «نَجَّيْنٰا هُوداً وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ‌» : هود: ٥٨ «نَجَّيْنٰا صٰالِحاً وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ‌» : هود: ٦٦ «نَجَّيْنٰا شُعَيْباً وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ‌» : هود: ٤، إلى غير ذلك.

و أما إن بأس الله لا يرد عن المجرمين فمذكور في آيات كثيرة عموما و خصوصا كقوله: «وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذٰا جٰاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لاٰ يُظْلَمُونَ‌:» يونس: ٤٧، و قوله: «وَ إِذٰا أَرٰادَ اَللّٰهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلاٰ مَرَدَّ لَهُ وَ مٰا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وٰالٍ‌» : الرعد: ١١ إلى غير ذلك من الآيات. هذا أحسن ما أوردوه في الآية من المعاني، و الدليل عليه كون الآية بمضمونها غاية لما تتضمنه سابقتها كما قدمناه، و قد أوردوا لها معاني أخرى لا يخلو شيء منها من السقم و الإضراب عنها أوجه.

الميزان في تفسير القرآن ج١١ ص٢٧٩.
__

مدرسةأهل البيت
اللهم عجل لوليك_الفرج
محاسن_الكلام

للانضمام إلى مجتمعنا على الواتس اب:
https://chat.whatsapp.com/HQ5StBT435DGhOlHxy1VhT

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى